تكشف النشرة السنوية لمبادرة «صوت لدعم حقوق المرأة» عن رصد 364 حالة عنف ضد النساء والفتيات في مصر خلال عام 2025، اعتمادًا فقط على ما نُشر في المواقع الصحفية الإلكترونية؛ أي أننا أمام الجزء الظاهر من جبل جليد ضخم من الانتهاكات المسكوت عنها.

 

توزّعت الحالات بين عنف جسدي (قتل، ضرب، إصابات) بنسبة 61.1%، وعنف جنسي (تحرش، خطف، اغتصاب) بنسبة 15.98%، وعنف نفسي بنسبة 6.34%، واقتصادي بنسبة 4.13%، واجتماعي بنسبة 3.8%. الأشد صدمة أن جرائم القتل العمد وحدها تشكّل 22.31% من إجمالي الحالات، وأن حوالي 70% من جرائم العنف الأسري ارتكبها أفراد الأسرة المقربون، في مقدمتهم الزوج ثم الأب.

 

وعلى مستوى الشرائح العمرية، تُظهر البيانات أن النساء بين 36 و50 عامًا هن الأكثر تعرضًا للعنف بنسبة 10.4%، تليهن الفتيات أقل من 12 عامًا بنسبة 8.6%، ثم الفئة من 12 إلى 21 عامًا بنسبة 7.7%، بينما تتعرض النساء فوق الخمسين للعنف بنسبة 6.5%. هذه الأرقام تلتقي مع مسح صحة الأسرة المصرية 2021 الذي كشف أن 31% من النساء المتزوجات أو اللاتي سبق لهن الزواج تعرضن لعنف جسدي أو جنسي أو نفسي على يد الزوج، منهن 25.5% لعنف جسدي، و5.6% لعنف جنسي، و22.3% لعنف نفسي.

 

أرقام «صوت» وبيانات الأمم المتحدة: العنف ظاهرة ممنهجة لا حوادث فردية

 

تُظهر نشرة «صوت» أن القتل العمد هو النمط الأبرز بين جرائم العنف ضد النساء في مصر، باستخدام أدوات حادة أو الخنق، وغالبًا داخل إطار الأسرة. هذه الصورة المحلية تتسق مع تقرير جرائم قتل الإناث 2025 الصادر عن مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة وهيئة الأمم المتحدة للمرأة، والذي يشير إلى أن 83 ألف امرأة وفتاة قُتلن عمدًا حول العالم خلال عام واحد، 60% منهن على أيدي شركاء حميمين أو أفراد من الأسرة.

 

ترى د. هدى بدران، أستاذة علم الاجتماع ورئيسة الاتحاد العام لنساء مصر، أن العنف ضد المرأة لا يمكن اعتباره مسألة “أسرية خاصة”، بل هو معوِّق مباشر للتنمية؛ لأنه يهدر طاقات نصف المجتمع، ويحوّل البيت – المفترض أن يكون مساحة أمان – إلى ساحة تهديد دائم، كما تؤكد أن التمييز والإقصاء وعدم المساواة تدخل كلها في تعريف العنف، وليس الضرب فقط.

 

وتشير د. نسرين البغدادي، أستاذة علم الاجتماع بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية وعضو المجلس القومي للمرأة، إلى أن توثيق الجرائم عبر مبادرات مستقلة ومنظمات نسوية يكمّل الدور الرسمي؛ لأنه يكشف أن «الوقائع التي تصل إلى الشرطة والنيابة ليست سوى جزء من الصورة»، ما يعني أن الأرقام الرسمية أقل من الواقع بكثير، وأننا أمام ظاهرة ممنهجة ومستقرة وليست موجات عابرة من “الجرائم الفردية”.

 

جذور اجتماعية وثقافية لعنف يتغذّى على الصمت ولوم الضحية

 

تكشف النشرة أن 70% من جرائم العنف الأسري ارتكبها أشخاص من داخل الدائرة الأقرب: زوج، أب، إخوة… إلخ، مع ربط بعض الجرائم بما توصف في التحقيقات بأنها “خلافات بسيطة”. هنا تؤكد المحامية نهى سيد، المديرة التنفيذية لمبادرة «صوت»، أن استمرار استخدام ثغرات مثل مادة الرأفة 17 في قانون العقوبات، وتبرير جرائم قتل النساء بـ"الدفاع عن الشرف"، يرسّخ رسالة خطيرة مفادها أن دم المرأة أقل كلفة قانونيًا، وأن القاتل يمكنه الخروج بعقوبة مخففة.

 

من زاوية علم الاجتماع، ترى د. هالة منصور، أستاذة علم الاجتماع بجامعة بنها، أن العنف الأسري «جزء من عنف مجتمعي أوسع» تغذّيه ثقافة ذكورية وتراتبية سلطة داخل البيت، حيث يُمنَح الرجل – أبًا كان أو زوجًا – حقًا غير معلن في “تأديب” النساء، ويكبر الأبناء في بيئة تعتبر العنف وسيلة مشروعة لإدارة الخلاف. وتربط بين انتشار العنف وضعف أدوار مؤسسات التنشئة (الأسرة، المدرسة، الإعلام)، مؤكدة أن المجتمع كله «في خطر» إذا استمرت هذه الحلقة.

 

وفي قراءة مشابهة، تشير د. أمل رضوان، أستاذة علم الاجتماع والعلاقات الأسرية بجامعة عين شمس، إلى أن جزءًا معتبرًا من العنف ضد النساء يستند إلى تفسيرات مغلوطة للنصوص الدينية؛ إذ ينتقي بعض الرجال آيات أو أحاديث بشكل مجتزأ لتبرير الضرب والإهانة، بينما يتجاهلون جوهر الخطاب الديني القائم على الرحمة والتراحم. وترى أن تصحيح هذه المفاهيم عبر مناهج التعليم وخطاب ديني مسؤول هو شرط أساسي لتغيير السلوك داخل البيت.

 

أما د. عزة كامل، أستاذة علم الاجتماع بجامعة القاهرة، فتركّز على البعد الثقافي، معتبرة أن تنامي العنف الأسري في المجتمع المصري يرتبط بـثقافة عنف عامة، وهيمنة أفكار نمطية حول أدوار الرجل والمرأة، وضعف الوعي بحقوق الإنسان، ما يجعل لوم الضحية هو رد الفعل الأوسع في قضايا قتل أو تعنيف النساء، بدلًا من مساءلة الجاني وبنية السلطة داخل الأسرة.

 

قانون غائب وتعريف مفقود: لماذا لم يصدر حتى الآن قانون موحد لمناهضة العنف؟

 

بالرغم من تراكم الأدلة والأرقام المحلية والدولية، ما زال القانون المصري يفتقر إلى تعريف واضح وصريح لـ«العنف الأسري» و«العنف الزوجي»، كما تشير نهى سيد، التي تطالب – ومعها قوة عمل من منظمات نسوية – بإقرار القانون الموحد لمناهضة العنف ضد النساء والفتيات، وهو مشروع أُعد منذ 2017 ووُضع أمام البرلمان عبر النائبتين نادية هنري (2018) ثم نشوى الديب (2022)، لكنه لم يخرج إلى النور حتى اليوم.

 

تؤكد د. نسرين البغدادي أن غياب تعريف تشريعي للعنف الأسري يجعل كثيرًا من الوقائع تُسجَّل في النهاية تحت عناوين عامة كـ«مشاجرة» أو «إيذاء بسيط»، ما يُضعف الإحصاءات ويُبقي حجم الظاهرة الحقيقي في الظل، ويحول دون بناء سياسات عامة فعّالة للوقاية والحماية.

 

وتلخّص د. هدى بدران جوهر الأزمة في أن الدولة تتعامل مع العنف ضد النساء بوصفه ملفًا «حقوقيًا» ثانويًا، بينما هو في الحقيقة ملف تنموي وأمني وأخلاقي؛ فمجتمع يترك نساءه وفتياته تحت رحمة العنف – داخل المنزل وخارجه – لا يمكنه ادعاء الاستقرار أو الحديث عن تنمية حقيقية.

 

في المحصلة، تقول الأرقام إن مصر لا تعاني فقط من جرائم عنف متفرقة ضد النساء، بل من بنية اجتماعية وقانونية تسمح باستمرار هذه الجرائم بلا ردع كافٍ. ورغم جهود مبادرات مثل «صوت»، ومسوح رسمية تكشف حجم المشكلة، يبقى السؤال معلقًا أمام المشرّع: كم امرأة أخرى يجب أن تُقتل أو تُعنَّف قبل أن يتحول هذا الملف من “حملة مناسباتية” إلى إرادة سياسية وتشريعية حقيقية؟