يعيش قطاع غزة فصلاً جديدًا من فصول المأساة المركبة، حيث يتزامن التصعيد العسكري الإسرائيلي المتواصل مع انهيار غير مسبوق للمنظومة الصحية، في ظل حصار خانق واشتراطات سياسية تُلقي بظلالها الثقيلة على مستقبل الإعمار والحياة اليومية لأكثر من مليوني فلسطيني، نصفهم تقريبًا من النازحين.

 

تصعيد ميداني مستمر رغم اتفاق وقف إطلاق النار

 

مع ساعات فجر الأربعاء، جدّد جيش الاحتلال الإسرائيلي قصفه لمناطق متفرقة في قطاع غزة، مستخدمًا الطائرات الحربية والمدفعية الثقيلة، في خرق جديد لاتفاق وقف إطلاق النار الساري منذ أكتوبر 2025.
وأفاد مراسلون ميدانيون بأن قصفًا مدفعيًا مكثفًا وإطلاق نار من الدبابات استهدف مناطق انتشار القوات الإسرائيلية شرقي مدينة خان يونس جنوبي القطاع، فيما شنت المقاتلات الحربية ثلاث غارات جوية على منازل خالية في المناطق التي لا تزال خاضعة للاحتلال شرقي دير البلح وسط القطاع.

 

وفي شمال غزة، وبالتحديد في جباليا، سُمع دوي انفجارات عنيفة ناجمة عن عمليات نسف نفذها الجيش الإسرائيلي داخل مناطق يسيطر عليها، بالتزامن مع قصف مدفعي استهدف الأحياء الشرقية لمدينة غزة، وإطلاق نار كثيف من الآليات العسكرية المتمركزة هناك.

 

من جهته، أعلن جيش الاحتلال مقتل شاب فلسطيني بدعوى اقترابه من “الخط الأصفر” واعتباره تهديدًا لقوات اللواء 188 العاملة جنوب القطاع، في تبرير اعتاد استخدامه لتغطية عمليات القتل الميداني.

 

ووفق معطيات فلسطينية، أسفرت الخروقات الإسرائيلية منذ بدء سريان الاتفاق عن استشهاد 492 فلسطينيًا وإصابة 1356 آخرين، ما يعكس هشاشة الاتفاق واستمرار منطق القوة العسكرية كأداة لإدارة المشهد.

 

حصيلة حرب إبادة ودمار شبه شامل

 

وانتهت، نظريًا، حرب الإبادة الجماعية التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة في 7 أكتوبر 2023 بعد عامين من القتال، لكنها خلّفت واقعًا إنسانيًا كارثيًا، تمثل في استشهاد أكثر من 71 ألفًا و667 فلسطينيًا، وإصابة ما يزيد على 171 ألفًا و343 آخرين، معظمهم من الأطفال والنساء.

 

كما طالت عمليات التدمير نحو 90% من البنية التحتية المدنية، بما في ذلك المنازل والمستشفيات والمدارس وشبكات المياه والكهرباء، فيما قدّرت الأمم المتحدة تكلفة إعادة الإعمار بنحو 70 مليار دولار، رقم يبدو بعيد المنال في ظل التعقيدات السياسية والأمنية الراهنة.

 

وباء صامت يفتك بالأطفال: التهاب السحايا

 

على الجانب الإنساني، تتفاقم الأزمة الصحية في القطاع بوتيرة مقلقة. فقد أعلنت وزارة الصحة في غزة وفاة طفلة تُدعى إيلين عصفور نتيجة إصابتها بالحمّى الشوكية (التهاب السحايا)، في مؤشر خطير على تفشي الأوبئة في بيئة تعاني انهيارًا شبه كامل للخدمات الصحية.

 

وقال مدير مستشفى الأطفال في مجمع ناصر الطبي بخان يونس، الدكتور أحمد الفرا، إن المستشفى سجل ست حالات إصابة بالمرض خلال اليومين الماضيين، محذرًا من خطر انتشار الوباء داخل خيام النزوح المكتظة، حيث تنعدم الشروط الصحية الأساسية، ويتشارك آلاف النازحين مصادر المياه والمرافق البدائية.

 

انهيار المنظومة الصحية ونفاد الأدوية

 

بدوره، وصف مدير مجمع الشفاء الطبي في غزة، الدكتور محمد أبو سلمية، الوضع الصحي في القطاع بأنه “الأسوأ منذ بدء حرب الإبادة”، مشيرًا إلى نفاد أكثر من 70% من الأدوية، بما فيها أدوية منقذة للحياة، في ظل الحصار المشدد ومنع إدخال المستلزمات الطبية.

 

وأوضح أن المستشفيات المتبقية تعمل بأقل الإمكانيات، فيما تتزايد أعداد المرضى بسبب تفشي الأوبئة والفيروسات الموسمية، التي أودت بحياة أطفال وكبار سن خلال الأيام الأخيرة.

 

وأضاف أن نحو 1600 من الكوادر الصحية استشهدوا منذ بدء الحرب، فيما اعتُقل المئات، ورغم ذلك تواصل الطواقم الطبية العمل تحت القصف والاستهداف، مدفوعة بما وصفه بـ“الواجب الإنساني تجاه الشعب الفلسطيني”.

 

ويعمل القطاع الصحي حاليًا عبر 16 مستشفى فقط بالحد الأدنى من القدرة التشغيلية، بعد خروج 22 مستشفى عن الخدمة كليًا، وتدمير 103 مراكز رعاية صحية أولية، إضافة إلى قصف 211 سيارة إسعاف وتدمير 25 محطة لتوليد الأكسجين من أصل 35. كما وصل رصيد 90% من مواد نقل الدم إلى الصفر، ما يهدد حياة الجرحى في أقسام الطوارئ والعناية المركزة.

 

نتنياهو يربط الإعمار بنزع السلاح

 

سياسيًا، صعّد رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من لهجته، مؤكدًا أن حكومته لن تسمح ببدء عملية إعادة إعمار غزة قبل نزع سلاح حركة حماس بالكامل وتحويل القطاع إلى منطقة “خالية من السلاح والأنفاق”، وفق تعبيره.

 

وجاءت تصريحات نتنياهو عقب إعلان الجيش الإسرائيلي استعادة رفات آخر أسير إسرائيلي من غزة، حيث شدد على أن أي حديث عن إعمار قبل نزع السلاح “لن يحدث”، في موقف يتماشى مع الضغوط الأمريكية المتصاعدة.

 

مهلة أمريكية وتصعيد محتمل

 

وفي هذا السياق، تحدثت وسائل إعلام إسرائيلية عن استعداد الولايات المتحدة لإعلان مهلة زمنية رسمية لنزع سلاح حماس، معتبرة أن بدء الإعمار مشروط بموافقة الحركة على ذلك.

 

وبحسب تقارير، تتضمن الخطة الأمريكية تفكيك الأسلحة الثقيلة فورًا، ونزع الأسلحة الفردية “حيًا بحي”، مع تولي لجنة تكنوقراط فلسطينية إدارة الشؤون الأمنية.

 

في المقابل، أكدت حركة حماس أن سلاحها “شأن داخلي فلسطيني” وحق مشروع للدفاع عن النفس، رافضة الخضوع لإملاءات خارجية أو اشتراطات الاحتلال.

 

تهديد بالعودة إلى الحرب وخيارات مفتوحة

 

حذّر مسؤولون عسكريون إسرائيليون من احتمال استئناف العمليات العسكرية الواسعة في حال رفضت حماس نزع سلاحها، وسط حديث عن خطط لشن هجوم جديد أو حتى احتلال كامل للقطاع وإقامة إدارة عسكرية مؤقتة.

 

مخطط رفح ومعبر الأمل المؤجل

 

بالتوازي، كشفت تقارير عن مخطط إسرائيلي لإقامة مخيم كبير في رفح جنوبي القطاع، مزود بتقنيات مراقبة متقدمة، في خطوة وصفها مسؤولون فلسطينيون بأنها “غطاء لتهجير قسري”.

 

كما تتضارب الأنباء حول موعد إعادة فتح معبر رفح، وسط تأكيدات إسرائيلية بأنه سيُفتح لعبور الأفراد فقط، وفق آلية تفتيش معقدة وإشراف أمني إسرائيلي غير مباشر، بمشاركة مراقبين أوروبيين.