تمر ثماني سنوات كاملة على جريمة الإخفاء القسري التي طالت المعيد بكلية الهندسة – جامعة القاهرة، المهندس عبد الرحمن كمال محمود عمر، دون أن تتوفر أي معلومات رسمية عن مكان احتجازه أو مصيره، في واحدة من القضايا التي تعكس نمطًا متكررًا لانتهاكات جسيمة بحق مواطنين مصريين، وسط صمت رسمي وإنكار أمني مستمر.
ووفقًا لما رصدته ووثقته الشبكة المصرية لحقوق الإنسان، لا تزال السلطات الأمنية مستمرة في إخفاء عبد الرحمن كمال قسرًا منذ 31 ديسمبر 2017، وهو التاريخ الذي انقطعت فيه أخباره بشكل كامل بعد اقتياده من داخل قسم شرطة الجيزة، عقب حصوله على حكم نهائي بالبراءة.
سيرة شاب أكاديمي ونشاط إنساني
عبد الرحمن كمال، البالغ من العمر 32 عامًا وقت اختفائه، معيد بكلية الهندسة بجامعة القاهرة، عُرف بين زملائه وأصدقائه بحسن الخلق والتفوق العلمي، وكان يُلقب بـ”عبد الرحمن الخير” نظرًا لمشاركته الواسعة في الأنشطة التطوعية، وعضويته في جمعية رسالة للأعمال الخيرية، حيث شارك في العديد من المبادرات الإنسانية والخدمية.
لم يكن عبد الرحمن يومًا طرفًا في أي أعمال عنف، بحسب مقربين منه، بل كان منخرطًا في مسار أكاديمي واضح، وحياة اجتماعية هادئة، قبل أن تتحول حياته إلى سلسلة طويلة من الانتهاكات بدأت باقتحام منزله وانتهت باختفائه القسري المستمر حتى اليوم.
الاختفاء القسري الأول: اقتحام وترويع وتعذيب
في مساء 22 سبتمبر 2014، اقتحمت قوة أمنية ملثمة ومدججة بالأسلحة منزل عبد الرحمن، وقامت بتكسير محتوياته وترويع أفراد أسرته، قبل أن تقتاده إلى جهة غير معلومة. ومنذ تلك اللحظة، دخل عبد الرحمن في دوامة اختفاء قسري استمرت نحو 120 يومًا، لم تتلقَ خلالها أسرته أي معلومات رسمية عن مكان احتجازه أو وضعه القانوني.
لاحقًا، تبيّن – بحسب إفادات حقوقية – أنه كان محتجزًا داخل مقر الأمن الوطني بمدينة الشيخ زايد، ثم جرى نقله سرًا إلى سجن العزولي الحربي داخل معسكر الجلاء بالإسماعيلية، وهو سجن غير مخصص لاحتجاز المدنيين. وخلال فترة احتجازه هناك، تعرض لأشد أنواع التعذيب، ما أسفر عن إصابته بكسور وجروح خطيرة، وسط أنباء ترددت حينها عن وفاته، وهو ما أشار إليه تقرير نشره موقع “ميدل إيست آي” البريطاني.
بلاغات بلا استجابة
خلال تلك الفترة، تقدمت أسرة عبد الرحمن بعشرات البلاغات إلى النائب العام ووزارة الداخلية وكافة الجهات المعنية، مطالبة بالكشف عن مكان احتجازه وضمان سلامته الجسدية، إلا أن جميع تلك البلاغات قوبلت بالتجاهل، دون فتح تحقيق جاد أو محاسبة أي جهة مسؤولة.
الظهور أمام النيابة: حبس ثم ترحيل إلى العقرب
بعد شهور من الاختفاء، ظهر عبد الرحمن أمام نيابة أمن الدولة العليا متهمًا في القضية رقم 103 لسنة 2014 حصر أمن دولة عليا، المعروفة إعلاميًا بقضية “أجناد مصر”، وواجه اتهامات بالانضمام إلى جماعة إرهابية. وجرى حبسه احتياطيًا لمدة 15 يومًا على ذمة التحقيقات، قبل ترحيله إلى سجن العقرب شديد الحراسة، سيئ السمعة.
ثلاث سنوات حبس… ثم براءة
قضى عبد الرحمن قرابة ثلاث سنوات كاملة رهن الحبس الاحتياطي داخل سجن العقرب، في ظروف احتجاز وُصفت بالقاسية وغير الإنسانية، دون إدانة قضائية. وفي 7 ديسمبر 2017، أصدرت المحكمة حكمًا نهائيًا ببراءته من جميع التهم المنسوبة إليه، في خطوة أعادت الأمل لأسرته بقرب خروجه وطي صفحة المعاناة.
الاختفاء القسري الثاني: من داخل قسم الشرطة
رغم حصوله على البراءة، لم يُطلق سراح عبد الرحمن. ففي 15 ديسمبر 2017 جرى ترحيله من سجن العقرب إلى “تخشيبة” محكمة الجيزة، ثم نُقل إلى قسم شرطة الجيزة في 18 ديسمبر من الشهر ذاته. وبعد أيام قليلة، وتحديدًا في 31 ديسمبر 2017، اختفى عبد الرحمن قسرًا للمرة الثانية، من داخل قسم الشرطة نفسه، لتبدأ فصول جديدة من المأساة.
ومنذ ذلك التاريخ، لم يظهر عبد الرحمن أمام أي جهة قضائية، ولم تُخطر أسرته بأي معلومات عن مكان احتجازه أو وضعه القانوني، في مخالفة صريحة للدستور والقانون والمواثيق الدولية التي وقعت عليها مصر.
ثماني سنوات من القلق والخوف
على مدار أكثر من ثماني سنوات، واصلت أسرة عبد الرحمن تقديم البلاغات والالتماسات، دون أن تتلقى أي رد رسمي، وسط مخاوف متزايدة على حياته وسلامته، خاصة في ظل انقطاع أخباره تمامًا، وتاريخ تعرضه للتعذيب وسوء المعاملة.
وتؤكد منظمات حقوقية أن استمرار إخفائه بعد صدور حكم بالبراءة يمثل انتهاكًا بالغ الخطورة، ويضع علامات استفهام حول احترام سيادة القانون وضمانات المحاكمة العادلة.
سياق أوسع لانتهاكات ممنهجة
تأتي قضية عبد الرحمن كمال في سياق تصاعد ملحوظ لظاهرة الاختفاء القسري حيث رصدت الشبكة المصرية لحقوق الإنسان، إلى جانب منظمات حقوقية محلية ودولية، ارتفاعًا حادًا في وتيرة هذه الجرائم خلال السنوات الماضية، مع إفلات شبه كامل من العقاب، وغياب آليات فعالة للمساءلة.
ويؤكد حقوقيون أن استمرار هذه الانتهاكات لا يهدد فقط الضحايا وأسرهم، بل يقوض منظومة العدالة برمتها، ويكرس حالة من الخوف وعدم اليقين داخل المجتمع.
مطالب بالكشف والمحاسبة
تجدد أسرة عبد الرحمن كمال والمنظمات الحقوقية مطالبها العاجلة بالكشف الفوري عن مكان احتجازه، وضمان سلامته، وتمكينه من التواصل مع أسرته ومحاميه، وفتح تحقيق مستقل وشفاف في وقائع اختفائه القسري المتكرر، ومحاسبة جميع المسؤولين عنها.

