تفتح تصريحات وزيرة الدولة الفرنسية لشؤون الجيش أليس روفو مواجهة سياسية مباشرة مع الخطاب الأمريكي الذي يحاول جر حلف شمال الأطلسي إلى معركة لا تدخل أصلًا في نطاق تأسيسه. روفو قالت في باريس، يوم الأربعاء ٢ أبريل، إن الحلف معني بأمن المجال الأوروبي الأطلسي، وإن تنفيذ عمليات في مضيق هرمز على هذا الأساس سيشكل انتهاكًا للقانون الدولي، في موقف فرنسي واضح يرفض تحويل الأزمة البحرية إلى تفويض مفتوح لواشنطن.

 

ويأتي هذا الموقف بينما يواصل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رفع سقف الضغط على الحلفاء الأوروبيين بعد امتناعهم عن دعم العمل العسكري الأمريكي ضد إيران، وبعد رفضهم إرسال قطع بحرية لإعادة فتح المضيق. ترامب وصف الناتو بأنه "نمر من ورق"، وقال في مقابلة منشورة يوم ١ أبريل إنه يدرس بجدية الانسحاب الأمريكي من الحلف، ما دفع الأزمة من خلاف عابر إلى اختبار سياسي مباشر داخل المعسكر الغربي.

 

باريس ترسم الخط القانوني وتغلق باب التفويض العسكري

 

وفي هذا السياق، اكتسبت كلمات روفو ثقلًا إضافيًا لأنها لم تكتف برفض المهمة المقترحة، بل أعادت تعريف حدود الحلف كما تراها باريس. الوزيرة الفرنسية ربطت بين وظيفة الناتو وبين الأمن الأوروبي الأطلسي، واعتبرت أن نقل نشاطه إلى مضيق هرمز يخرج عن هذا الإطار. هذا التحديد جاء خلال مؤتمر الحرب والسلام في باريس، ونقلته وسائل استندت إلى رويترز في يوم ٢ أبريل.

 

ثم إن الأساس القانوني الذي استندت إليه باريس يجد دعمه في نصوص أوسع من الموقف الفرنسي نفسه. فمعاهدة شمال الأطلسي تتحدث صراحة عن أمن منطقة شمال الأطلسي، كما أن المواد التأسيسية للحلف تربط العضوية والالتزامات بالمجال الأوروبي الأطلسي. لذلك بدا الاعتراض الفرنسي قائمًا على قراءة قانونية مؤسسية، لا على مجرد تحفظ سياسي على سياسات ترامب في الحرب الجارية.

 

كما أن الخبير القانوني مارك تشادويك، من كلية نوتنجهام للقانون، قدم سندًا مباشرًا لهذا الاتجاه حين أوضح في ١٩ مارس أن القانون الدولي لا يمنح الدول حق إغلاق المضائق المستخدمة للملاحة الدولية، وأن المرور العابر لا يجوز إعاقته. تشادويك أشار أيضًا إلى أن الرد العسكري المشروع يظل مقيدًا بأهداف عسكرية محددة وبحدود صارمة، وهو ما يضيق أي تبرير قانوني لعملية واسعة تحت راية الحلف.

 

ولأن المسألة تتجاوز النصوص إلى الوقائع الاقتصادية، فإن حساسية المضيق تضاعف التوتر السياسي حوله. إدارة معلومات الطاقة الأمريكية قالت إن تدفقات النفط عبر مضيق هرمز بلغت في ٢٠٢٤ نحو ٢٠ مليون برميل يوميًا، أي ما يعادل قرابة ٢٠ بالمئة من استهلاك السوائل النفطية عالميًا. هذا الرقم يفسر لماذا تحاول واشنطن تحويل أزمة الملاحة إلى اختبار ولاء سياسي، ولماذا ترفض باريس هذا التحويل.

 

ترامب يصعّد ضد الحلفاء بعدما رفضوا المشاركة في حربه

 

وعلى هذا الأساس، جاء تصعيد ترامب باعتباره ردًا مباشرًا على الرفض الأوروبي، لا مجرد امتداد لانتقاداته القديمة للناتو. تقارير منشورة خلال الأيام الأخيرة أظهرت أن الرئيس الأمريكي اتهم الحلف بعدم رد الجميل للولايات المتحدة، واعتبر أن امتناع الحلفاء عن تأمين المضيق بعد الضربات على إيران يكشف ضعف التحالف. كما صعّد خطابه إلى حد القول إن مسألة الخروج الأمريكي صارت أبعد من مجرد مراجعة للعلاقة.

 

وبعد ذلك، اتخذ الخلاف شكلًا أكثر وضوحًا حين بدأت عواصم أوروبية تفصل بين حرية الملاحة وبين الانضمام إلى العمل العسكري الأمريكي. وزراء خارجية مجموعة السبع دعوا إلى حماية الملاحة وإنهاء استهداف المدنيين، لكن فرنسا وبريطانيا وألمانيا شددت على أنها لم تُستشر قبل الهجوم الأول على إيران، وأن الحرب ليست حربها. هذا الفصل السياسي أضعف محاولة البيت الأبيض تقديم الموقف الغربي كجبهة واحدة.

 

كذلك، زاد المشهد حدة عندما استبعدت لندن واشنطن من اجتماع افتراضي ضم أكثر من ٣٠ دولة لبحث سبل دبلوماسية وسياسية لإعادة فتح المضيق. الاجتماع الذي أُعلن عنه في ٢ أبريل عكس أن أوروبا تريد معالجة الأزمة جماعيًا، لكن خارج الإملاء الأمريكي المباشر. هذا التطور وضع تهديدات ترامب بالانسحاب في سياق عزلة أمريكية متنامية داخل الأزمة نفسها.

 

كما أن الخبيرة البحرية جنيفر باركر شرحت سبب تردد الحلفاء في الانخراط العسكري حين قالت إن إعادة فتح المضيق ليست خطوة سهلة، لأن الجغرافيا تمنح إيران أفضلية كبيرة، ولأن العملية تحتاج قدرات حماية ومرافقة وإزالة ألغام في وقت واحد. هذا التقدير المهني ينسف خطاب ترامب الذي صور المهمة كأنها مناورة بسيطة قليلة المخاطر.

 

أزمة الثقة داخل الناتو تتسع مع كل تهديد أمريكي جديد

 

لكن أخطر ما كشفته الأزمة لا يتعلق بالمضيق وحده، بل بمستقبل الحلف نفسه. ترامب لم يكتفِ بالهجوم على الشركاء، بل ربط الالتزام الأمريكي بالدفاع المشترك بمدى استعداد الأوروبيين لمساندة حرب لم تُطلق باسم الناتو أصلًا. هذا الربط حوّل الخلاف من نزاع على التكتيك إلى نزاع على معنى التحالف، وعلى حدود القيادة الأمريكية داخله.

 

ومن هنا، اكتسب تحذير السفير الأمريكي الأسبق لدى الناتو إيفو دالدر أهمية خاصة. دالدر قال إن الضرر الذي أصاب الثقة داخل الحلف كبير بالفعل، ووصف ما يجري بأنه أسوأ أزمة تواجه الناتو في تاريخه الممتد لسبعة وسبعين عامًا. هذا التوصيف لا يصدر عن خصم للحلف، بل عن مسؤول سابق يعرف آلياته وحدود تماسكه من الداخل.

 

وفي الإطار نفسه، قدّم الباحث الفرنسي فرانسوا هايسبورغ قراءة موازية من زاوية ميدانية وسياسية معًا. هايسبورغ رفض وصف ترامب لإعادة فتح المضيق بأنها عملية سهلة، وقال إن من صنع الفوضى لا يملك أن يطلب من الآخرين تنظيفها ثم يتهمهم بالجبن. هذا الرأي أظهر أن الاعتراض الأوروبي لا يقوم فقط على القانون، بل أيضًا على رفض دفع كلفة قرار أمريكي منفرد.

 

ولذلك، تبدو تصريحات روفو أبعد من مجرد رد فرنسي عابر على سؤال طارئ. التصريحات وضعت حدًا سياسيًا وقانونيًا أمام محاولة واشنطن توسيع وظيفة الحلف بالقوة، وربطت بين أزمة هرمز وبين أزمة الثقة الأطلسية التي صنعتها إدارة ترامب بنفسها. وبينما يلوح البيت الأبيض بورقة الانسحاب، تبدو أوروبا أكثر ميلًا إلى تنظيم رد جماعي يحمي الملاحة من دون أن يمنح واشنطن تفويضًا مجانيًا لحربها.

 

وفي الخاتمة، يكشف التسلسل الزمني للأحداث أن باريس لم تعترض على المشاركة العسكرية من باب المناورة، بل لأنها رأت أن واشنطن تحاول تحميل الحلف تبعات حرب لم يتخذ قرارها جماعيًا. لذلك لم يعد السؤال داخل الناتو متعلقًا فقط بكيفية فتح مضيق هرمز، بل بكيفية منع البيت الأبيض من تحويل التحالف إلى أداة طوارئ تخدم قرارات أمريكية أحادية ثم تبتز الحلفاء إذا رفضوا الانخراط فيها.