فتحت تقارير صحفية غربية خلال الأيام الأخيرة بابًا سياسيًا أكثر خطورة من مجرد التصعيد العسكري في مضيق هرمز، بعدما نسبت إلى أبوظبي طرحًا يدعو الولايات المتحدة إلى السيطرة على جزر تمسك بها إيران عند مدخل المضيق. هذا التطور لم يظهر بوصفه دفاعًا واثقًا عن حق سيادي بقدر ما ظهر داخل مشهد خليجي مرتبك، تحكمه الضربات الإيرانية وكلفة الحرب وتعطل التجارة والبحث عن حماية أمريكية إضافية بأي ثمن.
أعاد هذا المسار تعريف موقع الإمارات داخل الحرب التي اندفع فيها دونالد ترامب منذ 28 فبراير، لأن الدولة التي قدمتها تقارير سابقة باعتبارها مركزًا ماليًا وسياحيًا مستقرًا صارت في تغطيات الحرب طرفًا متضررًا يطلب الغطاء العسكري الأمريكي ويضغط من أجل توسيع المعركة في الوقت نفسه. وبهذا المعنى، لم يعد ملف الجزر منفصلًا عن مأزق واشنطن، بل صار جزءًا من محاولة خليجية لشراء الحماية تحت ضغط الخسائر.
طرح السيطرة على الجزر كشف انتقال أبوظبي من خطاب السيادة إلى طلب الوصاية
نشرت وول ستريت جورنال تقريرًا قال إن الإمارات تريد فتح مضيق هرمز بالقوة، وإنها أبدت استعدادًا للانضمام إلى القتال، كما نقل التقرير نفسه أن أبوظبي اقترحت أن تحتل الولايات المتحدة جزرًا متنازعًا عليها تسيطر عليها إيران، وعلى رأسها أبو موسى. وتكشف هذه الصياغة أن الطرح لم يضع استعادة الجزر بيد أصحابها المفترضين، بل وضعها منذ البداية تحت يد القوة الأمريكية.
ثم عززت تقارير أخرى هذا المعنى عندما نقلت إذاعة أوروبا الحرة أن أكسيوس تحدثت في 26 مارس عن خيارات عسكرية يدرسها البنتاجون تشمل الاستيلاء على أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى إلى جانب جزر أخرى. ويؤكد هذا التسلسل أن الجزر دخلت مسار الحرب باعتبارها ورقة عمليات أمريكية محتملة، لا باعتبارها قضية سيادة يجري التعامل معها من داخل القرار العربي نفسه.
كما يفسر هذا الانتقال طبيعة الضعف الذي تكشفه التقارير، لأن الطرف الذي يعرض على واشنطن السيطرة على أرض يقول إنها تخصه لا يتصرف من موقع الند بل من موقع الطرف الذي يطلب الوصاية العسكرية. ولذلك تبدو الجزر هنا أداة تفاوض أمني مع الولايات المتحدة، فيما يغيب أي معنى مستقل لفكرة الاسترداد، لتحل محلها فكرة استخدام الحق المعلن كورقة في خدمة الترتيب الأمريكي الأوسع.
الخسائر العسكرية والاقتصادية دفعت أبوظبي إلى طلب الحماية لا فرض الشروط
أوضح معهد واشنطن في تقرير منشور الشهر الماضي أن الإمارات وقطر طلبتا بالفعل من الولايات المتحدة المساعدة في تعويض مخزوناتهما، بعدما فرضت الهجمات الإيرانية استنزافًا متزايدًا لمنظومات الاعتراض والدفاع. ويعني هذا المعطى أن أبوظبي لم تدخل لحظة التصعيد من موقع قادر على تحمل الكلفة، بل من موقع يعتمد على الدعم الأمريكي لإعادة ملء احتياجاته الدفاعية الأساسية.
بعد ذلك، ربط الخبير الأمريكي مايكل آيزنشتات، مدير برنامج الدراسات العسكرية والأمنية في معهد واشنطن، بين استمرار الضغط على إيران وبين الحاجة إلى تغيير ميزان الكلفة في الحرب، موضحًا أن مجرد الدفاع عن الملاحة لا يكفي ما لم يقترن بإجراءات ترفع الثمن على طهران. ويكشف هذا التقدير أن بعض حلفاء واشنطن في الخليج يتحركون تحت ضغط عجز دفاعي متزايد، لا تحت سقف استراتيجية مستقلة نابعة من قدرتهم الذاتية.
كما زادت الخسائر الاقتصادية من هذا الارتهان، لأن وول ستريت جورنال قالت إن الهجمات الإيرانية أصابت قطاعات الأعمال والسياحة والطيران في الإمارات، بينما أكدت الأمم المتحدة للتجارة والتنمية أن تعطيل هرمز يدفع تكاليف الطاقة والنقل والغذاء إلى مستويات تضغط على الاقتصادات المعتمدة على التجارة والخدمات. وبهذا المعنى، تحركت أبوظبي وسط حرب أضرت بمصالحها المباشرة، ثم بحثت عن تعويض سياسي وأمني عبر توسيع الدور الأمريكي.
وفي السياق نفسه، أوضح الخبير الأمني مايك نايتس، في حلقة لمركز سياسة الطاقة العالمي بجامعة كولومبيا، أن إغلاق المضيق عطل قرابة خُمس إمدادات النفط والغاز العالمية وأصاب أيضًا تجارة البتروكيماويات والأسمدة. وهذا الربط يوضح أن أزمة الإمارات لم تكن أمنية فقط، لأن بنية اقتصادها القائم على الحركة والربط اللوجستي جعلت استمرار الإغلاق تهديدًا مباشرًا لموقعها الإقليمي، وهو ما يفسر اندفاعها نحو حلول أمريكية أكثر خشونة.
مأزق ترامب فتح باب مساومات خليجية تحمل الجزر إلى الطاولة الأمريكية
جاء هذا الاندفاع الإماراتي في لحظة كانت فيها إدارة ترامب نفسها تبحث عن مخرج أقل كلفة، لأن وول ستريت جورنال ذكرت قبل يومين أن ترامب أبلغ مساعديه استعداده لإنهاء الحرب حتى لو ظل مضيق هرمز مغلقًا إلى حد كبير، مع ترك مسألة إعادة فتحه لوقت لاحق. وهذا التحول يوضح أن البيت الأبيض لم يعد يتصرف من موقع الحسم الكامل، بل من موقع إدارة الخسائر وتخفيف العبء السياسي والعسكري.
ثم دعمت تقارير أخرى هذه الصورة، إذ قال أكسيوس في 17 مارس إن إغلاق هرمز صار الأزمة الأساسية في الحرب بالنسبة إلى البيت الأبيض، لأن ترامب لا يستطيع إعلان النصر ما دام النفط الخليجي محتجزًا وما دام حلفاء واشنطن يرفض كثير منهم الانخراط في التحالف المطلوب. ولذلك بدا أن بعض العواصم الخليجية تحاول تقديم أوراق إضافية لواشنطن في لحظة تعثر، أملاً في استبقاء الحماية الأمريكية وحجز موقع داخل الترتيب التالي للحرب.
كما أظهر هذا التداخل أن ملف الجزر تحول من عنوان سيادي إلى بند ضمن مساومة أوسع تدور حول من يدفع كلفة إخفاق الحرب ومن يتحمل عبء فتح المضيق. وهنا يبرز تقدير الباحث ح. أ. هليير من المعهد الملكي للخدمات المتحدة، الذي أكد أن أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى ليست جزرًا هامشية، لأن السيطرة عليها تؤثر في خطوط الشحن وتدفقات الطاقة والتموضع العسكري. وهذا ما جعلها مغرية في حسابات القوة الأمريكية أكثر من كونها عنوانًا لتحرر القرار الخليجي.
بعد ذلك، اتسع أثر الأزمة إلى ما هو أبعد من الخليج، لأن الأمم المتحدة للتجارة والتنمية حذرت من تراجع نمو التجارة العالمية في 2026 إلى ما بين 1.5 و2.5 في المئة إذا استمر تعطيل المضيق، بينما نقلت وول ستريت جورنال اليوم أن الوكالة الأممية تتوقع هبوطًا كبيرًا في التجارة بسبب استمرار الإغلاق. وهذه المؤشرات تفسر لماذا صارت واشنطن تبحث عن إنجاز سياسي سريع، ولماذا سعت أبوظبي إلى وضع الجزر نفسها داخل هذا المسار.
وأخيرًا، تكشف مجمل التقارير أن الصورة التي خرجت من هذه الحرب لا تُظهر إمارات قادرة على فرض حقها، بل تُظهر سلطة خليجية مرتبطة أمنيًا بواشنطن إلى درجة نقل ملف الجزر من مطلب سيادي معلن إلى عرض عسكري أمريكي محتمل. ولهذا لا يبدو الطرح المتداول مجرد تصعيد ضد إيران، بل يبدو أيضًا تعبيرًا مكشوفًا عن ضعف سياسي جعل أبوظبي تتصرف داخل مأزق ترامب لا خارجه، وتقدم أوراقها في لحظة الخسارة الأمريكية بدل أن تفرض شروطها كطرف مستقل.

