أعادت منشورات متداولة على منصة إكس فتح ملف الرسوم الباهظة التي دُفعت من فلسطينيين عند الخروج من غزة عبر رفح، بعدما ربطت أسماء معروفة بين هذه الأموال وبين شركة هلا المرتبطة بإبراهيم العرجاني.

ولم تأت هذه الاتهامات من حسابات هامشية، بل صدرت عن شخصيات عامة ومنصات إخبارية معارضة تحدثت بصياغات حادة عن مبلغ ثابت بلغ خمسة آلاف دولار للفرد، وربطت هذا المسار كله ببنية نفوذ صنعتها الحرب ووسعها الحصار وتركها النظام المصري تعمل عند أكثر المعابر حساسية في المنطقة.

وتكتسب هذه الموجة الجديدة من التدوين أهميتها لأنها لا تبدأ من فراغ، بل تستند إلى ملف سبق أن وثقته تحقيقات وتقارير دولية تحدثت عن احتكار فعلي للخروج من القطاع وعن أرباح ضخمة جُمعت من عائلات كانت تحاول النجاة من القصف.

 

تكشف المقارنة بين هذه المنشورات وبين ما نشرته مؤسسات صحفية وحقوقية خلال 2024 و2025 أن الرقم المتداول لم يكن مجرد شائعة عابرة، لأن تقارير متعددة ذكرت أن شركة هلا كانت تتقاضى خمسة آلاف دولار عن البالغ الواحد وألفين وخمسمئة دولار عن الطفل في كثير من الحالات.

كما ربطت هذه التقارير بين الرسوم وبين شبكة مصالح أوسع تحيط بالعرجاني، تشمل النقل والدخول التجاري والمساعدات وعلاقات وثيقة بأجهزة الدولة.

لذلك لم يعد السؤال متعلقًا فقط بصحة رقم الخمسة آلاف، بل بطبيعة النظام الذي سمح بتحويل معبر النجاة الوحيد إلى قناة جباية في ذروة الإبادة والحصار.

 

منشورات إكس أعادت الاتهام إلى الواجهة وربطت الرقم باسم هلا والعرجاني

 

نشرت غادة نجيب تدوينة قالت فيها إن رقم خمسة آلاف دولار للفرد رقم تافه مقارنة بما يؤخذ من أهل غزة، مضيفة أن شركة هلا المملوكة للعرجاني، الذي وصفته بأنه مجرد واجهة، تتقاضى هذا المبلغ عن كل شخص.

 

https://x.com/Ghadanajeb/status/2034464280326635881

 

وتضع هذه الصياغة الاتهام في قلب المشهد من جديد، لأنها لا تناقش وجود الرسوم فقط، بل تناقش كذلك الجهة التي تستفيد فعليًا من هذا النظام.

 

ثم نشرت قناة الشعوب تدوينة قالت فيها إن السيسي ونظامه سمحا للبعض من أهل غزة بعبور معبر رفح بآلاف الدولارات عن طريق إبراهيم العرجاني.

 

https://x.com/AlshoubBreaking/status/2034313887030358493

 

ويضيف هذا المنشور بُعدًا سياسيًا مباشرًا إلى القضية، لأنه لا يتوقف عند دور الوسيط التجاري، بل يربط بين الجباية وبين قرار سياسي سمح باستمرار هذه الآلية وسط حرب وحصار ونزوح جماعي من داخل القطاع.

 

كما نشر عمرو واكد تدوينة هاجم فيها إبراهيم العرجاني بعنف، واتهمه بأنه تقاضى من أهل غزة ما يملكونه حتى ينجوا من الفزع.

 

https://x.com/amrwaked/status/2032966134031425643

 

ورغم أن الصياغة جاءت انفعالية، فإن أهميتها الصحفية تأتي من أنها تكرر الاتهام نفسه الذي طُرح في تقارير منشورة سابقًا، وهو أن الخروج من غزة لم يجر عبر مسار إنساني مفتوح، بل عبر مسار مكلف استغل لحظة الرعب العام.

 

وبعد ذلك، أضاف محمد عبد الرحمن تدوينة قال فيها إن أحدًا لم يسأل المصريين عن سيادتهم على أرضهم، وإن ما يسمى أخذ خمسة آلاف دولار على الرأس يطبق على الفلسطينيين فقط.

 

https://x.com/mohamed041979/status/2028786005357027386

 

ثم نشر محمد حمدي تدوينة أخرى قال فيها إن المعبر من ناحية فلسطين كان تحت الاحتلال الإسرائيلي، وإن الدخول إلى المعبر المصري كان يمر عبر دفع خمسة آلاف دولار لشركة العرجاني.

 

https://x.com/mohhamdyEg/status/2027401534510637546

 

ويظهر من المنشورين أن الاتهام لم يعد محصورًا في الجباية وحدها، بل اتسع ليشمل معنى السيادة وحدود الدولة وحق العبور.

 

التقارير الدولية وثقت رسوم الخروج وربطت الشركة بشبكة نفوذ محمية

 

تكسب هذه التدوينات ثقلًا إضافيًا لأن تقارير صحفية وحقوقية سابقة وثقت رسومًا مشابهة بالأرقام نفسها تقريبًا.

فقد قال مشروع مكافحة الجريمة المنظمة والفساد إن وكلاء مدرجين من قبل هلا طلبوا خمسة آلاف دولار عن كل بالغ للخروج من غزة خلال أيام، كما قالت إذاعة صوت أمريكا إن هلا كانت الجهة الوحيدة التي سمحت لها مصر بتنسيق الرحلات عبر رفح، وإن رسومها قفزت إلى خمسة آلاف دولار للبالغ.

 

ثم مضت تقارير أخرى أبعد من ذلك عندما تحدثت عن احتكار شبه كامل.

فقد قالت فايننشال تايمز إن شركات العرجاني طورت سيطرة شبه احتكارية على نقل الأشخاص والبضائع بين مصر وغزة، بينما قالت لوموند إن العرجاني راكم نفوذًا واسعًا عند رفح وحقق ثروة من خلال التحكم في عبور الأشخاص والمساعدات.

ويؤكد هذا التلاقي بين مصدرين مختلفين أن الحديث هنا لا يدور عن شركة سياحة تقليدية، بل عن بنية نفوذ تعمل قرب الدولة ومن خلالها.

 

كما قال الخبير في شؤون سيناء مهند صبري إن غياب أي تحرك من الدولة لوقف استفادة العرجاني من يأس الفلسطينيين ليس أمرًا مفاجئًا، مضيفًا أن العرجاني واجهة للدولة ولمصالح مملوكة للمؤسسة العسكرية وسياساتها في مصر.

وتمنح هذه الشهادة القضية معناها السياسي الأوضح، لأنها تنقل العرجاني من موقع المقاول المستفيد إلى موقع الحلقة التي تربط المال بالأمن والحدود والقرار السيادي.

 

وفي السياق نفسه، أوضح الباحث شتيفان رول من المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية أن شبكة من الفاعلين الاقتصاديين والأمنيين تتمركز حول إبراهيم العرجاني مرشحة للاستفادة من إعادة إعمار غزة، مشيرًا إلى أن هذا الرجل سبق أن استفاد من الوضع الهش داخل القطاع.

وتكشف هذه الملاحظة أن ملف الرسوم لم يكن حادثًا عابرًا فرضته الفوضى، بل جزءًا من نموذج أوسع يستثمر في هشاشة غزة نفسها.

 

الخبراء والحقوقيون ربطوا الرسوم بسياسات الحدود والقمع في سيناء

 

بعد ذلك، ربط أحمد سالم، المدير التنفيذي لمؤسسة سيناء لحقوق الإنسان، بين الحرب على غزة وبين ازدياد الانتهاكات وعدم الشفافية في سيناء، موضحًا في حوار منشور أن الحرب ولدت أنماطًا جديدة من الفوضى الأمنية والضغط على الحقوق في المنطقة الحدودية.

وتساعد هذه الشهادة على فهم البيئة التي نمت فيها رسوم العبور، لأن غياب الرقابة والمحاسبة عند الحدود سمح بتحويل المعبر إلى مساحة مغلقة أمام التدقيق العام.

 

ثم دعمت منظمات حقوقية هذا المعنى عندما نددت بالحملة التي تعرضت لها مؤسسة سيناء ومديرها بعد نشر معلومات عن تجهيزات مصرية قرب الحدود مع غزة.

وتوضح هذه الوقائع أن الاقتراب من ملف الحدود في زمن الحرب لم يكن شأنًا إداريًا عاديًا، بل شأنًا سياسيًا وأمنيًا حساسًا أحاطته الدولة بدرجة عالية من التعتيم، وهو ما جعل اتهامات الرسوم والاحتكار أكثر صعوبة في المراجعة العلنية داخل مصر نفسها.

 

كما أضافت الباحثة إيميلي كوستيلو من المركز العربي في واشنطن أن فلسطينيين كثيرين وجدوا أنفسهم بين خيارين قاسيين، إما البقاء تحت القصف أو دفع ما يصل إلى خمسة آلاف دولار للشخص لعبور الحدود إلى مصر.

وتؤكد هذه الصياغة أن القضية لم تكن خدمة إضافية أو مسار سفر استثنائيًا، بل كانت كلفة مفروضة على النجاة نفسها في لحظة كان فيها رفح المنفذ الوحيد تقريبًا للخروج من الموت.

 

وبسبب ذلك، لم تعد التغريدات الخمس التي أعادت تداول الرقم تبدو معزولة عن سياق موثق، بل صارت امتدادًا مباشرًا لملف سبق أن وثقته الصحافة الدولية ومراكز الأبحاث والمنظمات المعنية بالأعمال وحقوق الإنسان.

وعندما يتكرر رقم الخمسة آلاف في التحقيقات والشهادات والمنشورات، يصبح السؤال الأهم هو من منح هذه الشبكة حق العمل أصلًا، ومن حماها، ومن أبقى المعبر الإنساني في قبضة وسيط واحد.

 

وأخيرًا، ترسم هذه الشهادات والتقارير صورة شديدة القسوة لمعبر لم يعمل بوصفه باب نجاة مفتوحًا أمام المدنيين، بل بوصفه قناة عبور انتقائية مرت عبر المال والنفوذ والاحتكار.

ولذلك فإن إعادة تداول الاتهامات ضد العرجاني وشركة هلا لا تحيي قصة قديمة فقط، بل تعيد طرح مسؤولية النظام المصري عن تحويل مأساة غزة إلى مجال جباية، وعن ترك الفلسطينيين يواجهون القصف من جهة، ورسوم النجاة من الجهة الأخرى.