رفعت مصانع الأسمدة المحلية أسعار منتجاتها تدريجيًا خلال الشهر الماضي، لتصل الزيادة في بعض الأصناف إلى ثلاثة آلاف جنيه للطن، في تحرك جديد يكشف أن السوق بات يتحرك قبل القرار الحكومي لا بعده.
هذا الارتفاع لم يأت نتيجة توسع إنتاجي أو نقص معلن في المعروض المحلي فقط، بل جاء تحت ضغط توقعات متزايدة بزيادة أسعار الغاز وتقليص الكميات الموردة للمصانع.
وتعكس الزيادة الأخيرة خللًا مستمرًا في إدارة ملف الطاقة للصناعة، لأن المنتجين رفعوا الأسعار تحسبًا لما قد تقرره الحكومة لاحقًا، بينما بقي المستهلك المحلي وحده أمام الكلفة الفعلية.
كما يكشف هذا المسار أن سوق الأسمدة صار أكثر ارتباطًا بالتوترات الإقليمية وارتباك إمدادات الطاقة، في وقت لا تملك فيه السوق المحلية أي حماية فعالة من موجات الارتفاع المتتالية.
زيادة ثانية خلال أقل من عشرة أشهر تكشف اتجاه السوق
تعد هذه الزيادة الثانية من نوعها خلال أقل من عشرة أشهر، بعدما رفعت المصانع الأسعار في يونيو الماضي بنحو عشرة في المئة بالتزامن مع توقف إمدادات الغاز الإسرائيلي إلى مصر إثر حرب الاثني عشر يومًا التي شنتها إسرائيل ضد إيران.
وبذلك انتقلت الزيادات من رد فعل مؤقت إلى نمط متكرر يربط أسعار الأسمدة مباشرة بأي اضطراب في ملف الغاز.
ثم أكدت مصادر من كبار المستثمرين في قطاع الأسمدة أن المصانع اتجهت إلى الرفع الاستباقي خلال الشهر الماضي تحسبًا لأي زيادة جديدة في أسعار الغاز الطبيعي المورد إليها أو لأي تقليص محتمل في الكميات.
وبهذا المعنى، لم تنتظر الشركات قرارًا رسميًا، بل حملت السوق المحلية مقدمًا عبء مخاطر تتوقع أن تتحول إلى واقع قريب.
كما جاءت هذه التحركات قبل دراسات تجريها وزارة البترول لزيادة أسعار الغاز الطبيعي للمصانع كثيفة الاستهلاك بمتوسط دولار واحد لكل مليون وحدة حرارية.
ونقلت العربية بزنس عن مصادر أن الحكومة تدرس رفع الحد الأدنى لتسعير بعض الصناعات إلى خمسة دولارات ونصف الدولار، ضمن سياسة تستهدف تعظيم الاستفادة من موارد الطاقة ومواكبة تقلبات السوق العالمية.
محمد الخشن يحذر من زيادات جديدة ويربطها بالغاز وكلف الإنتاج
قال رئيس جمعية موزعي الأسمدة في مصر ورئيس شركة إيفرجرو محمد الخشن إن الزيادة الأخيرة لن تكون الأخيرة في ظل التوترات الجيوسياسية التي يشهدها الإقليم مع استمرار الحرب.
وبحسب تقديره، فإن السوق مرشحة لارتفاعات قوية جديدة خلال الفترة المقبلة، لأن أسعار الطاقة والمواد الخام ارتفعت عالميًا على نحو يضغط مباشرة على تكلفة الصناعة.
ويكتسب تحذير الخشن وزنه من أن الغاز يمثل ما بين خمسة وخمسين وستين في المئة من تكلفة إنتاج الأسمدة، وهو ما يجعل أي تعديل في سعره أو في كميات توريده عاملًا مباشرًا في تحديد السعر النهائي.
لذلك فإن السوق لا تتعامل مع الغاز كعنصر تكلفة عادي، بل كمتغير حاسم يحدد اتجاه الأسعار والقدرة على استمرار الإنتاج.
ثم توقع الخشن أن ترفع الحكومة أسعار الغاز المدعوم للمصانع بنسبة ثلاثين في المئة، محذرًا في الوقت نفسه من أن تقليل كميات الغاز الموردة للمصانع سيؤثر سلبًا على الإنتاج.
وهذا الربط بين السعر والكميات يوضح أن السوق تواجه خطرين متوازيين، لأن الزيادة ترفع التكلفة، بينما يؤدي الخفض المحتمل في الإمدادات إلى ضغط إضافي على المعروض المحلي.
خالد أبو المكارم يبرر الرفع ومدحت يوسف يربط الأزمة بضغط الطاقة
برر رئيس المجلس التصديري للصناعات الكيماوية والأسمدة خالد أبو المكارم زيادة أسعار الأسمدة إلى ما بين اثنين وعشرين ألفًا وثلاثة وعشرين ألف جنيه للطن، باعتبارها خطوة تحسبية تسبق الزيادة المرتقبة في أسعار الغاز الطبيعي.
ووفق هذا التبرير، فإن المصانع لم ترفع الأسعار استنادًا إلى زيادة منفذة بالفعل، بل استنادًا إلى توقع شبه مؤكد بارتفاع كلفة الطاقة قريبًا.
وأوضح أبو المكارم أن أي ارتفاع في أسعار الغاز المورد للمصانع بفعل الأزمة العالمية سيؤدي بالضرورة إلى زيادة تكلفة الإنتاج، لينعكس مباشرة على أسعار البيع في السوق المحلية.
وبهذا الطرح، يربط رئيس المجلس التصديري بين السياسة الحكومية في التسعير وبين النتيجة النهائية التي يدفعها المشترون، دون وجود مساحة فاصلة تمتص جزءًا من الزيادة.
وفي السياق نفسه، يربط نائب رئيس هيئة البترول الأسبق مدحت يوسف بين تراجع مرونة إمدادات الغاز وبين اتساع أثر الأزمة على الصناعات كثيفة الاستهلاك، وفي مقدمتها الأسمدة، مؤكدًا في تصريحات إعلامية أن ضغوط الطاقة صارت عنصرًا حاكمًا في تسعير الإنتاج الصناعي في مصر.
ويعزز هذا التقدير ما يطرحه المنتجون من أن سوق الأسمدة تتحرك الآن تحت ضغط الطاقة قبل أي عامل آخر.
الحكومة تسبقها السوق والنتيجة موجة ارتفاع مفتوحة
توضح هذه الوقائع أن السوق المحلية دخلت مرحلة ترفع فيها المصانع الأسعار قبل صدور القرار الرسمي، اعتمادًا على تقديراتها لمسار الغاز لا على الكلفة المنفذة فقط.
ولذلك فإن الزيادة الأخيرة لا تبدو حدثًا منفصلًا، بل جزءًا من موجة أوسع بدأت مع اضطراب الإمدادات وتستمر مع كل إشارة إلى تعديل تسعير الطاقة أو ترشيد الاستهلاك.
ثم إن الحكومة، عبر دراسات رفع أسعار الغاز للمصانع كثيفة الاستهلاك، ترسل إشارة واضحة إلى المنتجين بأن كلفة التشغيل مرشحة للصعود.
ومع وجود هذا التوقع، تتعامل الشركات مع الزيادة باعتبارها مسألة وقت، فتعدل أسعارها مبكرًا.
وهكذا تنتقل كلفة القرار المرتقب إلى السوق قبل صدوره، بينما يتراجع أي أثر فعلي لفكرة التسعير المنضبط أو الحماية المسبقة.
وأخيرًا، تكشف الزيادة الثانية خلال أقل من عشرة أشهر أن ملف الأسمدة لم يعد منفصلًا عن أزمات الطاقة الإقليمية ولا عن سياسات التسعير الحكومية.
فقد رفعت المصانع أسعارها خلال الشهر الماضي بما يصل إلى ثلاثة آلاف جنيه للطن، مدفوعة بتوقعات زيادة الغاز واحتمال خفض الإمدادات، بينما تؤكد تصريحات محمد الخشن وخالد أبو المكارم ومدحت يوسف أن موجة الارتفاع لم تصل بعد إلى نهايتها.

