تتحول منطقة المنيل القديمة – وقف طبطباي، في قلب جزيرة الروضة، إلى واحدة من أكثر نقاط التوتر العمراني حساسية في القاهرة، مع تداخل ملكية وزارة الأوقاف، ودخول محافظة القاهرة على خط “التطوير”، وتصاعد نزاع ممتد منذ 2013 حول مصير آلاف السكان الذين يعيشون بين مشروع تطوير معلّق، واتهامات بالضغط لإجبارهم على الرحيل دون تعويض عادل أو بدائل واضحة، على غرار ما حدث في مناطق مثل السيدة زينب، وما يواجهه أهالي جزيرة الوراق.
إزالات وقطع مرافق وبلاغ للنائب العام
قدّم عدد من أهالي منطقة وقف طبطباي في المنيل القديمة شكوى إلى النائب العام برقم 17558 لسنة 2026 عرائض، ضد رئيس حي مصر القديمة، على خلفية ما وصفوه بـ“حملة إزالات عشوائية ومتَعسِّفة” تستهدف منازلهم دون سند قانوني واضح. الأهالي يقولون إنهم يتعرضون لضغوط متزايدة لإجبارهم على إخلاء مساكنهم، وصلت إلى حد قطع الكهرباء والمياه وخطوط الهاتف الأرضي عن المنطقة، في خطوة يعتبرونها محاولة لإجبارهم على الرحيل قسرًا، مؤكدين أن الإزالات طالت منازل عديدة وأن ما يجري يهدد استقرار أسر عاشت هناك لعقود.
المبادرة المصرية للحقوق الشخصية أعلنت تضامنها الكامل مع الأهالي، وأكدت أن القانون والدستور يحميان حقهم في السكن الآمن، مشيرة إلى أن الدستور ينص بوضوح على أن الحياة الآمنة حق لكل إنسان، وأن الدولة ملزمة بحماية هذا الحق، كما يكفل توفير مسكن ملائم وصحي يحفظ الكرامة ويحقق العدالة الاجتماعية، ورأت أن ما يحدث في وقف طبطباي يمثل انتهاكًا لهذه المبادئ، ويستدعي وقف الإزالات فورًا، وفتح حوار جاد مع السكان، وضمان عدم تهجيرهم دون بدائل عادلة أو تعويضات مناسبة.
🟠 قدم عدد من أهالي منطقة وقف طبطباي بالمنيل القديمة شكوى ضد رئيس حي مصر القديمة، على خلفية ما وصفوه بعمليات إزالة عشوائية ومتعسفة تستهدف مساكنهم. وسجلت الشكوى ما تشهده منطقتهم حاليًا من حملة إزالات طالت منازل كثيرين منهم، وما يتعرضون له من ضغوط متزايدة تمثلت في قطع المرافق… pic.twitter.com/nly3YJlYDx
— المبادرة المصرية للحقوق الشخصية (@EIPR) February 19, 2026
د. عمرو عبد الرحمن، مدير وحدة العدالة الجنائية بالمبادرة، قال في تعليق على البيان إن استخدام الإزالات وقطع المرافق “كأداة ضغط” في مشروعات التطوير يتعارض مع التزامات الدولة الدستورية، خاصة في غياب شفافية حول أعداد المستحقين ومعايير التعويض، مشددًا على أن أي تطوير يجب أن ينطلق من حق السكان في البقاء ما لم يتوفر بديل مكافئ في نفس النطاق الجغرافي أو بشروط متفق عليها.
على الصعيد السياسي، بحث الأهالي عن تصريحات نائب الدائرة طاهر الخولي في لقاء سابق على قناة “إكسترا نيوز” عندما قال إن “تعويضات أهلّ الدائرة أهم ملفاتي بعد بدء الفصل التشريعي الثالث”، لكنهم يرون أن الوعود تحولت إلى “سراب” أمام أطماع أعلى من “الخولي” نفسه، كما عبّر بعضهم في منشورات وتعليقات على صفحات محافظة القاهرة الرسمية.
مشروع تطوير من 2013.. أرقام متضاربة وشقق أقل من السكان
جذور الأزمة تعود إلى بروتوكول وُقّع عام 2013 بين وزارة الأوقاف، بصفتها مالكة الأرض كوقف خيري، ومحافظة القاهرة، لاستهداف تطوير المنطقة باعتبارها “منطقة متهالكة”. البروتوكول تضمّن وعودًا بإعادة توطين السكان في عمارات تُنشأ داخل نفس المنطقة وعدم تهجيرهم إلى مناطق بعيدة، لكن التنفيذ تعطل بفعل خلافات متكررة بين الأوقاف والمحافظة حول الملكية وآليات الإدارة.
في ديسمبر 2016، أعلنت محافظة القاهرة بالتعاون مع الأوقاف عن مشروع تطوير بتكلفة 250 مليون جنيه، يشمل إنشاء 432 وحدة سكنية، ثم قالت الأوقاف في 2017 إنها انتهت من المرحلة الأولى بتكلفة 15 مليون جنيه فقط، وهو رقم أثار تساؤلات حول حجم الإنجاز مقارنة بما أُعلن عن المشروع الأصلي. ورغم هذه التصريحات، لم يحدث تطوير فعلي واسع على الأرض، وبقيت المنطقة تعاني من التهالك، ووصل الأمر إلى وفاة طفلة في أغسطس 2023 نتيجة سقوط مبنى متهالك، كما أشارت النائبة جيهان البيومي تحت قبة البرلمان.
في أكتوبر 2020، وافق مجلس الوزراء على “رخصة ضمنية لاحقة” للمباني والمنشآت التي أقامتها هيئة الأوقاف في المنيل، في محاولة لتقنين أوضاع مبانٍ أُنشئت دون تراخيص مكتملة، لكن الخطوة لم تُترجم إلى تطوير شامل، وظلت المنطقة عالقة بين جهتين لا تتفقان.
في أكتوبر 2023، تحدثت حسابات مؤيدة للحكومة عن استعداد محافظة القاهرة لإزالة حي المنيل القديم ونقل 4000 مواطن إلى حي جديد على أرض 5 أفدنة مملوكة للأوقاف، يضم 433 وحدة سكنية، إضافة إلى جراجين و57 محلًا تجاريًا. هذا الإعلان فجّر جدلًا إضافيًا، إذ إن 433 وحدة لا يمكن أن تستوعب نظريًا 4000 شخص إلا إذا تم تخصيص الوحدة لأكثر من أسرة، أو استبعاد جزء من السكان من التسكين، ما زاد مخاوف الأهالي من أن المشروع لا يكفي للجميع.
المعماري يحيى شوكت، الباحث في قضايا الإسكان، يرى أن التناقض بين أعداد الوحدات المعلنة وأعداد السكان المحتمل تهجيرهم “نمط متكرر” في مشروعات إعادة التخطيط، وأن استخدام مفاهيم مثل “منطقة عشوائية” دون حصر دقيق وشفاف للسكان وملكية الوحدات يفتح الباب لاستبعاد شرائح كاملة من الحق في العودة أو التسكين، ويحوّل “التطوير” إلى إعادة استغلال للأرض أكثر منه تحسينًا لحياة أهلها.
تطوير معلّق وضغوط متصاعدة.. بين اتهامات مصالح وحقوق سكن مهددة
منذ 2018، وبعد صدور قرار اعتماد مشروع تطوير المنيل القديم، بدأت موجة جديدة من الإزالات، ثم شُكلت في 2022 لجان لحصر السكان تمهيدًا للتنفيذ، قبل أن تتوقف بسبب خلافات بين الأوقاف ومحافظة القاهرة، ثم يعاد تفعيل المشروع في نوفمبر 2024، وتبدأ الإزالات الفعلية في أكتوبر 2025، مع قطع مرافق عن بعض المنازل، وفق ما وثقته شكاوى الأهالي وبيان المبادرة المصرية للحقوق الشخصية.
الأهالي يتحدثون عن استخدام معدات ثقيلة لهدم منازل وقّع أصحابها على استمارات التطوير، ما يتسبب في تضرر البنية التحتية وأساسات منازل مجاورة لم توافق بعد، وعن تهديدات مباشرة من رئيس حي مصر القديمة بهدم منازل الرافضين لشروط “التطوير”، في عملية يصفونها بأنها “تفتقر إلى الشفافية والوضوح وتثير مخاوف جدية بشأن سلامتهم وأمنهم السكني”.
في المقابل، يتواصل الكلام عن مصالح داخل وزارة الأوقاف نفسها؛ إذ تداولت تقارير صحفية ووثائق عن تشطيب شقة لوزير الأوقاف السابق محمد مختار جمعة في المنيل، بجوار سينما فاتن حمامة التي احترقت في 2021، بتكلفة 772 ألف جنيه، واتهامات بامتلاك شقق أخرى في المنطقة، ما غذّى شعورًا لدى الأهالي بأن ملف المنيل ليس فقط “تطوير عشوائيات” بل أيضًا ملف استثمار لأراضٍ ثمينة في موقع استراتيجي.
في ديسمبر 2023، ناقشت لجنة الإدارة المحلية بمجلس النواب الأزمة، لكن غياب رئيس هيئة الأوقاف عن الاجتماع أثار غضب النواب، واعتبره وكيل اللجنة “تجاوزًا لأدبيات العمل”، فيما أكد محافظ القاهرة أن المشكلة “في طريقها للحل” بين الأوقاف وصندوق التنمية الحضارية، دون تقديم جدول زمني أو ضمانات مكتوبة للسكان.
الخبير في التخطيط العمراني د. أحمد زعزع يرى أن قصة أوقاف المنيل مثال على “صراع جهات حكومية على أصول عقارية ذات قيمة ضخمة”، يتحول فيه السكان إلى عامل ثانوي، وأن أي تطوير حقيقي كان يمكن أن يُنجز منذ سنوات لو كانت الأولوية لسلامة الناس وإصلاح المرافق، لا لتعظيم العائد العقاري من موقع يربطه 5 كباري مهمة بباقي القاهرة؛ من كوبري الملك الصالح إلى كوبري عباس وشارع القصر العيني ومصر القديمة والمعادي والجيزة والهرم ووسط البلد.
بين نص الدستور وسؤال المستفيد.. تطوير لتحسين حياة الناس أم لاستثمار أرض ثمينة؟
المبادرة المصرية للحقوق الشخصية أكدت مجددًا وقوفها وتضامنها الكامل مع الأهالي، مستندة إلى نصوص الدستور التي تقر بأن الحياة الآمنة حق لكل إنسان، وأن الدولة ملزمة بحمايتها، وتكفل الحق في مسكن ملائم وآمن وصحي يحفظ الكرامة ويحقق العدالة الاجتماعية، واعتبرت أن وقف طبطباي اليوم “اختبار حقيقي” لقدرة هذه النصوص على التحول إلى التزامات قابلة للتنفيذ، لا شعارات.
المحامية هدى عبد المنعم، الناشطة في ملفات السكن والتهجير القسري قبل احتجازها، كانت قد حذرت في مداخلات سابقة من أن استخدام صيغ مثل “المصلحة العامة” و“التطوير” دون مشاركة مجتمعية حقيقية يفتح الباب أمام “تهجير منظم” من مناطق مركزية لصالح مشروعات سكنية واستثمارية لا تعود بالنفع على سكانها الأصليين، وهو ما يراه كثيرون يتحقق اليوم في ملفات مثل مثلث ماسبيرو وجزيرة الوراق وأوقاف المنيل.
الخبير القانوني د. محمد عبد الحميد يؤكد أن أي إخلاء للسكان يجب أن يلتزم بالمعايير الدولية لحقوق الإنسان، التي تشترط إبلاغًا مسبقًا، ومشاورة حقيقية، وتعويضًا كافيًا، وتوفير بدائل مناسبة قبل التنفيذ، وأن قطع المرافق لإجبار السكان على الإخلاء “إجراء غير قانوني” يمكن الطعن عليه قضائيًا، خاصة إذا لم يكن هناك خطر داهم يستدعي الإخلاء الفوري لأسباب تتعلق بسلامة المبنى.
في النهاية، تبدو قصة وقف طبطباي في المنيل أكثر من مجرد ملف إداري؛ هي نموذج لصراع طويل بين وزارة الأوقاف ومحافظة القاهرة، وبين خطابات “تطوير العشوائيات” وحقوق ملكية وسكن لسكان يعيشون منذ عقود في منطقة باتت مطمعًا عقاريًا. وبين أرقام متضاربة عن عدد الوحدات والمستفيدين، وقرارات “رخصة ضمنية” غير مكتملة، واتهامات بقطع المرافق والضغط، يبقى السؤال المفتوح: هل هدف التطوير تحسين حياة السكان وهم في أماكنهم، أم إعادة استغلال أرض ثمينة تطل على النيل، على حساب من دفعوا العمر في بنائها؟

