في خطوة تعكس حدة الأزمة المعيشية قبيل شهر رمضان، أعلن حازم المنوفي، عضو شعبة المواد الغذائية باتحاد الغرف التجارية، التوصل لاتفاق مع عدد كبير من التجار والموردين لتثبيت أسعار السلع الأساسية خلال أول أسبوعين من الشهر الكريم، بالتنسيق مع الغرف التجارية وحكومة الانقلاب. ورغم تقديم الخطوة باعتبارها "مسؤولية مجتمعية" للقطاع الخاص، فإنها تكشف في جوهرها عن مستوى القلق الرسمي من الارتفاع الكبير في أسعار الغذاء، وعن هشاشة قدرة الدولة على ضبط الأسواق في ظل تضخم ممتد وتآكل مستمر في دخول المصريين، وهو ما يؤكده عدد من الخبراء الاقتصاديين، من بينهم الدكتورة عالية المهدي، وهاني توفيق، والدكتور محمد فؤاد.

 

أسبوعان من التثبيت في ظل تضخم تاريخي في أسعار الغذاء

 

بحسب تصريحات المنوفي، يستهدف الاتفاق تثبيت أسعار سلع أساسية مثل السكر، الأرز، الزيت، المكرونة، البقوليات، الدواجن والياميش، مع التأكيد على "استقرار نسبي" في الأسعار، وتوافر جيد في المعروض من السلع الاستراتيجية. كما دعا إلى تشديد الرقابة على حلقات التداول كافة، والتوسع في معارض "أهلا رمضان" والمنافذ الثابتة والمتحركة، لمنع موجة جديدة من ارتفاع الأسعار مع زيادة الطلب الموسمي في رمضان.

 

غير أن قراءة أوسع للمشهد تكشف أن تثبيت الأسعار لأسبوعين فقط في موسم يمتد الطلب فيه طوال الشهر، لا يكفي لمواجهة تضخم غذائي غير مسبوق. الدكتورة عالية المهدي، أستاذة الاقتصاد والعميدة السابقة لكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، تؤكد في تصريحات سابقة أن زيادة أسعار الغذاء ومعدلات التضخم الحالية "لم يسبق أن شهدتها مصر منذ مائة عام"، مشيرة إلى أن موجات التعويم منذ 2016 دفعت التضخم إلى مستويات تجاوزت 40% في بعض الفترات، مع تركّز العبء على سلة السلع الغذائية التي تمثل الجزء الأكبر من إنفاق الأسر الفقيرة والمتوسطة .

 

المهدي حذّرت أيضًا من أن بنية الأسعار الحالية، مع استمرار الضغوط التضخمية، قد تدفع نسبة الفقر إلى ما يقارب 36% من السكان، إذا لم تتخذ سياسات جذرية لمعالجة أسباب الغلاء بدل الاكتفاء بحلول قصيرة الأجل أو مناورات سعرية مؤقتة . في هذا السياق، يبدو تثبيت أسعار أسبوعين أقرب إلى محاولة لتهدئة الغضب الشعبي في موسم حساس، لا إلى سياسة مستدامة لحماية الأمن الغذائي.

 

مبادرات التثبيت أم تعويض فشل ضبط السوق؟

 

المنوفي دعا المستهلكين إلى "الشراء العقلاني" والابتعاد عن التخزين، محذرًا من أن التزاحم على تخزين السلع يخلق ضغطًا غير مبرر على الأسواق، ومؤكدًا أن "الشراء المتوازن" هو الضمانة الأساسية لاستقرار الأسعار وتوافر السلع. هذه اللغة تحمل ضمنًا نقل جزء كبير من عبء الأزمة إلى المستهلك، بينما تتجاهل اختلالات أعمق في هيكل السوق، من احتكار وتلاعب وهوامش ربح مبالغ فيها، وضعف رقابة حقيقية على السلاسل الكبرى والموردين الكبار.

 

الخبير الاقتصادي هاني توفيق يلفت، في أكثر من مناسبة، إلى أن ما يعلن رسميًا عن "انحسار" في معدلات التضخم لا يترجم بأي صورة إلى تحسن في معيشة الناس، موضحًا أن هناك فرقًا جوهريًا بين انخفاض صحي للتضخم ناتج عن زيادة الإنتاج، وبين انخفاض غير صحي ناتج عن ضعف الطلب وانكماش القوة الشرائية، وأن الحالة المصرية تنتمي بوضوح للفئة الثانية .

 

توفيق يشير أيضًا إلى أن استمرار الضغوط على الجنيه، وارتفاع تكاليف الاستيراد والتمويل، يدفع الاقتصاد نحو حلقة مفرغة من ارتفاع الأسعار وتراجع الدخول الحقيقية، متوقعًا في تصريحات سابقة تضخمًا يدور بين 35 و40% إذا استمرت السياسات الحالية دون إصلاح جذري في أولويات الإنفاق والاستدانة . في ضوء هذه المعطيات، تبدو مبادرات تثبيت الأسعار التي تُدار بين الحكومة وبعض التجار أقرب إلى "تسوية سياسية" مؤقتة، تشتري الهدوء الاجتماعي في موسم حساس، بينما يبقى الخلل الأساسي في هيكل الإنتاج والتوزيع بلا علاج.

 

جذور الأزمة: ديون متضخمة ومساحة أضيق لدعم الفقراء

 

ورغم حديث المنوفي عن "مسؤولية مجتمعية" للقطاع الخاص، فإن قدرة الدولة نفسها على التدخل لحماية الفئات الأضعف باتت مقيدة بشدة، في ظل تضخم غير مسبوق في أعباء خدمة الدين. الخبير المالي والاقتصادي الدكتور محمد فؤاد يحذّر من أن الوضع الحالي يمثل "خطرًا وجوديًا على الاقتصاد الوطني"، موضحًا أن خدمة الدين باتت تلتهم الجزء الأكبر من الإيرادات العامة، بحيث "لا يبقى شيء لتطوير التعليم أو الصحة أو شبكات الضمان الاجتماعي" .

 

فؤاد يشير إلى أن الدولة باتت تنفق ما تقترضه لسداد ديون سابقة، ومع كل قرض جديد تتعمق الفجوة أكثر، ما يجعل أي أرقام عن "النمو" مجرد عناوين للاستهلاك الإعلامي، لا تنعكس على الشارع ولا على موائد المصريين في رمضان أو غيره. في ظل هذا السياق المالي الخانق، تصبح قدرة الحكومة على توسيع دعم السلع أو تحمل فارق الأسعار محدودة للغاية، فيجري تحميل العبء بالتدريج على المستهلك، ثم يجري تسويق مبادرات مثل تثبيت الأسعار أسبوعين أو افتتاح معارض "أهلا رمضان" باعتبارها إنجازات اجتماعية.

 

من زاوية أخرى، حذّرت عالية المهدي من التحول الكامل إلى آليات "الدعم النقدي" بدلًا من الدعم العيني للسلع، مؤكدة أن منح المواطن مبالغ مالية في اقتصاد يتسم باتجاه تضخمي مستمر، سيدفع التجار إلى رفع الأسعار بصورة أكبر، ما يلتهم أي زيادة شكلية في الدخول، ويحوّل الدعم إلى وقود إضافي للتضخم بدلًا من كونه صمام أمان للفقراء . ومع اضطرار الدولة لتقليص دورها المباشر في توزيع السلع بسبب ضغوط الدين والعجز، تتزايد مخاطر التلاعب في الأوزان والجودة وهوامش الربح، حتى لو جرى تثبيت السعر "على الورق".

 

في المحصلة، يكشف اتفاق تثبيت الأسعار لأسبوعين في رمضان عن ثلاثة أمور أساسية: أولًا، اعتراف ضمني بأن الأسعار بلغت مستوى من الغلاء يهدد بانفجار اجتماعي إذا تُركت لقوى السوق وحدها في موسم استهلاك كثيف؛ ثانيًا، محدودية أدوات حكومة الانقلاب في ضبط السوق بعد أن أُنهِك الاقتصاد بالديون والتضخم؛ وثالثًا، أن معالجة الأزمة لا يمكن أن تقتصر على تفاهمات مؤقتة مع التجار، بل تحتاج إلى مراجعة شاملة لأولويات الإنفاق والدين، وإعادة بناء سياسات الدعم والحماية الاجتماعية على أسس تضمن أمن المصريين الغذائي، لا أن تتركهم أسرى لمبادرات موسمية سرعان ما تنتهي بانقضاء الأسبوعين الأولين من رمضان.