مع كل دورة تحصيل جديدة للضريبة العقارية، يعود السؤال نفسه إلى الشارع: لماذا يدفع أصحاب السكن الأساسي بانتظام، بينما لا يرى كثيرون خدمات محلية توازي ما يُقتطع من جيوبهم؟ الجدل هنا ليس حول “وجود ضريبة” من عدمه، بل حول عدالتها: من يتحمل العبء فعليًا؟ وهل التقييم يتم بمعايير مفهومة أم بتقديرات تفتح باب النزاع؟ والأهم: هل تُعاد الحصيلة إلى الأحياء والمدن في صورة صيانة وتطوير، أم تذوب في مسارات لا يلمسها المواطن؟
في هذا السياق، تكشف آراء خبراء من داخل القطاع العقاري أن الخلل ليس تفصيلاً، بل بنية كاملة تُحمّل الطبقة المتوسطة فاتورة أكبر من طاقتها، دون شفافية كافية في التقييم أو إنفاق واضح في المحليات.
المتوسطة تتحمل العبء.. والمقابل الخدمي لا يظهر
يرى المهندس داكر عبد اللاه (عضو شعبة الاستثمار العقاري باتحاد الغرف التجارية وعضو لجنة التطوير العقاري بجمعية رجال الأعمال المصريين) أن الطبقة المتوسطة هي التي تتحمل العبء الأكبر في الضريبة العقارية، بينما نسبة ما يدفعه الأغنياء لا تتناسب مع طبيعة دخولهم. ويضيف أن أكثر من 60% من الحصيلة تأتي من شقق تمثل سكنًا أساسيًا لمواطنين في مناطق متوسطة وشعبية، ورغم ذلك لا يشعر السكان هناك بخدمات حقيقية مقابل ما يدفعونه، لا في الصيانة ولا في تطوير المنطقة.
هذا الطرح يضع يدًا على نقطة حساسة: الدولة تُمسك بخيط التحصيل من الفئات “الأضمن” إداريًا، ثم تتوقع من الناس قبول الضريبة باعتبارها مساهمة في تحسين حياتهم، بينما الواقع اليومي في كثير من الأحياء لا يعكس هذا التحسن. ومع غياب الأثر الخدمي، تتحول الضريبة في وعي المواطن من “واجب عام” إلى “خصم إجباري” بلا عائد.
ولأن المشكلة ليست في التحصيل وحده بل في الثقة، يطرح عبد اللاه مبدأ واضحًا: لا يمكن مطالبة الناس بالالتزام الكامل بينما لا توجد شفافية كافية تُظهر أين تذهب الأموال وكيف تعود على نفس المناطق التي دفعت.
تعديل الإعفاء والنِسَب.. عدالة تتحقق دون سحق السكن الأساسي
انطلاقًا من هذا التشخيص، يقترح داكر عبد اللاه إعادة ضبط المعادلة حتى لا تتحول الضريبة إلى حمل على الملاك: رفع حد الإعفاء من العقارات الأقل من 2 مليون جنيه إلى نطاق 3.5–4 ملايين جنيه، بما يعفي سكن الأسرة المتوسطة ويُخرج ملايين الوحدات من الخضوع للضريبة، على أن يتركز التحصيل بصورة أعدل على القادر فعليًا. كما طالب بتخفيض النسبة على السكن الأساسي من 10% من القيمة الإيجارية إلى 5%، مقابل رفعها إلى 15% للوحدات المغلقة و20% للعقارات الاستثمارية الكبيرة، للوصول إلى حصيلة قريبة دون ضغط على المواطن.
الفكرة هنا ليست مجاملة اجتماعية، بل إعادة توجيه الضريبة إلى حيث يجب أن تكون: العقار كوعاء استثماري كبير، لا بيت الأسرة كضرورة معيشية.
وهنا يبرز دور الخبرة المهنية في التقييم، حيث يرى الخبير العقاري أحمد أنيس أن أي حديث عن عدالة الضريبة يظل ناقصًا إذا لم تُبنَ التقديرات على أسس واضحة ومنضبطة يمكن تفسيرها للمواطن. فالتقييم الذي لا يراعي دخل المنطقة وطبيعة الخدمات وعمر العقار يفتح باب الاعتراض والطعون، ويجعل الامتثال أصعب حتى على الراغبين في الالتزام. ومن هذا المنطلق، يصبح ضبط آليات التقييم شرطًا لتقليل النزاع والتهرب، لا مجرد بند إداري على الهامش.
وتتقاطع هذه الرؤية مع ما شدد عليه عبد اللاه نفسه بشأن ضرورة وقف التقدير العشوائي وربط التقييم بدخل المنطقة وعمر العقار ومستوى الخدمات، مع إعادة التقييم دوريًا لتقليل الخلافات وزيادة الالتزام.
أين تذهب الحصيلة؟ الربط بالخدمات يبدأ من المحليات.. ويُستكمل بالتسجيل
يشير داكر عبد اللاه إلى مفارقة لافتة: حصيلة الضريبة العقارية السنوية تتراوح بين 4 و6 مليارات جنيه، بينما قيمة الثروة العقارية في مصر تتجاوز 10 تريليونات جنيه، بما يعني أن ما يُحصَّل نسبة صغيرة جدًا من قيمة السوق، لكنه يتحول إلى عبء ثقيل على المواطن لأن التحصيل يتركز على السكن الأساسي. ويوضح ذلك بمثال حسابي: المالك يدفع 10% من القيمة الإيجارية السنوية بعد خصم 30% للصيانة؛ فإذا كانت القيمة الإيجارية المقدرة 24 ألف جنيه، تصبح الضريبة 1680 جنيهًا سنويًا (140 جنيهًا شهريًا).
ومن هنا يطالب عبد اللاه بما يعيد الثقة: توجيه الحصيلة للمحليات “بالأرقام”، وتخصيص 70% من الضريبة للمنطقة نفسها و30% للخزانة العامة، حتى يرى المواطن أثرًا مباشرًا في منطقته بدل أن يشعر أن المال يتبخر دون أثر.
وفي نفس المسار، حيث يؤكد الخبير العقاري فتح الله فوزي أن استقامة الضريبة لا تنفصل عن استقامة قاعدة الملكية نفسها؛ فتعقيدات التسجيل ونقص توثيق الملكيات يفتحان ثغرات واسعة تجعل العدالة انتقائية: من هو ظاهر في السجلات يُحاسَب بسهولة، بينما تتسع مساحة خارج الرصد الدقيق. لذلك فإن إصلاح إجراءات التسجيل وتبسيطها وتحديث قواعد البيانات ليس ملفًا قانونيًا منفصلًا، بل شرط عملي لبناء تقييم ضريبي عادل يحد من التشوهات ويضمن أن العبء يقع على الجميع وفق قواعد واحدة.
خلاصة مترابطة
الضريبة العقارية لن تصبح عادلة بقرار واحد أو شعار حكومي عن “تعظيم الموارد”. العدالة تبدأ من حماية السكن الأساسي للطبقة المتوسطة بإعفاءات منطقية ونِسَب أقل، وتستكمل بتقييم مهني واضح كما يشدد أحمد أنيس، ثم تترسخ بربط الحصيلة بخدمات محلية ملموسة كما يقترح داكر عبد اللاه، وتُغلق ثغراتها بإصلاح التسجيل وقاعدة الملكية كما ينبه فتح الله فوزي. ما دون ذلك سيبقي الضريبة عبئًا اجتماعيًا يفاقم الغضب… دون أن يحقق للدولة موردًا يعكس حجم الثروة العقارية فعلاً.

