في مأساة جديدة تهزّ الضمير العام، شهدت قرية ميت عاصم التابعة لمركز بنها بمحافظة القليوبية حادثًا مروّعًا بعد مصرع خمسة أشقاء اختناقًا نتيجة تسرب غاز من سخان الحمّام داخل منزلهم، في واقعة تُعيد إلى الأذهان سلسلة الكوارث التي يتكرّر فيها المشهد ذاته دون أن تتحرك الحكومة لفرض إجراءات وقائية حقيقية تحمي حياة المواطنين.
أسرة كاملة تختنق في صمت داخل بيتها، بينما الدولة تكتفي بالبيانات والتعازي، في مشهد يلخّص غياب أبسط حقوق المواطن في الأمان داخل منزله.
تقاعس حكومي ورقابة غائبة على الأجهزة المنزلية
التحقيقات الأولية كشفت أن الانفجار داخل سخان المياه تسبب في تسرب كثيف للغاز، ما أدى إلى وفاة إحدى الفتيات فورًا أثناء استحمامها، ثم تسرب الغاز لبقية الغرف ليقضي على أشقائها الأربعة أثناء نومهم. مأساة لم يكن سببها “سوء الحظ”، بل فشل ممنهج في أنظمة الرقابة على منتجات الغاز والأمان المنزلي.
ففي ظل غياب حملات التفتيش على سخانات الغاز أو التوصيلات الداخلية، وافتقاد الكثير من المنازل لأجهزة كشف أوتوماتيكي للتسرب، يتحول كل بيت مصري إلى قنبلة موقوتة تهدّد حياة ساكنيه في أي لحظة. ومع ذلك، لم تُصدر وزارة الكهرباء أو وزارة البترول أي بيان يحمّل مسؤولية أو يعلن خطة وقائية عاجلة، كما يغيب الدور الفعلي لجهاز حماية المستهلك الذي لا يتدخل إلا بعد وقوع الكارثة.
أطفال بمفردهم.. ومجتمع ينهار
المأساة تزداد قسوة حين نعلم أن الأطفال الخمسة كانوا يعيشون بمفردهم داخل المنزل في ظلّ وجود والديهم العاملين خارج البلاد. غيابهم لا يبرّر غياب الدولة والمجتمع عن متابعة أحوال الأسر المهددة بالإهمال والفقر والعزلة. لقد أصبحت سياسات الحكومة تكتفي بالتصريحات عن “دعم الأسرة المصرية” بينما الواقع يكشف هشاشة الحماية الاجتماعية وانعدام الرقابة المجتمعية.
عندما تُترك أسرة كاملة دون متابعة أو إشراف، وعندما لا توجد زيارات ميدانية من الوحدة المحلية أو الجمعيات الأهلية لرصد مثل هذه الحالات، يصبح من الطبيعي أن نسمع يوميًا عن ضحايا الغاز وصواعق الكهرباء وانهيارات المنازل القديمة، بلا محاسبة أو خطة إصلاح حقيقية.
كارثة تُضاف إلى سجل الإهمال الرسمي
الواقعة التي خسرت فيها الدكتورة ابتسام نصر، أستاذة الجراحة بكلية طب بنها، جميع أبنائها، ليست مجرد حادث منزلي مؤسف، بل دليل صارخ على إهمال الحكومات المتعاقبة في تطبيق معايير الأمان العامة. فكم من تحذير صدر حول خطورة سخانات الغاز دون أن تُفرض رقابة على المصانع والموردين؟ وكم من مرة تلوّنت شاشات التلفزيون بدموع المسؤولين بعد موت أبرياء، ثم عادت الأمور إلى سابق عهدها بعد أيام؟
الناس في القرى والنجوع ما زالوا يستخدمون أجهزة رديئة الصنع، دون مراقبة جودة أو حتى توعية بكيفية التعامل معها. والحكومة، الغارقة في الدعاية والمشروعات التجميلية، لا تخصص ميزانيات تذكر للتفتيش والمراقبة الفنية للأجهزة المنزلية.
حادثة ميت عاصم ليست نهاية مأساة، بل إنذار جديد بأن الإهمال الرسمي يقتل المصريين بصمت. وما لم تتحرك الدولة لوضع خطة رقابة صارمة على مستلزمات الغاز والتهوية، وتطلق حملة صيانة دورية مجانًا للأسر محدودة الدخل، فإن دماء الأطفال الخمسة ستظل تلاحق ضمائر المسؤولين، شاهدة على زمن يكتفي فيه النظام بالأسف بدل الفعل.

