تتحرّك حكومة الانقلاب مجددًا على مسار “الإنقاذ السريع” عبر بيع ما تبقّى من شريط مصر الساحلي، بعدما كشفت تقارير صحفية أن بنك الاستثمار القومي يعتزم إبرام صفقة مليارية جديدة مع مستثمر إماراتي لتطوير منطقة الجفيرة بالساحل الشمالي على مساحة 642 فدانًا، في تكرار واضح لنموذج صفقة رأس الحكمة التي منحت الإمارات واحدًا من أثمن شواطئ مصر تاريخيًا تحت عنوان “أكبر استثمار أجنبي مباشر”.

 

هذه المرّة، لا يدور الحديث عن خطة شاملة لإعادة هيكلة الاقتصاد أو وقف نزيف الديون، بل عن قطعة جديدة من الجسد المصري تُقطَع وتُعرض في مزاد “الاستثمار العقاري الفاخر” لسد عطش الدولار، بينما يغرق المواطن في تضخم وجوع وغياب أفق. وبينما تسوّق الحكومة الصفقة القادمة في الجفيرة بوصفها “فرصة استثمارية”، تحذّر أصوات اقتصادية محترَمة – من بينها د. عالية المهدي، ود. محمد فؤاد، ود. مراد علي، ود. سالي صلاح – من أن مصر تُدفَع إلى “حلقة مميتة” من الديون وبيع الأصول، وأن ما يُقدَّم كـ“استثمار” ليس إلا رهنًا طويل الأمد للأرض والقرار لصالح شركاء لا يتحمّلون أي كلفة اجتماعية أو سياسية داخل البلاد.

 

من رأس الحكمة إلى الجفيرة: بيع الساحل لسد عطش الدولار

 

صفقة رأس الحكمة كانت النموذج الأكبر: اتفاق ضخم مع صندوق أبوظبي السيادي “القابضة” (ADQ) يمنحه حقوق تطوير منطقة رأس الحكمة على الساحل الشمالي الغربي، مقابل 24 مليار دولار نقدًا، مع تحويل 11 مليار دولار من ودائع إماراتية إلى استثمارات، مع احتفاظ الحكومة المصرية بحصة 35% من المشروع على مساحة تتجاوز 170 مليون متر مربع.

 

الحكومة رَوَّجت للصفقة بوصفها “شراكة وليست بيع أصول”، لكن النتيجة على الأرض كانت بسيطة: واحد من أجمل مواقع مصر الساحلية خرج فعليًا من السيطرة الوطنية المباشرة لعقود طويلة، ليتحوّل إلى مشروع عقاري ترفيهي موجه لفئات محدودة وسياحة نخبوية، بينما لم يشعر المواطن العادي بأي تحسّن جوهري في مستوى الدخل أو الخدمات أو فرص العمل المستدامة.

 

د. عالية المهدي، عميدة كلية الاقتصاد والعلوم السياسية سابقًا، وصفت رأس الحكمة بأنها “صفقة مصالح للطرفين”؛ الإمارات حصلت على أفضل موقع على شواطئ مصر، بينما حصلت القاهرة على مبلغ ضخم من العملة الصعبة يساعدها على تجاوز محنتها “بشكل مؤقت” ما لم تُقترن الصفقة بإصلاحات اقتصادية حقيقية. كلمة “مؤقت” هنا هي بيت القصيد: الأموال دخلت، لكن لم تحدث إصلاحات بنيوية، ولم يتوقف نزيف الديون والعجز، بل تضخم الدين الخارجي بعدها إلى أكثر من 168 مليار دولار بنهاية 2025.

 

الآن، مع صفقة الجفيرة المرتقبة عبر بنك الاستثمار القومي، تبدو الحكومة وكأنها تعيد تشغيل نفس الوصفة الفاشلة: قطعة جديدة من الساحل، مستثمر إماراتي جديد، مشروع سياحي وعمراني فاخر على 642 فدانًا، مقابل “دولارات سريعة” تُستخدم لرتق فجوات عاجلة في الاحتياطي أو الموازنة، دون أي رؤية تحوّل هذا الاستثمار إلى صناعة إنتاجية أو نهضة حقيقية في الشمال الغربي.

 

ديون خانقة وبيع أصول: تحذيرات من الحلقة المميتة

 

بينما تتفاخر حكومة الانقلاب بحجم الاستثمارات الخليجية، تتحدّث الأرقام عن واقع مغاير تمامًا؛ إذ تشير تقديرات الخبيرة الاقتصادية د. سالي صلاح إلى أن الدين الخارجي قفز من نحو 155.9 مليار دولار في نهاية 2024 إلى حوالي 168.4 مليار دولار في نهاية 2025، مع استمرار الحكومة في الاقتراض وبيع الأصول كخيار أساسي لسدّ العجز. صلاح تصف هذا المسار بأنه “الحلقة المميتة من الديون وبيع الأصول”، وتُحذّر من أن علاج الأزمة لا يكون بالمزيد من القروض والصفقات، بل بتغيير جذري في نمط الإدارة الاقتصادية والسياسية بالكامل.

 

في السياق نفسه، يحذّر الخبير الاقتصادي د. محمد فؤاد من الاعتماد المستمر على بيع أصول الدولة لسد الفجوة التمويلية، مؤكدًا في إحدى مداخلاته التلفزيونية أن هذه السياسة تشبه “حرق أثاث المنزل لتدفئته ليلة واحدة”، إذ توفّر سيولة مؤقتة، لكنها تترك الدولة أكثر هشاشة وأقل قدرة على توليد دخل مستدام في المستقبل. ومع كل صفقة جديدة، يتقلّص رصيد الدولة من الأصول ذات القيمة العالية، خصوصًا على السواحل، بينما تبقى أزمة الإنتاج وضعف التصدير بلا حلول حقيقية.

 

د. عالية المهدي، رغم رؤيتها البراغماتية لصفقة رأس الحكمة، تُقرّ أن أي صفقة استثمارية على هذا النطاق لا يمكن أن تُعتبر إنقاذًا للاقتصاد ما لم تُقرن بإصلاح شامل لطريقة إدارة الموارد، وترشيد للإنفاق الحكومي غير المنتج، وإعادة توجيه الاستثمارات نحو الصناعة والزراعة والتكنولوجيا بدلًا من التركيز شبه الكامل على العقار والسياحة الفاخرة. لكن حكومة الانقلاب اختارت الطريق الأسهل: مزيد من الأراضي، مزيد من الصفقات، ومزيد من الديون، دون أن تقدّم للمصريين خطة واضحة للتحوّل من اقتصاد الريع والبيع إلى اقتصاد الإنتاج الحقيقي.

 

تفكيك ممنهج للدولة و«استعمار اقتصادي مقنّع»

 

الجانب الأخطر في صفقة الجفيرة – كما كان الحال في رأس الحكمة – ليس ماليًا فقط، بل سياديًا واستراتيجيًا. الخبير الاقتصادي د. مراد علي نبّه مرارًا إلى أن الحديث الرسمي عن “خفض الدين الخارجي إلى مستويات السبعينيات” ليس سوى “مسرحية عبثية” تثير السخرية، لأن ما يجري في الواقع هو إعادة تدوير للديون عبر بيع الأصول والتعامل مع الاستثمارات الخليجية كبديل عن الإصلاح الحقيقي، مع كلفة عالية على المدى البعيد في شكل نفوذ متزايد لهذه الدول على القرار الاقتصادي والسياسي في مصر.

 

مراد علي يربط بين بيع الأصول الاستراتيجية ونقل تبعية الصندوق السيادي لوزارة الاستثمار – بما يعنيه ذلك من تسهيل عملية تصفية ممتلكات الدولة لصالح مستثمرين أجانب – وبين “تفكيك الدولة المركزية” وتحويلها إلى مجموعات من الأصول المرهونة والمتوزعة بين عواصم التمويل الإقليمي والدولي. في هذا السياق، يأتي تسليم مساحات جديدة من الساحل الشمالي لمستثمرين إماراتيين بوصفه خطوة إضافية على طريق تحويل الشواطئ المصرية إلى “شريط ملكية خاصة” محاط بأسوار، خارج متناول المصريين فعليًا.

 

من جهتها، تصف د. سالي صلاح هذا النمط من الصفقات بأنه “استعمار اقتصادي مقنّع”، إذ لا تحتاج القوى الإقليمية والدولية في القرن الحادي والعشرين إلى جيوش واحتلال مباشر، بقدر حاجتها إلى عقود طويلة الأجل تمنحها السيطرة على الأراضي والموارد والمرافئ والخدمات، مقابل دولارات تُستهلك في سداد فوائد ديون سابقة أو في تمويل مشاريع استعراضية لا تعود بالنفع على أغلبية الشعب.

 

في ضوء هذه التحذيرات، تبدو صفقة الجفيرة ليست مجرد مشروع سياحي جديد، بل حلقة أخرى في سلسلة تفكيك متدرّج لملكية الدولة لمناطقها الأهم والأكثر قيمة على البحر المتوسط، لصالح شريك واحد تقريبًا هو الإمارات، في ظل غياب كامل لأي نقاش مجتمعي أو شفافية برلمانية حقيقية حول شروط العقود، ومدد الانتفاع، وحصص الأرباح، وكلفة البنية التحتية التي تتحمّلها الخزانة المصرية.

 

في النهاية، ما تخشاه أصوات مثل عالية المهدي ومحمد فؤاد ومراد علي وسالي صلاح ليس الاستثمار في حد ذاته، بل الاستسلام الكامل لوصفة واحدة: المزيد من الديون، ثم بيع الأرض لسداد جزء من الفوائد، ثم البحث عن قطعة أرض جديدة تُباع، وهكذا حتى لا يبقى شيء. صفقة الجفيرة، بهذا المعنى، ليست بشرى للمصريين، بل جرس إنذار جديد بأن حكومة الانقلاب اختارت أن تُكمِل للنهاية طريق “الرهن الشامل” للأصول السيادية، بدلًا من أن تعترف بفشل نموذجها وتفسح المجال لمسار اقتصادي وسياسي مختلف يضع مصلحة المصريين وحقهم في أرضهم وثرواتهم قبل أي شيء آخر.