في سلسلة مداخلات حادة ومباشرة، يقدّم الخبير الاقتصادي الدكتور حسن الصادي تشريحًا قاسيًا للوضع الاقتصادي في مصر، كاشفًا ما يصفه بـ"العته الاقتصادي" الذي أوصل البلاد إلى أزمتها الراهنة. من فخ القروض الدولية وشروط صندوق النقد، إلى موجات التعويم المتتالية، وصولًا إلى فاتورة استيراد سلع كمالية وأخرى ترفيهية بمليارات الدولارات؛ يضع الصادي يده على جرح السياسات التي حوّلت الاقتصاد المصري إلى ساحة تجارب لصنّاع القرار في الخارج، ومضمار مضاربات لرجال الأعمال والأموال الساخنة في الداخل.

 

ولا يكتفي الصادي بتوصيف الأزمة، بل يربط بين مشاهد الانهيار الحالي وبين غياب القراءة الواعية لما يدور في كواليس صانع القرار الدولي، مؤكدًا أن ما يحدث ليس صدفة، وأن مصر – كما يقول – "مستهدفة" بقرارات وسياسات تدفعها إلى مزيد من الارتهان والتبعية، بينما تغيب الرؤية الوطنية الجريئة التي تغلق الباب على نزيف الاستيراد وتلتفت إلى الداخل بوصفه ساحة الإنقاذ الوحيدة الممكنة.

 

أولاً - فخ القروض الدولية.. حين يكون حسن النية غطاءً لسوء النية

 

ينطلق حسن الصادي من زاوية شديدة الحساسية: علاقة النظام الاقتصادي المصري بالمؤسسات المالية الدولية. يقول بوضوح إن "تساهل" تلك المؤسسات في منح القروض ليس شهادة ثقة في الاقتصاد، بل مؤشر خطر على أن نواياها ليست سليمة، وأن الدولة التي تُفتح أمامها أبواب الاقتراض بلا حدود هي في الحقيقة تُقاد تدريجيًا إلى فخ يصعب الخروج منه. فحين يتراكم الدين الخارجي ويتضخم عبء خدمته، تصبح قرارات الحكومة رهينة لشروط الدائنين لا لاحتياجات المجتمع.

 

ويضيف الصادي أن مدير صندوق النقد الدولي نفسه لا يستطيع التفاوض مع دولة بحجم مصر بمعزل عن "أطراف أخرى"، في تلميح مباشر إلى تشابك ملفات الاقتصاد والسياسة والأمن في كواليس القوى الكبرى. هذه الأطراف – بحسب منطقه – لا تنظر إلى الأرقام وحدها، بل إلى وزن الدولة الإقليمي، ودورها في الملفات الحساسة، من سيناء إلى الغاز في شرق المتوسط، وصولًا إلى ملفات الهجرة والأمن الإقليمي.

 

 

من هنا، يشير الصادي إلى أن أزمة مصر الاقتصادية لم تهبط من السماء، بل كانت نتيجة مباشرة "لعدم قراءة ما يدور في كواليس صانع القرار الدولي"، وأن استمرار صانع القرار المحلي في التعامل السطحي مع المؤسسات الدولية – وكأنها منظمات خيرية – هو ما جعل الاقتصاد مكشوفًا، وفتح الباب أمام سياسات تعويم وخصخصة وبيع أصول لم تراعِ الحد الأدنى من حماية الأمن القومي الاقتصادي.

 

ويقدّم الصادي وصفة عكسية: الالتفات إلى الداخل، لا على مستوى الشعارات بل على مستوى القرار. "اقفل عليك اقتصادك وشوفه محتاج إيه" كما يردد، في دعوة صريحة لفرض أولويات جديدة على سياسات الاستيراد والإنتاج، تنطلق من احتياجات المجتمع لا من شهوات طبقة مستفيدة أو حسابات شبكات مصالح مرتبطة بالخارج.

 

ثانيًا - من الأحجار الكريمة لأكل الكلاب.. سفه استيراد في اقتصاد مأزوم

 

أخطر ما يطرحه حسن الصادي هو الأرقام التي يكشف بها حجم "السفه" في فاتورة الاستيراد المصرية، مقارنة بحجم الأزمة التي يعيشها المواطن يوميًا. يذكّر بأن مصر تستورد "أحجارًا كريمة" بأكثر من مليار دولار سنويًا، في وقت لا يجد فيه ملايين الفقراء ما يسد رمقهم أو يغطي احتياجاتهم الأساسية من علاج وتعليم وسكن كريم.

 

 

ويواصل الصادي سرد الأرقام التي تكشف حجم الاختلال في الأولويات:

 

استيراد سيارات بقيمة تصل إلى 5 مليارات دولار سنويًا.

 

استيراد أكل كلاب وقطط بـ 265 مليون دولار.

 

استيراد منتجات ألبان بـ 625 مليون دولار.

 

استيراد مجففات بنحو 220 مليون دولار.

 

استيراد مكسرات وفواكه مجففة بـ 600 مليون دولار.

 

هذه الأرقام، كما يصفها، ليست مجرد "تفاصيل في ميزان المدفوعات"، بل عنوانٌ لـ"سفه أو عته اقتصادي" في بلد يعاني من نقص العملة الصعبة، ويتحدث مسؤولوه ليل نهار عن ترشيد الدعم، ورفع الأسعار، و"تحمل المواطن" كلفة الإصلاح.

 

في هذا السياق، تصبح دعوة الصادي إلى "إغلاق الاقتصاد" بمعنى إعادة ترتيب الأولويات، دعوة ملحّة: لا يمكن لاقتصاد مأزوم أن يواصل إنفاق المليارات على كماليات وأصناف ترفيهية بينما يعاني من عجز مزمن في الميزان التجاري وميزان المدفوعات، ويعيش أغلب مواطنيه تحت ضغط تضخم قياسي وغلاء غير مسبوق.

 

الصادي هنا لا يهاجم الاستيراد بوصفه شرًا مطلقًا، بل يضع خطًا فاصلًا بين ما هو ضروري للإنتاج والحياة، وبين ما هو ترف صريح تستفيد منه طبقات محدودة، بينما تُدفع الفاتورة من احتياطي النقد الأجنبي ومن جيوب الفقراء عبر موجات متتالية من رفع الأسعار والضرائب والرسوم.

 

ثالثًا - التعويم والأموال الساخنة.. فوضى منظمة لنهب الاقتصاد

 

في محور آخر من تحليله، يتوقف حسن الصادي عند سياسة التعويم، معتبرًا أنها "أحلى بيئة لمكاسب رجال الأعمال"، لا لأنها إصلاح ضروري كما يروَّج، بل لأنها – كما يقول – "تخلق فوضى ليس لها أول من آخر" في سوق الصرف والأسعار، تسمح لفئة محدودة بجني أرباح استثنائية على حساب استقرار المجتمع.
 

 

ويشرح الصادي أن جزءًا كبيرًا من الضغوط التي مورست من جانب رجال أعمال نافذين كان هدفه الدفع نحو التعويم الكامل، لأن هذه البيئة توفر فرصًا هائلة للمضاربة على الدولار والذهب والعقارات، بينما يتحول المواطن العادي إلى ضحية لانهيار الجنيه وتآكل الأجور والمدخرات. هنا يطل "الذهب" كـ"كلمة السر" في فهم دوافع هذه الضغوط، إذ تتحول موجات التعويم إلى لحظة مثالية لتحويل السيولة إلى ذهب أو عملات صعبة، ثم جني أرباح ضخمة عند كل موجة جديدة من الانخفاض في قيمة العملة المحلية.

 

في السياق نفسه، يتناول الصادي ملف "الأموال الساخنة" أو ما يسميه ساخرًا "Daraty Money"، موضحًا أنها ليست استثمارات حقيقية في مصانع أو مشروعات إنتاجية، بل "فلوس مافيا وشبكات دولية وصناديق تحوط بتلعب قمار باقتصاديات دول". هذه الأموال تدخل سريعًا للاستفادة من أسعار فائدة قياسية أو فرص مضاربة، ثم تخرج بالسرعة نفسها عند أول إشارة أزمة، تاركة خلفها اقتصادًا منكشفًا وعملة منهارة واحتياطيًا مستنزفًا.

 

 

بهذا المعنى، يربط الصادي بين ثلاثية قاتلة: تعويم بلا ضوابط، أموال ساخنة تدخل وتخرج وقتما تشاء، ورجال أعمال يطالبون بسياسات تخدم مصالحهم أولًا. هذه الثلاثية – في رأيه – ليست "أخطاء فنية"، بل نتيجة مباشرة لاختيار سياسي واقتصادي منحاز، قرر أن ينحاز للأسواق والمافيا المالية على حساب المواطنين والطبقة الوسطى والمنتجين الحقيقيين.

 

في النهاية، تكشف مداخلات حسن الصادي عن سردية مختلفة تمامًا عن تلك الرسمية التي تروّج لـ"إصلاح تاريخي" و"إنجازات اقتصادية غير مسبوقة". فهو يرى أن ما جرى خلال السنوات الماضية هو مسار من التفريط في القرار الاقتصادي الوطني، والانخراط الأعمى في وصفات صندوق النقد، وفتح الأبواب على مصاريعها للأموال الساخنة وسفه الاستيراد، مقابل إغلاقها في وجه أي نقاش جاد حول بدائل إنتاجية حقيقية تلتفت إلى الداخل، وتحمي ما تبقى من تماسك المجتمع والدولة.