رغم التحسن النسبي الذي شهده سعر صرف الجنيه في فترات متقطعة خلال الشهور الأخيرة، لم يشعر المواطن بأي تراجع يُذكر في أسعار السلع الأساسية أو الخدمات، بل استمرت الأسعار عند مستويات مرتفعة، فيما عادت ظاهرة الدولرة للظهور مع كل صدمة اقتصادية أو توتر إقليمي.
هذا التناقض بين تحسن سعر الصرف وثبات الأسعار لا يمكن تفسيره بالانطباعات، بل تكشفه الأرقام الرسمية التي تُظهر أن الأزمة أعمق من مجرد سعر عملة، وترتبط ببنية التكلفة وسلوك السوق وتكرار الصدمات.
أرقام التضخم وسعر الصرف: تحسن بلا أثر استهلاكي
وفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، بلغ معدل التضخم السنوي العام ذروته خلال 2023 عند مستويات تجاوزت 35%، فيما تخطى تضخم الغذاء والشراب 45% في بعض الشهور. ومع بداية 2024، تراجع المعدل السنوي نسبيًا، لكنه ظل فوق 25%، وهو مستوى مرتفع تاريخيًا لا يسمح بانخفاض سريع للأسعار.
في المقابل، شهد سعر صرف الجنيه تحسنًا نسبيًا بعد موجات تراجع حادة، إلا أن هذا التحسن لم يكن مستقرًا زمنيًا، بل جاء في بيئة توقعات سلبية، وهو ما يفسر عدم انتقال أثره للأسواق. الدكتورة عالية المهدي، أستاذة الاقتصاد، توضح أن الأرقام تُظهر فجوة زمنية وهيكلية، مشيرة إلى أن “الأسعار جرى تسعيرها عند ذروة سعر الصرف والتضخم، ومع غياب المنافسة الكافية، تحولت هذه المستويات إلى أسعار مرجعية يصعب كسرها”.
وتضيف أن بيانات التضخم تثبت أن أي تحسن في العملة لم يكن كافيًا لتعويض الزيادات التراكمية التي حدثت خلال عامين متتاليين من الصدمات.
تكلفة الإنتاج والفائدة: مكاسب الجنيه تُبتلع قبل الوصول للمستهلك
الأرقام المتعلقة بتكلفة الإنتاج تُفسر جانبًا كبيرًا من الأزمة. فوفق بيانات البنك المركزي، وصلت أسعار الفائدة الأساسية إلى مستويات تجاوزت 25% خلال 2024، ما رفع تكلفة التمويل على المصانع والتجار. هذا الارتفاع انعكس مباشرة على تكلفة المنتج النهائي، بغض النظر عن تحركات سعر الصرف.
الدكتور محمد فؤاد، الخبير الاقتصادي، يربط بين سعر الفائدة والأسعار، موضحًا أن “الشركات لا تسعّر على أساس سعر الصرف اللحظي، بل على متوسط تكلفة يشمل تمويلًا مرتفعًا وطاقة ونقلًا”. ويشير إلى أن أرقام الاستيراد تُظهر أن نسبة كبيرة من مدخلات الإنتاج جرى شراؤها بأسعار صرف أعلى، ما يعني أن المخزون الحالي يحمل تكلفة مرتفعة لا يمكن التخلص منها بخفض الأسعار دون خسائر.
وتدعم بيانات التجارة الخارجية هذا الطرح، إذ تُظهر أن فاتورة الواردات السلعية ظلت مرتفعة، خاصة في السلع الوسيطة ومستلزمات الإنتاج، وهو ما يحدّ من قدرة السوق على تمرير أي تحسن في الجنيه للمستهلك النهائي.
الصدمات المتكررة والدولرة: أرقام الثقة المفقودة
تُظهر أرقام ميزان المدفوعات أن الطلب على النقد الأجنبي يتجدد مع كل أزمة، سواء كانت مرتبطة بالاستيراد أو بالتوترات الإقليمية. هذه الصدمات المتكررة أعادت سباق الدولرة، ليس كمضاربة فقط، بل كسلوك تحوطي.
الدكتور عبدالمطلب عبدالنبي، أستاذ الاقتصاد، يوضح أن “الدولرة في مصر أصبحت استجابة رقمية للصدمة”، مشيرًا إلى أن بيانات السوق تُظهر ارتفاع الطلب على العملات الأجنبية كلما زادت حالة عدم اليقين. ويؤكد أن هذا السلوك يدفع التجار إلى الإبقاء على الأسعار مرتفعة، تحسبًا لأي موجة تراجع جديدة في الجنيه.
ويعزز هذا الاتجاه ما تُظهره البيانات النقدية من تراجع الثقة في استقرار التوقعات، حيث لا تزال فجوة التوقعات التضخمية مرتفعة، وهو ما ينعكس على قرارات التسعير.
السوق والرقابة: أرقام تكشف بطء الانعكاس
الأرقام المرتبطة بهوامش الربح وسلوك الأسواق تشير إلى أن الأسعار ترتفع بسرعة مع أي زيادة في التكلفة، لكنها تتراجع ببطء شديد عند تحسن الظروف. الخبير الاقتصادي هاني توفيق يلفت إلى أن “البيانات التاريخية للأسعار تثبت أن الانخفاض يحتاج فترة استقرار طويلة”، موضحًا أن غياب المنافسة الكافية في بعض القطاعات يسمح بتثبيت الأسعار عند مستويات مرتفعة.
ويضيف أن استمرار الدولرة يعكس نقص الثقة، وأن كسر هذه الحلقة يتطلب تراجعًا حقيقيًا في التضخم وليس تحسنًا مؤقتًا في سعر الصرف. الأرقام، بحسب توفيق، تؤكد أن السعر وحده لا يصنع فرقًا ما لم تتغير بيئة التكلفة بالكامل.
خلاصة رقمية موثقة
- التضخم السنوي تجاوز 35% في 2023، وتراجع جزئيًا لكنه ظل فوق 25% في 2024.
- تضخم الغذاء تخطى 45% في فترات الذروة.
- أسعار الفائدة تجاوزت 25%، ما رفع تكلفة التمويل.
- نسبة كبيرة من مدخلات الإنتاج مستوردة بأسعار صرف مرتفعة.
- الصدمات المتكررة أعادت الطلب على الدولار وسلوك التحوط.
هذه الأرقام توضح أن عدم انعكاس تحسن الجنيه على الأسعار ليس خللًا مؤقتًا، بل نتيجة بنية تكلفة مرتفعة، وتوقعات غير مستقرة، وسلوك سوقي حذر. دون كسر هذه الدائرة بالأرقام لا بالشعارات، سيظل المواطن بعيدًا عن أي أثر إيجابي لتحركات سعر الصرف.

