يشغل سعر صرف الجنيه المصري مقابل الدولار كل شرائح المجتمع في مصر، من المستثمر الكبير إلى الموظف الذي ينتظر راتبه آخر الشهر. وبرغم الحديث الرسمي المتكرر عن "الاستقرار الاقتصادي"، فإن سؤال "كام يساوي الدولار فعليًا؟" يظل سؤال الساعة.

 

تصريحات الخبير الاقتصادي وأستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة مدحت نافع عبر قناة العربية Business أعادت النقاش إلى جذوره: سعر الصرف ليس مجرد رقم يحدده البنك المركزي، بل "رمانة ميزان" تعكس حالة الاقتصاد كله من صادرات وواردات ودين وتضخم ونمو.

 

في هذا السياق، تميل تقديرات عدد من بيوت الخبرة الدولية إلى أن السعر "الحقيقي" أو العادل للدولار قد يقترب من 55 جنيهًا خلال 2025–2026، في ظل استمرار الضغوط الخارجية واحتياجات التمويل الكبيرة، وهو ما يضع الجنيه أمام معادلة صعبة بين المرونة والاستقرار.

 

مرونة الجنيه.. سعر يتحرك لكن ليس حرًّا بالكامل

 

يؤكد مدحت نافع أن سعر الصرف في مصر بات أكثر مرونة من السنوات السابقة، لكنه ليس "حرًّا بالكامل". المقصود هنا أن الجنيه يتحرك داخل نطاق يسمح بامتصاص جزء من الصدمات، لكن مع استمرار دور غير مباشر للسلطات النقدية في توجيه حركة السوق، خاصة في ظل شح العملات الصعبة واعتماد الاقتصاد الكبير على الاستيراد.

 

تنعكس هذه "المرونة المنضبطة" في عدة ظواهر عملية:

 

  • اختفاء طوابير المستثمرين والمستوردين على الدولار كما كان يحدث في فترات سابقة.
  • قدرة الشركات الأجنبية على تحويل أرباحها إلى الخارج بدرجة أفضل من الماضي، وهو مؤشر مهم على ثقة المستثمرين في إمكانية الخروج من السوق متى أرادوا.
  • تداول الدولار في نطاق يدور حاليًا حول 47 جنيهًا في البنوك، مع تقديرات دولية تتوقع اتساع هذا النطاق ليصل إلى 50–55 جنيهًا خلال الفترة المقبلة، بحسب تقارير مؤسسات مثل BMI وTrading Economics وCapital Economics.

 

في المقابل، يشير نافع إلى أن وجود احتياطيات قوية لدى البنك المركزي المصري – والتي وصلت إلى مستوى قياسي يقارب 51.45 مليار دولار بنهاية ديسمبر 2025 – يمنح صانع السياسة النقدية "نفسًا" أطول في إدارة السوق، لكنه ليس حلًا سحريًا دائمًا؛ لأن أصل الأزمة في هيكل الاقتصاد وليس فقط في حجم الاحتياطي.

 

ستة محركات أساسية لسعر الصرف.. من الدولار إلى التضخم

 

وفقًا لمدحت نافع، لا يُفهم سعر صرف الجنيه إلا عبر حزمة مترابطة من العوامل، يمكن تلخيصها في ستة محركات رئيسية:

 

  1. ميزان العرض والطلب على الدولار

    الطلب على الدولار في مصر يأتي من ثلاثة مصادر كبرى: خدمة الدين الخارجي، وتمويل الواردات السلعية، ومشروعات الحكومة الاستثمارية التي تعتمد بدرجة كبيرة على المكوّن المستورد. في المقابل، يتحدد عرض الدولار من حصيلة الصادرات (وخاصة الغاز والسلع الأساسية)، وإيرادات السياحة، وتحويلات العاملين بالخارج، وإيرادات قناة السويس، إلى جانب تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة وغير المباشرة. أي اختلال لصالح الطلب يضغط تلقائيًا على الجنيه.

     
  2. الإصلاح الهيكلي والمؤسسي

    كلما زادت قدرة الاقتصاد على الإنتاج والتصدير، وتراجع اعتماد الدولة على التدخل المباشر في السوق، اقتربنا من سعر صرف مستقر "حقيقي" وليس مصطنعًا. الحديث عن "تخارج الدولة" من قطاعات تنافسية وإتاحة المجال للقطاع الخاص ليس رفاهية سياسية، بل شرط أساسي لأن يكون سعر الجنيه معبرًا عن قوة الاقتصاد، لا عن حجم التدخل لسد الفجوات.

     
  3. العوامل الخارجية والجيوسياسية

    الاقتصاد المصري مكشوف خارجيًّا: تراجع إيرادات قناة السويس بسبب اضطرابات البحر الأحمر، أو صدمة في قطاع السياحة، أو تشديد عالمي في السياسة النقدية بالدول الكبرى، كلها صدمات تنعكس مباشرة على تدفقات الدولار، وبالتالي على سعر الصرف.

     
  4. الديون والتسهيلات الدولية

    حجم الدين الخارجي وجدول سداده، إلى جانب برامج الدعم مع مؤسسات مثل صندوق النقد الدولي، تؤثر بقوة على توقعات الأسواق. فكل دفعة جديدة من التمويل تخلق "هدنة" مؤقتة مع السوق، لكنها في الوقت نفسه ترفع التزامات السداد المستقبلية، ما لم يصاحبها نمو حقيقي في القدرات الإنتاجية والصادرات.

     
  5. التضخم والإنتاج الحقيقي

    بعد أن وصلت معدلات التضخم في مصر إلى ذروة قاربت 38% في 2023، تراجعت تدريجيًّا لتستقر حول 10–13% في نهاية 2025 بحسب بيانات الجهاز المركزي والإحصاءات الدولية. انخفاض التضخم خطوة مهمة، لأنه كلما كان التضخم في مصر أعلى من شركائها التجاريين، فقد الجنيه جزءًا من قيمته الحقيقية بمرور الوقت. لكن تثبيت مكاسب التضخم يتطلب توسعًا في الإنتاج الحقيقي، وليس فقط تشديدًا نقديًّا أو رفعًا مؤقتًا لأسعار الفائدة.

     
  6. سعر الصرف "العادل" vs السعر الفعلي

    مؤسسات التقييم الدولية لا تتفق على رقم واحد، فبعضها يرى أن الجنيه حاليًا أقل من قيمته الحقيقية إذا قيس بمؤشرات القوة الشرائية، بينما تقدّر أخرى – استنادًا إلى احتياجات التمويل الخارجي وحجم الدين – أن السعر العادل للدولار يتراوح بين 50 و55 جنيهًا، وربما أعلى إذا استمرت الضغوط.

 

هل 55 جنيهًا سعراً حقيقيًا للدولار؟ قراءة في الأرقام والسيناريوهات

 

القول بأن "السعر الحقيقي للدولار 55 جنيهًا" لا يعني أن هذا المستوى هو السعر الرسمي غدًا صباحًا، بل أنه أحد السيناريوهات التي تراها بيوت خبرة دولية على ضوء معطيات الاقتصاد المصري الحالية: ديون خارجية مرتفعة، واحتياجات تمويل سنوية كبيرة، واعتماد مستمر على الواردات، رغم تحسن نسبي في الاحتياطيات وتراجع التضخم.

 

لماذا 55 وليس 47 أو 35؟

  • عند مستوى يقارب 47 جنيهًا للدولار في البنوك حاليًا، تشير نماذج بعض المؤسسات الدولية إلى أن السعر الفعلي قد لا يعكس بالكامل حجم الفجوة الدولارية المتوقعة على المدى المتوسط، خاصة مع التزامات سداد ديون وفوائد مرتفعة خلال 2025–2027.
  • تقارير مثل BMI وCapital Economics تتحدث بوضوح عن نطاق تداول متوقع بين 50 و55 جنيهًا للدولار، مع احتمال مزيد من الضعف للجنيه إذا تباطأت الإصلاحات أو تجددت الصدمات الخارجية.
  • Trading Economics تتوقع وصول السعر إلى مستويات تقترب من 58 جنيهًا في السيناريوهات المتشائمة لنهاية 2025، ما يعني أن تقدير "55 جنيهًا" يقع في منتصف النطاق بين الرؤية المتفائلة والمتشائمة.

 

مع ذلك، يشدد مدحت نافع على أن التركيز على "رقم" واحد قد يكون مضلِّلًا؛ الأهم هو السعر الحقيقي الذي يضمن توافر السلع الأساسية، واستمرار تدفق الاستثمارات، وعدم انفلات التضخم. سعر صرف 55 جنيهًا في اقتصاد منتج ومصدر قد يكون أقل تكلفة اجتماعيًّا من سعر 45 جنيهًا في اقتصاد مستورد يعاني من اختناقات مستمرة.

 

الخلاصة:

السعر الحقيقي للدولار لا يقرره البنك المركزي ببيان، ولا يحدده تصريح خبير واحد، بل تصنعه معادلة معقدة من الإصلاحات الهيكلية، وسياسات الدين، ونوعية النمو، وتوازن العرض والطلب على العملة الصعبة.

تقديرات الوصول إلى 55 جنيهًا ليست قدرًا محتومًا، لكنها إشارة تحذير إلى أن استدامة الاستقرار الحالي للجنيه مرهونة بسرعة وعمق الإصلاح الاقتصادي، وليس بالاعتماد على "نَفَس" الاحتياطي أو على موجة مؤقتة من الأموال الساخنة.