في تصعيد واضح وخطير للخطاب الإعلامي، شنّ عدد من الإعلاميين المحسوبين على النظام هجومًا مباشرًا على المصريين في الخارج، على خلفية حملات تدعو لوقف تحويل الأموال إلى مصر احتجاجًا على القرارات الاقتصادية الأخيرة، وعلى رأسها فرض رسوم جمركية وضريبة ثقيلة على الهواتف المحمولة القادمة مع المسافرين.
بدل أن تراجع السلطة سياساتها أو تفتح حوارًا جادًا مع من يدفعون جزءًا كبيرًا من فاتورة بقاء هذا الاقتصاد على قيد الحياة، خرج إعلامها ليحمّلهم المسؤولية الأخلاقية عن الجوع وارتفاع الأسعار وانهيار الجنيه، وكأن المشكلة ليست في الفشل المتراكم، بل في المواطن الذي قرر أن يستخدم آخر وسيلة ضغط سلمية يملكها: جيبه.
من الإقناع إلى الابتزاز العلني: “لو ما بتحوِّلش.. إنت بتجوِّع أهلك”
خطاب الإعلاميين المقرّبين من السلطة انتقل بوضوح من مرحلة محاولة الإقناع إلى مرحلة الابتزاز العلني والتخويف المباشر.
محمد علي خير قدّم نموذجًا فاضحًا لهذا المنطق حين قال إن وقف التحويلات لن يضر الدولة وحدها، بل سيصيب المصري نفسه وأسرته:
«الضرر سيقع عليك وعلى أهل بيتك، لأن نقص العملة سيؤدي لارتفاع الأسعار».
بهذه الجملة، لا يناقش خير أصل الأزمة، ولا يسأل لماذا قررت الدولة ضرب المصري المغترب بضريبة إضافية على هاتفه، ولا كيف تُدار السياسة الاقتصادية أصلًا، بل يقفز مباشرة إلى النتيجة: إذا توقفت عن التحويل، فأنت سبب ارتفاع الأسعار، وأنت شريك في الأزمة.
الرسالة هنا واضحة: لا تناقش، لا تحتج، لا تستخدم قوتك التفاوضية، فقط ادفع.. وإلا فأنت من يعاقب أهلك في الداخل، لا السياسات التي دفعتك للهجرة أصلًا.
مصطفى بكري مضى في الاتجاه نفسه، لكن بلهجة اتهامية أكثر خشونة، حين قال:
«لو كل واحد هيزعل يقول أنا مش هحوّل فلوس، انت بتضر بلدك».
هنا يتحوّل الاعتراض السلمي إلى عمل “يضر الوطن”، أي يُدفع عمدًا إلى منطقة التخوين والاتهام بالعمل ضد مصلحة الدولة، بدل أن يُفهم بوصفه شكلًا من أشكال الضغط المدني المشروع على حكومة لم تترك للمواطن وسيلة أخرى للتعبير المؤثر.
تحويلات المغتربين: شريان حياة تُحمِّله السلطة وحده ثمن الفشل
الإعلامي أحمد موسى ذهب أبعد في تكريس منطق “الدولة أولا.. المواطن آخرًا”، حين وصف تحويلات المصريين في الخارج بأنها “واجب وطني” لا يجوز التلاعب به، مؤكدًا أن: «اللي برا مصر لازم يعرف إن التحويلات دي دعم للدولة في معركة اقتصادية كبيرة».
بهذا الخطاب، تتحول التحويلات من مدخرات خاصة تعبُر من حساب شخصي إلى حساب أسرة، إلى “ضريبة وطنية إجبارية” غير مكتوبة، ومن حق الدولة – عبر إعلامها – أن تفرض على المواطن أن يستمر فيها، حتى لو شعر بأنه يُستنزَف بلا مقابل حقيقي.
الأخطر أن موسى لم يكتفِ بتوصيف التحويلات كدعم، بل ألصق أي دعوة لوقفها بما سماه “أجندات معادية”، في محاولة لشيطنة كل مغترب يفكر في استخدام هذه الورقة للاحتجاج على الضرائب والرسوم الجائرة.
عمرو أديب، وإن استخدم لغة أقل خشونة، لم يخرج من الفكرة نفسها حين قال إن الغضب من القرارات الاقتصادية لا يجب أن يتحوّل إلى سلوك يؤثر على الاقتصاد:
«الخلاف مع الحكومة لا يكون بتجويع البلد أو الضغط على العملة».
ورغم أن عبارته تبدو “عقلانية” في ظاهرها، إلا أنها تحمل المنطق ذاته: على المواطن في الخارج أن يظل ممولًا صامتًا، وأن يبحث عن أي طريقة للاعتراض سوى الوسيلة الوحيدة التي يمكن أن تشعر بها الحكومة فعليًا: توقف أو تراجع تدفق الدولارات.
هنا يُستبدل السؤال الحقيقي – لماذا يقرَّر تحميل المغترب رسومًا وجمارك إضافية على هاتفه بينما تهدر الدولة مليارات في مشروعات بلا عائد واضح؟ – بسؤال مزيف: هل أنت وطني بما يكفي لتستمر في التحويل، أم أنك جزء من “مؤامرة تجويع البلد”؟
مغتربون بلا صوت: من “شريان الدولارات” إلى متهمين محتملين
القاسم المشترك في خطاب هؤلاء الإعلاميين هو نقل عبء الأزمة من السلطة إلى المواطن، ومن صانع القرار إلى من يدفع ثمن القرار.
لا أحد منهم طرح أسئلة بدهيّة من نوع:
لماذا يفكر جزء من المصريين في الخارج أصلًا في وقف التحويلات؟
ما حجم الغضب من سياسات تراكمت على مدى سنوات من الديون والضرائب ورفع الدعم وبيع الأصول؟
من المسؤول عن خلق بيئة طاردة دفعت الملايين للهجرة بحثًا عن فرصة وحياة كريمة؟
بدل ذلك، جرى تقديم المصري في الخارج بوصفه “خزان دولارات” لا أكثر، عليه أن يضخ المال بلا نقاش، وإلا أصبح متهمًا بتجويع أهله والإضرار بأمن بلده الاقتصادي.
هذا المنطق لا يرى في المغترب مواطنًا كامل الحق، له أن يعترض ويضغط ويعبر عن غضبه بوسائل سلمية، بل يراه مصدر تمويل واجب الطاعة، لا يملك حق التوقف أو الاشتراط أو حتى سؤال: “إلى أين تذهب أموالي؟ وما المقابل؟”.
المفارقة أن هذا الخطاب يأتي في لحظة تعترف فيها الدولة – ضمنيًا – بأن الاقتصاد قائم فعليًا على هذه التحويلات، وأن أي تراجع فيها يهز توازنها الهش. بدل أن يكون ذلك سببًا لمراجعة السياسات، يتحول إلى سلاح ضغط معنوي على من يملكون هذه الورقة.
النتيجة الطبيعية لهذا المسار أن يتعمّق شعور كثير من المصريين في الخارج بأنهم مجرد “محفظة عملة صعبة”، وأن الإعلام الرسمي لا يراهم شركاء في الوطن، بل خزائن يتحتم أن تظل مفتوحة، وإلا فالتهمة جاهزة: أنتم سبب ما يحدث، لا من أدار البلد إلى هذا المنحدر.
في النهاية، لا يُسقط شعبًا نظامًا ولا يُصلح اقتصادًا بحملات تخوين للمغتربين وابتزاز عاطفي تحت شعار “بلدك محتاجك”. الإصلاح الجاد يبدأ من الاعتراف بأن السبب الحقيقي للأزمة ليس من أُجبر على الهجرة، بل من أهدر الفرصة وهو في قلب السلطة، ثم حاول أن يحمّل من في الخارج وزر ما صنعته قراراته في الداخل.

