استشهد ما لا يقل عن 28 فلسطينيًا، بينهم أطفال ونساء، وأصيب عشرات آخرون في سلسلة غارات إسرائيلية جديدة استهدفت، فجر السبت ونهاره، خيامًا للنازحين ومبانٍ سكنية ومركز شرطة في مناطق متفرقة من قطاع غزة الذي تحوّل معظمه إلى مخيم نزوح مفتوح.
مصادر طبية في غزة أوضحت أن القصف تركز على خيمة تؤوي نازحين في منطقة أصداء شمال غربي مدينة خان يونس، ومخيم للنازحين في المنطقة ذاتها، إلى جانب شقق سكنية في أحياء مكتظة بوسط مدينة غزة، ما رفع عدد الشهداء في موجة القصف الأخيرة إلى ما لا يقل عن 28 وفق إحصاءات نقلتها قناة الجزيرة عن مستشفيات القطاع، في واحدة من أعنف الضربات منذ بدء اتفاق وقف إطلاق النار الهش في أكتوبر الماضي.
تزامنت هذه الغارات مع استعدادات معلنة لإعادة فتح معبر رفح جزئيًا أمام الحالات الإنسانية، ومع استمرار انقطاع معظم المعابر الأخرى، ما جعل السكان يعيشون تحت ضغط مزدوج: نار القصف من السماء، وحصار خانق على الأرض، فيما تتواصل الانتهاكات اليومية لاتفاق وقف إطلاق النار، الذي لم يوقف شلال الدم في القطاع.
خيام نازحين تتحول إلى مقابر جماعية
وفق روايات مسعفين وشهود عيان، استهدفت الطائرات الإسرائيلية خيمة كبيرة تؤوي عائلات نازحة في محيط منطقة أصداء شمال غربي خان يونس، حيث اشتعلت النيران في الخيام المصنوعة من مواد قابلة للاشتعال ومعظم ما بداخلها من أمتعة بسيطة، ما أدى إلى تفحم عدد من الضحايا وصعوبة التعرف على هوياتهم في اللحظات الأولى.
وأكد مسعفون في مستشفى ناصر بالمدينة أن من بين الشهداء أبًا وأطفاله وأحفاده، في مشهد يعيد إلى الأذهان الضربات السابقة التي طالت مخيمات النزوح في جنوب ووسط القطاع.
الغارات لم تقتصر على خيام النازحين في خان يونس؛ فقد ذكرت مصادر طبية أن طائرات الاحتلال استهدفت شقة سكنية في حي حي الرمال غرب مدينة غزة، ما أدى إلى استشهاد نساء وأطفال من عائلة واحدة تحت أنقاض المنزل الذي تهدم جزئيًا، بينما استهدفت غارة أخرى شقة في حي حي التفاح شرق المدينة، وأسفرت عن إصابات خطيرة، وسط عجز سيارات الإسعاف عن الوصول السريع بسبب الطرق المدمرة ونقص الوقود.
وفي تطور لافت، استهدفت غارة جوية مركز شرطة الشيخ رضوان في حي حي الشيخ رضوان شمالي مدينة غزة، ما أدى إلى استشهاد عدد من عناصر الشرطة والمدنيين الذين تواجدوا في محيط المبنى، إلى جانب سقوط جرحى لا يزال بعضهم في حالة حرجة.
وأشارت وزارة الداخلية في غزة إلى أن فرق الإنقاذ ما زالت تبحث تحت الركام عن مفقودين يُعتقد أنهم عالقون تحت الأنقاض، في ظل إمكانات إنقاذ محدودة للغاية بسبب تدمير معظم آليات الدفاع المدني خلال العامين الماضيين من الحرب.
كما طالت الغارات مناطق أخرى في مدينة غزة ومحيطها، من بينها شارع الجلاء غربًا ومناطق قرب مخيم البريج في وسط القطاع، حيث سجلت إصابات وأضرار مادية كبيرة دون القدرة حتى الآن على حصر الخسائر البشرية بدقة، وسط استمرار تحليق الطائرات الحربية والاستطلاعية في سماء القطاع لساعات متواصلة.
تصعيد تحت مظلة «وقف إطلاق النار» وأزمة إنسانية متفاقمة
اللافت في هذه الجولة من التصعيد أنها تأتي رسميًا في ظل اتفاق وقف إطلاق النار المعلن منذ أكتوبر الماضي، والذي يفترض أن يوقف العمليات الهجومية الواسعة.
لكن الأرقام التي توثقها المؤسسات الفلسطينية والدولية تكشف واقعًا مختلفًا؛ إذ تشير بيانات مكتب الإعلام الحكومي في غزة إلى أن إسرائيل قتلت منذ بدء الاتفاق أكثر من 500 فلسطيني وارتكبت مئات الخروقات، في حين تؤكد تقارير أخرى أن إجمالي عدد الشهداء خلال العامين الأخيرين تجاوز 70 ألفًا، مع إصابة أكثر من 170 ألفًا، وتدمير نحو 90% من البنية التحتية المدنية في القطاع، بتقديرات أممية لتكاليف إعادة الإعمار تصل إلى نحو 70 مليار دولار.
في هذا السياق، حذرت المستشفيات في مدينة غزة وخان يونس من أن استمرار استهداف مخيمات النزوح والمرافق المدنية يهدد بانهيار ما تبقى من المنظومة الصحية، إذ تعمل المستشفيات بأقل من نصف طاقتها في ظل نقص حاد في الأدوية والوقود والمعدات الطبية، وتكدس مئات الجرحى والمصابين في ممرات الطوارئ وغرف العمليات.
وتقول الكوادر الطبية إن أي موجة إصابات جديدة بهذا الحجم تعني عمليًا ترك جرحى ينزفون حتى الموت لعدم وجود ما يكفي من الأسرة أو الإمكانات للتعامل مع هذا العدد.
تزامن القصف مع الحديث عن إعادة فتح معبر رفح جزئيًا أمام الحالات الإنسانية، وهو ما اعتبره كثيرون في غزة خطوة «متأخرة ومحدودة» إذا ما قورن بحجم الكارثة؛ فالمعبر، وإن فتح لعدد محدود من الحالات، لن يغيّر حقيقة أن غالبية سكان القطاع باتوا نازحين داخل رقعة جغرافية صغيرة، يتنقلون بين خيمة وأخرى تحت تهديد القصف والتجويع والمرض.
وتستمر إسرائيل، وفق تقارير صحفية ودبلوماسية، في فرض قيود صارمة على دخول المساعدات، مع السماح بنسبة تقل كثيرًا عن الكميات المتفق عليها في الترتيبات الإنسانية الأخيرة.
سياسيًا، وصفت فصائل المقاومة الفلسطينية الضربات الجديدة بأنها "انتهاك فاضح ومتعمد" لاتفاق وقف إطلاق النار، متهمةً الولايات المتحدة والقوى الوسيطة بالتغاضي عن استمرار الهجمات على المدنيين، ومؤكدة أن استهداف خيام النازحين ومراكز الشرطة والمنازل السكنية يهدف إلى تعميق حالة الفوضى والانهيار في المجتمع الغزّي، ودفع مزيد من السكان إلى الهجرة القسرية إذا ما فُتحت أمامهم أي منافذ للخروج.
وفي المقابل، تواصل إسرائيل تبرير هجماتها بأنها "رد على خروقات" من جانب الفصائل، دون تقديم رواية تفصيلية حول طبيعة الأهداف التي تقصفها أو التحقيق في سقوط هذا العدد الكبير من المدنيين.
في المحصلة، تكشف الغارات الأخيرة على خيام النازحين وأحياء غزة السكنية أن وقف إطلاق النار لا يعني بالضرورة وقف الموت اليومي، وأن المدنيين – خصوصًا الأطفال والنساء – ما زالوا يدفعون الثمن الأكبر، تحت خيمة قد تتحول في لحظة إلى قبر جماعي، أو داخل شقة صغيرة تنهار فوق رؤوس ساكنيها في ثوانٍ، بينما يستمر العالم في الاكتفاء ببيانات "القلق" والدعوات إلى ضبط النفس.

