إعلان شركة إيني الإيطالية عن استثمارات ضخمة بقيمة 8 مليارات دولار في قطاع الغاز المصري حتى 2032 قُدِّم إعلاميًا كـ"فتح اقتصادي جديد" و"عودة لمعجزة ظهر".
لكنّ القراءة المتأنية لتصريحات مسؤولي الشركة وخبراء البترول، تكشف صورة مختلفة تمامًا: لا حقل جديد بحجم "ظهر"، ولا عودة لمستويات إنتاجه القياسية، ولا خروج قريب من دائرة عجز الغاز.
ما يحدث عمليًا هو محاولة لترميم تراجع الإنتاج، لا صناعة طفرة جديدة.
وبينما تبيع السلطة للمصريين حكاية "الجمهورية الغازية الجديدة"، تبقى الحقيقة أن الدولة ستظل أسيرة الاستيراد، وأن ثمن سوء الإدارة والتسييس المفرط لملف الطاقة يدفعه المواطن في فواتير باهظة وانقطاعات وديون متراكمة.
حقل "ظهر".. من أيقونة دعاية إلى حقل مُرهق ومنهك
حين اكتُشف حقل "ظهر" وافتتحه عبد الفتاح السيسي عام 2018، رُوِّج له باعتباره "الحقل الذي سيغيّر وجه مصر" و"معجزة شرق المتوسط".
وبالفعل، في 2019 ساهم الحقل في تحقيق فائض تجاري مؤقت في الغاز بعد أن تجاوزت الصادرات الواردات، وارتفع الإنتاج لمستويات تاريخية.
لكن الوجه الآخر لهذه "المعجزة" كان إدارة سياسية متعطشة للإنجاز السريع، دفعت الحقل إلى العمل عند طاقة مرهقة.
المصدر داخل "إيني" يقرّ بأن الحقل كان ينتج في بداياته نحو 3.4 مليار قدم مكعب يوميًا، وهي معدلات مرتفعة جدًا أدت إلى "انهيارات متتالية داخل الحقل" واضطرابات جيولوجية، وأجبرت الشركة لاحقًا على خفض الإنتاج تدريجيًا إلى نحو 900 مليون قدم مكعب يوميًا.
أي أن ما جرى لم يكن نجاحًا مستدامًا، بل "حلبًا" مفرطًا للحقل لخدمة رواية سياسية عن الاكتفاء الذاتي.
في الوقت نفسه، شهدت السنوات الأربع الأخيرة تباطؤًا غير معلن في الإنتاج، ارتبط بتأخر سداد مستحقات "إيني" وغيرها من الشركات الأجنبية، ما دفعها للضغط على الحكومة بتقليل الإنتاج.
وهكذا تحوّل "ظهر" من رمز للإنجاز إلى مرآة لفوضى إدارة ملف الطاقة: ديون متأخرة، ضغط على الحقول، ثم تراجع في الإنتاج يدفع ثمنه السوق المحلي.
مليارات بلا طفرة حقيقية.. استثمارات لترميم العجز لا لإنهائه
تقول الحكومة إن استثمارات "إيني" الجديدة بين 2026 و2032 ستفتح صفحة جديدة في قطاع الغاز. لكنّ المصدر داخل الشركة يوضح أن هذه الاستثمارات تتوزع بين استكمال أعمال في "ظهر" نفسه، واستثمارات في حقول أخرى مثل "نرجس" و"النورس". المشكلة أن الأرقام المتوقعة من هذه الحقول لا تقترب حتى من حجم "ظهر".
فالإنتاج اليومي المنتظر من حقل "نرجس" يقارب 600 مليون قدم مكعب يوميًا، ومن "النورس" حوالي 100 مليون قدم مكعب يوميًا؛ أرقام قادرة على تعويض جزء من التراجع الطبيعي في الإنتاج، لكنها عاجزة عن نقل مصر من العجز إلى الفائض.
بمعنى أوضح: هذه الاستثمارات ستبطئ التدهور، لكنها لن تقلب المعادلة.
حتى مع دخول استثمارات شركات أخرى مثل "بي بي" البريطانية (3.5 مليارات دولار) و"أركيوس إنرجي" الإماراتية (3.7 مليارات دولار)، يبقى نمط الاكتشافات الجديدة محدودًا: آبار بحجم 50 أو 100 مليون قدم مكعب يوميًا، لا تصنع قفزة إستراتيجية ولا تعوّض تآكل إنتاج الحقول الكبرى.
ورغم ذلك تستمر ماكينة الدعاية الرسمية في تحويل كل اكتشاف متوسط إلى "انتصار تاريخي" وكل اتفاق استثماري إلى "فتح اقتصادي"، بينما الواقع هو مجرد محاولة لتأخير لحظة مواجهة الحقيقة المرة: لا طفرة جديدة في الأفق.
وهم الاكتفاء الذاتي.. دعاية سياسية تُغطي فواتير استيراد ثقيلة
بعد 2018، بُنيت دعاية كاملة حول فكرة أن مصر "صارت مركزًا إقليميًا للطاقة" وأنها "خرجت من نفق الاستيراد إلى نور الاكتفاء الذاتي".
لكن منذ 2023 بدأ الإنتاج المحلي في التراجع، وعادت البلاد تدريجيًا إلى دائرة الاستيراد المكلف للغاز المسال، مع استمرار الدولة في استئجار سفن تغيير حالة الغاز وإعادته للشبكة المحلية، ما يعني مزيدًا من الضغط على الاحتياطي النقدي.
الخبراء أنفسهم يحذرون من بيع الوهم. رمضان أبو العلا، على سبيل المثال، يؤكد أنه لا يرى في المنظور القريب أي إمكانية لعودة سريعة للاكتفاء الذاتي، وأن الترويج الإعلامي لاكتشافات محدودة الحجم يضخم الواقع ويضلل الرأي العام.
فكيف يمكن لآبار محدودة الإنتاج أن تعيدنا إلى مستوى 2021، بينما يتزايد الاستهلاك الداخلي وتحتاج المصانع ومحطات الكهرباء والقطاع المنزلي إلى غاز مستمر وبأسعار محتملة؟
في الخلفية، تظل أزمة الديون هي العنوان الأكبر. فالحكومة تفاخر بأنها ستخفض مستحقات الشركات الأجنبية إلى 1.2 مليار دولار في يونيو المقبل بعد سداد 5 مليارات خلال عامين، لكن هذه الأرقام تكشف في الوقت نفسه حجم الورطة التي أوقعت نفسها فيها: تأخر سداد المستحقات، تباطؤ الاستثمارات، تراجع الإنتاج، ثم العودة للاستيراد بأسعار أعلى من أي وقت مضى.
المواطن لا يرى "مركزًا إقليميًا للطاقة"، بل يرى انقطاعات، ورفع أسعار كهرباء، ورسومًا إضافية، واقتصادًا مكبّلًا بفواتير لا تنتهي.
وفي النهاية فاستثمارات "إيني" ليست عصًا سحرية ستعيد "ظهر" إلى القمة أو تعيد مصر فجأة إلى عصر الاكتفاء الذاتي. هي محاولة ضرورية لتفادي انهيار أكبر في الإنتاج، لكن تقديمها كـ"فتح تاريخي" ليس أكثر من محاولة جديدة لتلميع صورة سلطة استنزفت الحقول، وراكمت الديون، وباعت للناس وهم "الجمهورية الغازية".
الحقيقة الصلبة التي يحاول الخطاب الرسمي تغطيتها هي أن مصر ستظل رهينة استيراد الغاز ما دام ملف الطاقة يُدار بمنطق الصورة لا التخطيط، وبمنطق تسجيل اللقطة لا بناء استراتيجية رشيدة تحترم ثروة البلد وعقول مواطنيه.

