في وقتٍ يُفترض فيه أن يكون اتفاق وقف إطلاق النار قد أوقف آلة القتل الإسرائيلية، تتواصل على الأرض في قطاع غزة مشاهد الدم والدمار، بقصف مدفعي وجوي يستهدف مناطق شرقي خان يونس ودير البلح وجباليا وشرق مدينة غزة.

وبينما تنهمر القذائف على بقايا الأحياء المدمرة، يتكفّل وباء "التهاب السحايا" (الحمّى الشوكية) بحصد أرواح الأطفال داخل خيام النزوح، في ظل انهيار شبه كامل للمنظومة الصحية.

 

تقديرات ميدانية تشير إلى أن خروقات جيش الاحتلال منذ بدء الاتفاق أودت بحياة مئات الفلسطينيين وأصابت الآلاف، فيما تتحدث تقارير فلسطينية عن حرب إبادة جماعية شنّتها إسرائيل منذ 7 أكتوبر 2023، خلّفت على مدار عامين عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى، ودمارًا واسعًا شمل أغلب البنى التحتية المدنية.

وفي قلب هذه الصورة الكارثية، يقف قطاع صحي يلفظ أنفاسه الأخيرة، وأطباء يعملون بما تبقى من ضماد وأدوية وضمير.

 

قصف متواصل رغم الاتفاق… شرق خان يونس ودير البلح وجباليا تحت النار

 

أفاد مراسل الجزيرة بأن مدفعية الاحتلال وطائراته الحربية واصلت منذ فجر الأربعاء استهداف مناطق شرق خان يونس وشرق دير البلح، في المناطق التي لا يزال الجيش الإسرائيلي ينتشر فيها ميدانيًا. القصف المدفعي المكثف، وإطلاق النار من الدبابات، تزامنا مع ثلاث غارات جوية على منازل كانت قد أُخلِيَت سابقًا في محيط دير البلح، في رسالة واضحة بأن الاتفاق لم يغيّر طبيعة السلوك العسكري للاحتلال إلا على مستوى الشعارات.

 

في جباليا شمالًا، شهدت المنطقة تفجيرين عنيفين على الأقل، ناجمين عن عمليات نسفٍ ينفذها جيش الاحتلال داخل الأحياء التي يسيطر عليها، فيما قصفت المدفعية الإسرائيلية الأحياء الشرقية لمدينة غزة، وأطلقت الآليات العسكرية المتمركزة شرق المدينة نيران رشاشاتها تجاه المناطق السكنية.

 

ورغم الحديث عن "اتفاق" و"تهدئة"، فإن حصيلة الخروقات الإسرائيلية منذ سريانه وصلت – وفق المعطيات الواردة – إلى استشهاد 486 فلسطينيًا وإصابة 1341 آخرين. بهذا المعنى، لم يتحوّل الاتفاق إلى وقفٍ فعليّ لإطلاق النار بقدر ما أصبح غطاءً سياسيا لاستمرار عمليات القتل والاستهداف بوتيرة "أهدأ"، لكنها لا تزال قاتلة، ولا تزال تعمّق جراح المجتمع الغزّي المنهك.

 

التهاب السحايا يطرق خيام النزوح… طفلة شهيدة وتهديد بوباء واسع

 

على الجانب الإنساني، تتسع المأساة خارج نطاق القصف المباشر.

ففي مجمع ناصر الطبي بخان يونس، أعلن مدير مستشفى الأطفال، الدكتور أحمد الفرا، تسجيل 6 حالات إصابة بالحمّى الشوكية (التهاب السحايا) خلال يومين فقط، انتهت إحداها باستشهاد الطفلة "إيلين عصفور" بعد تدهور حالتها الصحية. وفاة الطفلة ليست مجرد حالة فردية، بل إنذار مبكر بوباء قد يجتاح مخيمات النزوح المكتظة.

 

الدكتور الفرا حذّر صراحة من خطر انتشار المرض داخل الخيام، حيث الاكتظاظ الشديد، وغياب الشروط الأساسية للنظافة، وانعدام التهوية، ونقص مياه الشرب النظيفة.

هذه البيئة تُعدّ مثالية لانتقال الأمراض المعدية، خاصة بين الأطفال الذين يعانون أصلًا من سوء التغذية والإجهاد النفسي المستمر.

 

ومع استمرار الحصار ومنع دخول الإمدادات الطبية واللقاحات والمضادات الحيوية بشكل كافٍ، تصبح كل حالة اشتباه بالتهاب السحايا سباقًا مع الزمن، في ظل منظومة صحية تكاد تكون عاجزة عن الاستجابة.

لا غرف عزل مجهّزة، ولا مخزون أدوية كافٍ، ولا قدرة على إجراء الفحوصات اللازمة على نطاق واسع، ما يعني أن أي انتشار للمرض سيحصد أرواحًا جديدة كان يمكن إنقاذها في ظروف طبيعية.

 

انهيار شامل للقطاع الصحي… مستشفيات مدمرة وأدوية منعدمة وإسعاف مشلول

 

الوضع الصحي في قطاع غزة، كما يصفه مدير مجمع الشفاء الطبي الدكتور محمد أبو سلمية، بلغ "أسوأ مراحله منذ بدء حرب الإبادة".

أكثر من 70% من الأدوية، بينها أدوية منقذة للحياة، أوشكت على النفاد أو نفدت بالفعل، بينما تعمل المستشفيات بما تبقى من إمكانات متواضعة، وسط تزايد أعداد المصابين والمرضى بسبب الأوبئة والفيروسات الموسمية التي بدأت تحصد أرواح أطفال وكبار سن.

 

يعمل القطاع الصحي اليوم عبر 16 مستشفى فقط بالحد الأدنى من القدرة التشغيلية، بعدما خرجت 22 مستشفى عن الخدمة بشكل كامل، نتيجة التدمير المباشر بالقصف أو بفعل الحصار ونفاد الوقود والأدوية.

كما دُمِّرت 103 مراكز للرعاية الصحية الأولية، ما حرم مئات الآلاف من خدمات التطعيم والمتابعة الطبية الأساسية، ودفع الناس للازدحام على أبواب المستشفيات المنهكة.

 

منظومة الإسعاف بدورها تعرّضت لضربة قاصمة: 211 سيارة إسعاف استُهدفت بالقصف أو تعطّلت، وتضررت 25 محطة لتوليد الأكسجين من أصل 35، في وقت وصلت فيه مخزونات 90% من مواد فصائل الدم إلى الصفر.

هذا يعني ببساطة أن مصابًا يصل إلى المستشفى وهو بحاجة لعملية عاجلة أو نقل دم، قد يُترك لمصيره لأن المستشفى لا يملك ما يقدّمه له، لا سريرًا ولا دمًا ولا دواءً.

 

إلى جانب ذلك، دفعت الحرب المستمرة واستهداف الطواقم الطبية إلى استشهاد نحو 1600 من الكوادر الصحية واعتقال المئات، ما جعل من استمرارية تشغيل المستشفيات معجزة يومية.

وبينما يتحدث الأطباء عن "واجب إنساني" يدفعهم للصمود، يبقى استمرار هذا الصمود مرهونًا بضغط دولي حقيقي لفتح المعابر وإدخال الأدوية والمستلزمات الطبية والوقود، لا بالاكتفاء ببيانات تنديد لا توقف قصفًا ولا تنقذ مريضًا.

 

في النهاية، تتكامل دوائر القتل في غزة: قصفٌ مباشر يدمّر البيوت والأحياء، وحصار يخنق المستشفيات ويمنع الدواء والغذاء، وأوبئة تتسلل إلى الخيام لِتُجهِز على ما تبقّى من أجساد منهكة.

وفي غياب موقف دولي حازم يفرض وقفًا حقيقيًا لإطلاق النار وفتحًا عاجلًا للمعابر، سيبقى أطفال غزة بين خيارين مرّين: أن يموتوا تحت الركام، أو أن يختطفهم مرض يمكن للعالم أن يمنعه، لكنه اختار أن يغضّ الطرف.