قدّمت حكومة مصطفى مدبولي بيانها الأخير عن حفر آبار زيت وغاز جديدة في الصحراء الغربية والشرقية ودلتا النيل بوصفه «إنجازًا مهمًا» يضيف نحو 47 مليون قدم مكعب غاز يوميًا و4300 برميل بترول ومكثفات إلى الإنتاج، في رسالة أرادت منها إقناع المصريين بأن قطار الطاقة عاد إلى السكة الصحيحة.
لكن حين نضع هذه الأرقام تحت عدسة الواقع، نكتشف أننا أمام جرعة دعاية أكثر منها نقطة تحوّل: فالاستهلاك اليومي من الغاز في مصر يدور – بحسب تقديرات رسمية وخبراء – بين 6 و6.5 مليارات قدم مكعب، مع توقعات بالوصول إلى 7 مليارات في شهور الصيف المقبلة، بينما يتراجع الإنتاج إلى حدود 4.1 مليارات قدم مكعب فقط، ما أجبر الدولة على استيراد شحنات غاز مسال باهظة الكلفة، إضافة إلى الغاز الإسرائيلي عبر خط ليفياثان.
في هذا السياق، تبدو إضافة 47 مليون قدم مكعب يوميًا مجرد “نقطة في بحر عجز هيكلي”، كما يصفه أكثر من خبير طاقة، لا تغير من حقيقة أن مصر دخلت مجددًا نادي كبار مستوردي الغاز، مع فاتورة واردات مرشحة لتجاوز 20 مليار دولار في 2025 وحده.
اكتشافات صغيرة في سوق عطِش: أرقام لا تقلب المعادلة
بحساب بسيط، تمثل الزيادة المعلنة – 47 مليون قدم مكعب غاز يوميًا – أقل من 1% من استهلاك يتراوح بين 6 و6.5 مليارات قدم مكعب، بل وأقل من الفجوة الحالية بين الإنتاج (قرابة 4.1 مليارات قدم مكعب) وما تحتاجه البلاد فعليًا لتشغيل محطات الكهرباء والصناعة.
الخبير البترولي مدحت يوسف، نائب رئيس الهيئة المصرية العامة للبترول سابقًا، يذكّر بأن مصر فقدت في فترات سابقة ما يصل إلى 800 مليون قدم مكعب يوميًا بسبب اضطراب إمدادات الغاز الإسرائيلي، وأن الحكومة لجأت إلى توقيع صفقات طويلة الأجل لتوريد الغاز من تل أبيب، بقيمة تصل إلى 35 مليار دولار حتى عام 2040، دون أن ينعكس ذلك على خفض أسعار الطاقة محليًا أو إنهاء أزمة العجز.
في ضوء هذه الأرقام، تبدو الاكتشافات الجديدة أقرب إلى تصحيحات موضعية داخل حقول قائمة، لا إلى قفزة استراتيجية تعيد مصر إلى وضع «الاكتفاء الذاتي» الذي تم التباهي به إعلاميًا قبل سنوات، ثم تهاوى مع انخفاض إنتاج حقل ظُهر واستئناف استيراد الغاز المسال منذ منتصف 2024.
وزير البترول الأسبق أسامة كمال كان قد شدد في أكثر من حوار على أن «نجاحنا في الحفر لا يعني بالضرورة زيادة مستدامة في الإنتاج»، موضحًا أن معدلات التناقص الطبيعي في الحقول القديمة تلتهم جانبًا كبيرًا من أي إضافات جديدة، وأن الحفاظ على مستوى الإنتاج نفسه يتطلب استثمارات ضخمة فقط لتعويض هذا التناقص قبل الحديث عن أي زيادة صافية.
هذا المعنى يظهر بوضوح في تصريحات رسمية تتحدث عن خطط لرفع الإنتاج مجددًا إلى 6.6 مليارات قدم مكعب يوميًا بحلول 2027، من مستوى حالي يقدَّر بـ4.1 مليارات فقط.
بمعنى آخر: الحفر مستمر، لكن الحصيلة النهائية متواضعة أمام سوق عطِش وإدارة طاقة مرتبكة، وهو ما يجعل الاحتفاء الحكومي بهذه الإضافات يبدو كمن يرفع لافتة «الإنجاز» فوق جدار عجز متزايد.
المشكلة في نموذج إدارة القطاع لا في عدد الآبار
وراء أرقام الإنتاج والاستهلاك، يكمن سؤال أعمق طرحه مرارًا الدكتور إبراهيم زهران، الخبير في شؤون الطاقة والبترول: كيف تحوّلت مصر من دولة كانت تصدّر الغاز إلى إسرائيل والأردن وأوروبا، إلى دولة تستورد الغاز من حقل ليفياثان نفسه الذي يقول زهران إن جزءًا من موارده في الأصل من حقوق مصرية في شرق المتوسط؟
زهران انتقد بشدة سياسات تصدير الغاز في العقود الماضية، معتبرًا أن التفريط في حقوق مصر في المتوسط، والقبول باتفاقيات لصالح تل أبيب وقبرص واليونان، كان الثقب الأكبر في خزّان الطاقة المصري.
واليوم، بدل أن تستعيد مصر موقعها عبر إعادة التفاوض على هذه الملفات وإعادة هيكلة عقود المشاركة مع الشركات الأجنبية، تكتفي السلطة بإعلان اكتشافات متناثرة في الصحراء والبحر، بينما تستمر في استيراد الغاز من إسرائيل ومن الأسواق العالمية عبر شحنات الغاز المسال.
الخبراء المتابعون للملف يشيرون أيضًا إلى أن جزءًا كبيرًا من الإنتاج الجديد لا يدخل فعليًا إلى “جيب المواطن”، بل يُستخدم لسداد مستحقات الشركاء الأجانب أو لتغطية تكلفة الاستثمارات وفق نمط المشاركة بالإنتاج، وهو ما يقلل أثر الاكتشافات على السوق المحلية.
هذا ما يفسر المفارقة الصارخة:
- اكتشافات تُعلن كل بضعة أشهر،
- وحملة رسمية تتحدث عن “العودة إلى ريادة الطاقة”،
- بينما تستعد الدولة – بحسب تقارير متخصصة – لاستيراد أكثر من 100 شحنة غاز مسال خلال 2026 لتغطية الطلب، بتكلفة قد تصل إلى 10 مليارات دولار، إضافة إلى ما يقرب من 20 مليار دولار إجمالي فاتورة الطاقة في 2025.
بهذا المنطق، تصبح الأزمة أزمة إدارة وتخطيط وهيكلة قطاع أكثر منها مشكلة “قلة اكتشافات”.
من “إنجازات ورقية” إلى إصلاح هيكلي
الخبيرة الاقتصادية د. سالي صلاح ، تضع ما يجري في إطار أوسع من مجرد اكتشافات وأرقام إنتاج يومية. بالنسبة له، قطاع الطاقة في مصر عانى – وما يزال – من مزيج سام من الفساد المقنّن وسوء الإدارة وغياب الشفافية، جعل ما يُعلن من اكتشافات لا ينعكس فعليًا على حياة المواطنين.
سالي تشير إلى فجوة دائمة بين:
- خطاب رسمي يتحدث عن حقول عملاقة،
- وواقع فعلي يعاني من انقطاعات كهرباء سابقة، وغلاء أسعار الوقود، وعودة لاستيراد الغاز المسال بعد سنوات قليلة من إعلان “الاكتفاء الذاتي”.
من وجهة نظرها، الرهان على الاكتشافات وحدها هو امتداد لنفس عقلية “المشروع الكبير” التي أغرقت مصر في مشروعات بنية تحتية ومدن جديدة ممولة بالديون، دون إصلاح بنيوي في إدارة الموارد. في ملف الطاقة، يعني الإصلاح الحقيقي:
- إعادة التفاوض على عقود الغاز والنفط بما يضمن حصة عادلة لمصر في العائد.
- مراجعة اتفاقيات ترسيم الحدود البحرية التي أهدرت أجزاء من ثروات المتوسط لصالح قوى إقليمية.
- تسريع التحول الجاد نحو الطاقة المتجددة، بدل حرق مليارات الدولارات في استيراد الغاز المسال لتغذية محطات مهدرة الكفاءة.
- إعلان بيانات الإنتاج والاستهلاك والعقود بشفافية، ليتوقف استخدام “أرقام الطاقة” كأداة دعاية سياسية.
من دون ذلك، ستبقى كل “بشرة خير” حكومية عن بئر جديدة أو حقل جديد مجرد فقرة في بيان علاقات عامة لا تغيّر حقيقة أن مصر تعيش أزمة طاقة مركّبة:
- إنتاج يتراجع،
- استيراد يتضخم،
- وفاتورة يدفع ثمنها المواطن في صورة فواتير كهرباء مرتفعة وأسعار نقل وغذاء مشتعلة.
الـ47 مليون قدم مكعب الجديدة لن تغيّر هذه المعادلة؛ ما يغيّرها فعلًا هو إرادة سياسية تعترف بأن المشكلة أعمق من بئر، وأخطر من أن تُعالَج ببيان حكومي مزخرف.

