أعلنت الحكومة المصرية تنظيم منتدى مصر 2026 خلال الفترة من 19 إلى 24 أكتوبر في العاصمة الإدارية الجديدة، لعرض حصيلة سياساتها ومشروعاتها خلال السنوات الماضية، وناقش مصطفى مدبولي جلسات الطاقة والحماية الاجتماعية والاستثمار والتشغيل، تمهيدًا لتقديم الرواية الحكومية عن نتائج القرارات الاقتصادية وأولويات المرحلة المقبلة.

 

حمّل الاقتصادي جودة عبد الخالق سياسات الحكومة مسؤولية تدهور معيشة المصريين، وانتقد الباحث إلهامي الميرغني توجيه الاقتراض إلى مشروعات ضعيفة العائد، بينما طالب الحقوقي شريف هلالي السلطات بتحرك جاد لمنع الانتحار، في اعتراضات تربط تقييم الأداء الحكومي بالدخل والعمل وحماية الحياة، بدل الاكتفاء بعرض المشروعات.

 

 

الفقر وتراجع الجنيه وحصيلة التعويم

 

ففي ملف الفقر، قدّر البنك الدولي نسبة المصريين تحت خط الفقر الوطني بنحو 33٫5% في العام المالي 2021/2022، ورصد زيادة الفقر بنحو 5 نقاط مئوية بين 2022 و2024 عند استخدام خط دولي يبلغ 4٫20 دولارات يوميًا بتعادل القوة الشرائية لعام 2021، وهو مقياس مختلف عن الخط الوطني.

 

ومع استمرار الضغوط على القدرة الشرائية، بلغ سعر الدولار المعلن لدى البنك المركزي المصري صباح 6 أكتوبر 2026 نحو 52٫36 جنيه للشراء و52٫50 جنيه للبيع، وسجل البنكان الأهلي ومصر 52٫48 جنيه للبيع، وهي مستويات تزيد تكلفة شراء العملة اللازمة للواردات على الأسر والمنتجين مقارنة بمراحل ما قبل التخفيضات المتتالية للجنيه.

 

وتفسيرًا لانتقال تراجع الجنيه إلى الأسعار، ربط صندوق النقد الدولي ارتفاع التضخم إلى 15٫2% في مارس 2026 بانخفاض سعر الصرف وزيادة أسعار الطاقة، وتوقع في مراجعته الصادرة يوم 30 يوليو وصول التضخم إلى 16٫7% خلال النصف الثاني من العام، وهو توقع يوضح استمرار الضغوط على دخول المصريين.

 

وعن مسؤولية الحكومة عن تلك الضغوط، قال أستاذ الاقتصاد جودة عبد الخالق في تصريحات منشورة يوم 11 مارس 2026 إن تدهور المعيشة نتج عن سياسات داخلية خاطئة، وفي مقدمتها التعويم، وانتقد اعتماد الحكومة على تبريرات الأزمات الخارجية وفتح المجال للأموال قصيرة الأجل دون ضوابط كافية لحماية الاقتصاد.

 

وإلى جانب تكلفة التعويم، أورد البنك الدولي أن فوائد الدين بلغت 10٫6% من الناتج المحلي في السنة المالية 2024/2025، وأوضح أن هذه المدفوعات تقيد قدرة الموازنة على الإنفاق، بما يحدد جانبًا ملموسًا من تكلفة الاقتراض التي تتحملها المالية العامة بالتزامن مع إعلان الحكومة خطط الحماية الاجتماعية.

 

 

البطالة والهجرة وأزمة فرص العمل

 

وعلى مستوى فرص العمل، أعلن جهاز الإحصاء انخفاض البطالة إلى 5٫8% خلال الربع الثاني من 2026، لكن بياناته سجلت بقاء 2 مليون و75 ألف متعطل، بزيادة 21 ألفًا عن الفترة نفسها من 2025، رغم تراجع عدد المتعطلين مقارنة بالربع السابق، وهو تفصيل يغيب عند الاكتفاء بنسبة الانخفاض.

 

وعند تفصيل تلك البيانات، سجل الجهاز بطالة الإناث عند 14٫4% مقابل 3٫4% للذكور، وأحصى 7٫1% من المشتغلين ضمن المساهمين في مشروعات الأسرة دون أجر، ولذلك لا يعني إدراج الشخص ضمن المشتغلين حصوله على راتب، ولا تقدم النسبة العامة وحدها صورة كافية عن استقلال الدخل أو الفوارق بين النساء والرجال.

 

ولهذا ربط الباحث الاقتصادي إلهامي الميرغني، القيادي بحزب التحالف الشعبي الاشتراكي، توفير الوظائف المنتجة بتغيير أولويات الاستثمار، وقال في تصريحات منشورة يوم 4 أكتوبر 2026 إن الحكومة وجهت غالبية القروض إلى مشروعات غير ضرورية وضعيفة العائد، ودعا إلى تنمية الزراعة والصناعة وزيادة الإنتاج والصادرات بدل استمرار الاعتماد على الاقتراض والعقار.

 

وفي ظل صعوبات كسب الدخل، سجلت الوكالة الأوروبية لحرس الحدود والسواحل أكثر من 16 ألف حالة عبور غير نظامي لمصريين بين يناير ونوفمبر 2025، بينها 8715 إلى إيطاليا و7371 إلى اليونان، وعدّت المنظمة الدولية للهجرة الضائقة الاقتصادية دافعًا أساسيًا للمغادرة، مع استمرار نشاط شبكات التهريب عبر ليبيا.

 

أما تكلفة هذه الرحلات على الحياة، فأعلنت المنظمة الدولية للهجرة في 17 سبتمبر 2026 وفاة أو فقدان نحو 2300 شخص خلال محاولات الوصول إلى أوروبا بحرًا منذ بداية العام وحتى منتصف سبتمبر، مقابل نحو 2000 خلال الفترة المقابلة، وتشمل الحصيلة مختلف الجنسيات ولا تمثل عدد الضحايا المصريين وحدهم.

 

 

الانتحار وغياب البيانات ومسؤولية الوقاية

 

وبالتوازي مع مخاطر الهجرة، وثقت المؤسسة العربية لدعم المجتمع المدني وحقوق الإنسان 216 حالة انتحار في مصر خلال 2024، وأعلنت نتائجها في سبتمبر 2025 استنادًا إلى متابعة التغطيات الصحفية، ولذلك تمثل الحصيلة حالات استطاع الرصد الوصول إليها، ولا تمثل إحصاءً شاملًا لجميع الوفيات الناجمة عن الانتحار في البلاد.

 

ومن داخل هذه الحالات المرصودة، أحصت المؤسسة 64 حالة لأشخاص تتراوح أعمارهم بين 21 و30 عامًا، و40 حالة لمن تقل أعمارهم عن 18 عامًا، وذكرت ضغوطًا مالية وخلافات أسرية واضطرابات نفسية ومشكلات دراسية، بما يحدد عوامل متعددة تستدعي التحقيق والوقاية، دون نسبة جميع الحالات إلى الفقر وحده.

 

وبناءً على نتائج الرصد، اتهم الحقوقي شريف هلالي، المدير التنفيذي للمؤسسة، الحكومة بغياب التعامل الجاد مع المشكلة، وطالب بإعلان البيانات الفعلية وإعداد استراتيجية وطنية للوقاية بمشاركة الجهات الصحية والمجتمع المدني، كما دعا إلى تقييم قدرة الخط الساخن للصحة النفسية على التدخل وتقديم مساعدة فعلية لمن يحتاجونها.

 

وارتباطًا بالضغوط المعيشية، تصنف منظمة الصحة العالمية البطالة وانعدام الأمان المالي والوظيفي ضمن عوامل الخطر المرتبطة بمحاولات الانتحار، وتوصي بتوفير الرعاية والدعم والحماية في العمل، وهو تمييز يحدد مسؤوليات الوقاية دون اختزال الوفيات في سبب اقتصادي واحد أو تقديم الانتحار باعتباره نتيجة حتمية للضغوط.

 

وأمام هذه الوقائع، تدخل حكومة مدبولي مؤتمرها مطالبة بتفسير اتساع الفقر وتكلفة تراجع الجنيه وبقاء أكثر من 2 مليون متعطل، وبالإجابة عن مطالب إعلان بيانات الانتحار وتقييم الوقاية، فالحكومة تستطيع تخصيص جلسات لعرض المشروعات، لكنها لا تثبت تحسن حياة المصريين دون نتائج معلنة في الدخل والعمل والحماية من المخاطر.