المهدي مبروك
وزير الثقافة التونسي عامي 2012 و2013، أستاذ جامعي وناشط سياسي وحقوقي
مرّت ثلاثة أعوام على "7 أكتوبر" (2023)، وما زالت غزّة تحت وطأة الحرب وآثارها. ورغم أن اتفاق وقف إطلاق النار أعلن في أكتوبر 2025، إلا أن الموت لم يتوقف، والدمار يتواصل. قد تكون وتيرة القصف القاتل وكثافته تراجعتا، لكن القتل "قطرة قطرة" ما زال منهجًا تعتمده إسرائيل، تجنّبًا لوحشية القتل التي عادت عليها بالوبال. يختار الكيان انتقاء أهدافه، فيما يشبع العمليات الجراحية الدقيقة على أمل تصفية كل القيادات العسكرية، غير عابئٍ بما يرافق هذا من قتل أبرياء عزّل.
تبدو الأحداث المندلعة في ذاك الصباح كأنها جرت في أزمة غابرة. لا نصدّق أن ذلك الحدث لا يزال جاريًا بيننا. في ذلك الفجر الباكر من صبح غزّة أطلقت حركة حماس عملية طوفان الأقصى، بإطلاق مئات الصواريخ واختراق سريع للجدار الفاصل شرقي غزّة، والتوغل برًّا وبحرًا وجوًا في مستوطنات إسرائيلية جنوبية، مع اختيار دقيق للأهداف. لا يبدو عدد القتلى الإسرائيليين دقيقًا، لكن مصادر متعدّدة تقول إنه يناهز ألفًا ومائتين بين عسكري ومدني، فيما تقدّرهم مصادر أخرى بـ 1800 قتيل، وأُسر ما يناهز 300 آخرين. ثم بدأت إسرائيل بإعلان الحرب على غزّة، تبعه شنّ حملة عسكرية واسعة ووحشية، ما زالت تداعياتها مستمرّة.
رغم صعوبة المقارنة بين الطرفين، ووفق ما أعلنته وزارة الصحة الفلسطينية في غزّة، بلغ عدد القتلى منذ بدء الحرب نحو 75 ألفًا، وعدد الجرحى في حدود 175 ألفًا. والمفارقة المؤلمة أن نسبة هامة من هذه الأرقام سُجّل بعد سريان وقف إطلاق النار، حيث قُتل بعد ذلك 1500 فلسطيني، وأُصيب ما يقارب خمسة آلاف. وتؤكّد مصادر أممية عديدة أن الأعداد أقرب إلى الاعتماد. علمًا أنها مرشّحة للارتفاع، فما زالت جهود نشل جثامين الشهداء ورفاتهم متواصلة، منها أخيرًا رفات شهداء مربع التاج السكني في مدينة غزّة الذين ناهزوا 105.
لقد نزح ما يناهز نحو 90% من سكان غزّة من منازلهم، وجلّهم انتقل أكثر من مرّة، حسب وكالات الأمم المتحدة المعنية بالنزوح. حين نعلم أن 82% من مباني القطاع تضرّرت على نحو بالغ أو دُمّرت تمامًا، لنا أن نتوقع حجم الكارثة التي لا تشمل انعدام السكن فحسب، بل تشمل غيابًا تامًّا لأدنى مقومات الحياة البشرية، على غرار المياه الصالحة للشرب والطعام... إلخ، وهي الحاجات الأساسية الدنيا. وكان من نتائجها الوخيمة إعلان الأمم المتحدة أن غزّة منطقة منكوبة تحت وطأة التجويع المتعمّد، الذي يعدّ جريمة حرب، مع تراكم ما يقارب 61 مليون طن من الركام، وتدمير كلي للبنى التحتية وتدمير المرافق الخدمية الصحية وغيرها. ووفق الأمم المتحدة والبنك الدولي، الخسائر الاقتصادية والدمار المادي بلغت تكلفة نحو 60 مليار دولار، وقُدّرت احتياجات التعافي وإعادة الإعمار بنحو 70 مليار دولار، وهي مبالغ لا يبدو أن بالإمكان حاليًا جمعها، خصوصًا في ظل التباس صلاحيات مجلس السلام الذي أُعلن في سياقاتٍ اتسمت بالخذلان العربي عمومًا، والإذعان للموقف الأميركي المنحاز عمومًا للرواية الإسرائيلية.
كان لإعلان اتفاق وقف إطلاق النار الذي رعته الولايات المتحدة ومصر وقطر وتركيا في أكتوبر 2025 آثار نفسية عميقة وصدى طيب، سواء لدى الفلسطينيين ذاتهم الذين احتفوا به وكل من تعاطف معهم، بقطع النظر عن بنوده وسياقات التوصل إليه، فلا أحد يرغب في تواصل المجزرة التي يرتكبها المحتل الإسرائيلي من دون رادع. لم يخل نصّ الاتفاق الذي شهد ميلادًا عسيرًا من تردّد من هذا الطرف أو ذاك في إطلاق سراح الأسرى، وفتح المعابر، ووقف العمليات العسكرية. غير أنه لم يقدّم رؤية دقيقة تجيب عن جملة من القضايا الرئيسية، منها: مَن سيحكم غزّة في اليوم التالي، وكيف يتم تصعيد هيئة الحكم هذه، ومن ينزع سلاح "حماس"، ومن ينسحب أولًا، وما ضمانات كل تلك الخطوات، خصوصًا في ظل أزمة ثقة مستفحلة، غذّاها تعنت إسرائيل ونكثها وعودها في كل مرّة بذريعة التهديدات الأمنية التي تجيز لها ارتكاب أقصى المجازر؟ ووفق المكتب الإعلامي الحكومي في غزّة، فإنّ إسرائيل ارتكبت ما يناهز خمسة آلاف خرق للاتفاق في العام المنصرم، ولم تلتزم إدخال سوى 35% من الشاحنات الإنسانية المتفق عليها، بينما وسّعت سيطرتها العسكرية لتشمل أكثر من70% من مساحة القطاع.
ورغم ما تسوّقه إسرائيل من انتصار، فإنها، بعد ثلاثة أعوام على اندلاع الحرب، لم تُنجز بعد التحقيق الرسمي في ما سمّته "فشل السابع من أكتوبر". لقد كرّر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو رفضه القاطع لتشكيل لجنة تحقيق رسمية لها صلاحيات قانونية. ويقدّم في هذا حججًا، لعل منها موجبات الأمن القومي الإسرائيلي والصلاحيات القانونية التي يشكّك في شرعيّتها. ولذلك استبق نتنياهو هذه المساعي بنشر وثيقة في نحو 60 صفحة، يحمّل فيها المسؤولية الكبرى للجيش والأجهزة الأمنية على اختلافها، علاوة على الحكومات السابقة، غير أن معارضيه وخصومه، وحتى بعض المحللين والخبراء، يتهمون بـ"انتقاء الحقائق"، وفرز مشين للوثائق، لتجنّب تحمّل المسؤولية الشخصية، بل ويعتبر بعضهم أنه كان إخفاقًا ذريعًا وغير مسبوق.
بعد مرور هذه السنوات الثلاث، يمكن القول إن "طوفان الأقصى" لم يكن مجرّد حدث عسكري عابر، بل كان لحظة تاريخية أعادت تشكيل الشرق الأوسط. فغزّة اليوم ليست كما كانت قبل فجر 7 أكتوبر (2023)، وكذلك إسرائيل، بل أعيد رسم المنطقة كلها من حيث موقعها ومختلف التحالفات والصراعات. يكفي أن نستحضر الشرخ السنّي الشيعي الذي انتعش أكثر من أي وقت مضى، علاوة على الحرب الإسرائيلية الأميركية على إيران، وقد ضعف حلفاؤها في المنطقة كثيرًا، وما يجري حاليًا في اليمن... إلخ. إنها تداعيات جيوسياسية خطيرة، ولا نعرف أي ملامح قد ترتسم في السنوات القليلة المقبلة.

