وائل قنديل
كاتب صحافي مصري
لا تتوقف الإدارة الأميركية الحالية بقيادة دونالد ترامب عن التصريح إنها تخوض حروبها في الشرق الأوسط انطلاقًا من عقيدة صهيونية إنجيلية، ينطق بها الذين يحكمون البيت الأبيض، بدءًا من ترامب ومرورًا بنائبه جي دي فانس ووزير خارجيته ماركو روبيو، وليس انتهاء بوزير الحرب المسكون بالأوهام بيت هيغسيث.
أحرقوا غزّة ودمّروها باسم الرب، ويحاولون باسمه أيضًا إزالة إيران من الوجود، أو على الأقل إعادتها إلى العصور الوسطى، ثم يعلنون حربًا وجودية علي الإسلام المقاوم، باعتباره الخطر الأوحد على العالم، ويعاونهم في هذا حكام دول يفترض أنها إسلامية، لكنها في الواقع تشكّل خط الدفاع الأول عن أحلام معسكر"الصهيونية الإنجيلية"، إن بالإغداق السفيه علي آلة الحرب الأميركية، أو بمعاداة كل الجماعات والحركات المناهضة للجنون الصهيو أميركي في بلادنا، أو بإعلان الحرب على ما تسميه الإسلام السياسي الذي يصل بها الجنون إلى حد اتهامه بممالأة الكيان الصهيوني.
هؤلاء الذين يسخّرون كل إمكاناتهم لمشروع إلغاء "الإسلام السياسي" وإقصائه يفعلونها وهم في حالة عناق حار مع "اليهودية السياسية"، ممثلة في ذلك الحلف الشرّير بين صهاينة الاحتلال وصهاينة البيت الأبيض، وفي مقدّمة هؤلاء وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث الذي خاطب جنوده في لقاء تعبئة للحرب بولاية تكساس قبل أسبوعين، مستحضرًا نصًّا تلموديًّا من سفر إشعياء للحديث عن الحرب والخدمة العسكرية، استعدادًا لمواجهة ما وصفها تهديداتٍ قد تواجه الولايات المتحدة. أطلق هيغسيث على حملته اسم "أرسلني" مستشهدًا بكتاب "سفر إشعياء"، قائلا إن الرب سأل "من أرسل؟"، فأجاب إشعياء "هأنذا، أرسلني". ثم قال للجنود في تكساس "أرسلني لأحارب الشيوعيين، وأرسلني لأحارب الإسلاميين" الذين هم إيران وحلفاؤها من حركات المقاومة في فلسطين ولبنان.
الرئيس الأميركي دونالد ترامب نفسه في فترته الأولي عندما قرّر دعم تهويد القدس المحتلة، والاعتراف بها عاصمة لإسرائيل وحدها، كان يخاطب ناخبيه من الإنجيليين بأنه "رجل الله الذي يساهم في دفع التاريخ، كما يراه الكتاب المقدس، ويساهم في حلول نهاية التاريخ". كما قالت الكاتبة الأميركية والباحثة في الشؤون الدينية، ديانا باس، عام 2020 موضحة: "ربما لا يؤمن الرئيس ترامب بهذا، لكن الملايين يؤمنون به، وهذا مهم، ليس للسياسة الأميركية فحسب، بل وللسلام في القدس، وكذلك لسلامنا جميعًا".
ليس مثيرًا للاستغراب تركيز ترامب كلما تحدّث عن حربه العدوانية ضد إيران على توصيفها بالجمهورية الإسلامية في كل خطاباته، وكأنه يقول للعالم غير الإسلامي إنه يخوض الحرب المقدّسة ضد ما يعتبره "الخطر الإسلامي"، وليس خافيًا على أحد أن كل الطغاة والمستبدّين الذين ينالون رعاية الرئيس الأميركي ودعمه في قمع شعوبهم وإخضاعهم، يعلنون أنهم يحاربون ما يصفونه إرهاب جماعات الإسلام السياسي، دفاعًا عن أمن العالم واستقراره، لتجد ثمّة امتزاجًا تامًّا بين خطاب ترامب ونتنياهو ضد إيران وخطاب النظم المستبدة الخاضعة للنفوذ الأميركي عن معارضيها، حيث يتأسّس الخطاب السياسي والأمني ضد كل أشكال المعارضة والاحتجاج على اتهامها بالانتماء إلى جماعة إرهابية تنفذ مخططات لهدم الأوطان، وهو اتهامٌ لا تخجل هذه النظم من إلصاقه بكل من يعارضها أو يناقشها حتى لو لم يكن مسلمًا من الأصل.
وسط هذا الجنون، لا تعدم أن تجد بعضهم يصيح مثل الدجاج واصفًا إيران بأنها الشر المطلق والخطر الأوحد علي الأمة العربية، تلك الأمة التي باتت ذات رسالة خالدة في خدمة المشروع الأميركي برافده الصهيوني، ثم يتهمها بأنها تتاجر بقضية فلسطين، حين يدلي الإيرانيون بدلوهم في موضوع مقاومة الكيان الصهيوني في الأراضي العربية المحتلة، وهو خطابٌ يتدحرج من السلطة إلى المثرثرين باسمها في فضاء إعلامي مكرّس لإقناع المواطن العربي بأن إيران ومن تدعمه محور الشر المطلق، بينما تحمل واشنطن الخير إلى العالم العربي وتحميه بمواجهة الخطر الإيراني.
هذا الخطاب الذي يجري على ألسنة عربية يبدو منقولًا بغير تصرّف من الرواية الصهيونية الموجهة إلى الدول العربية، في محاولةٍ لا تهدأ لقطع أية وشائج بين طهران ومجموعات المقاومة العربية، والنضال من أجل فك هذا الارتباط أو على الأقل نفي صدقيّته، وهو ارتباطٌ للمرّة الألف ليس مفتعلًا أو مصطنعًا، وليس كما تكذب الرواية الصهيونية الخالصة، وتلك العربية المتصهينة، إذ يعلم أي تلميذ علوم سياسية أن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران وجنوب لبنان هي استطراد للجريمة الكاملة التي ترتكب ضد الفلسطينيين منذ ثلاث سنوات كاملة، انتقامًا من "طوفان الأقصى".
الذين يتاجرون بالقضية الفلسطينية حقًّا هم الذين لا يتذكرون عروبتهم إلا في مواجهة إيران التي تعاقب على دعم المقاومة الفلسطينية.

