مثّلت حرب السادس من أكتوبر 1973، الموافق العاشر من رمضان 1393هـ، نقطة تحول كبرى في الصراع العربي الإسرائيلي، بعدما شنت مصر وسوريا هجومًا متزامنًا ومفاجئًا على القوات الإسرائيلية في سيناء وهضبة الجولان، في محاولة لاستعادة الأراضي التي احتلتها إسرائيل خلال حرب يونيو 1967.

 

وعُرفت الحرب عربيًا باسم حرب أكتوبر أو حرب العاشر من رمضان، بينما أطلقت عليها إسرائيل اسم "حرب يوم كيبور" أو "حرب عيد الغفران"، في إشارة إلى اليوم الديني اليهودي الذي تزامن مع بداية الهجوم.

 

وجاءت الحرب بعد سنوات من الإعداد العسكري والسياسي، بدأت عقب هزيمة يونيو 1967 تحت قيادة الرئيس جمال عبد الناصر، التي فقدت خلالها مصر شبه جزيرة سيناء، بينما احتلت إسرائيل هضبة الجولان السورية والضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية.

 

وكانت حرب الاستنزاف التي خاضتها مصر منذ عام 1968 محطة رئيسية في إعادة بناء القدرات العسكرية المصرية، ورفع جاهزية القوات المسلحة، والانتقال من مرحلة استيعاب آثار الهزيمة إلى مرحلة التخطيط لاستعادة الأراضي المحتلة.

 

وبعد وفاة الرئيس جمال عبد الناصر في سبتمبر 1970، تولى أنور السادات الرئاسة، وواصل عملية إعادة بناء القوات المسلحة والاستعداد لمعركة تهدف إلى تغيير الوضع الذي فرضته إسرائيل بعد حرب 1967.

 

 

التخطيط لعبور قناة السويس

 

احتاجت مصر إلى تجاوز تحصينات إسرائيل على الضفة الشرقية لقناة السويس، وعلى رأسها خط بارليف، الذي كان يمثل أحد أبرز عناصر الدفاع الإسرائيلية في سيناء.

 

وخلال السنوات التي سبقت الحرب، عملت القيادة المصرية على وضع خطط للعبور، والاستفادة من الدروس المستخلصة من حرب الاستنزاف، مع الحفاظ على سرية الاستعدادات العسكرية.

 

وفي إطار التعاون العربي، أرسلت العراق قبل الحرب بنحو ستة أشهر قرابة 20 طائرة من طراز "هوكر هنتر" مع طياريها إلى مصر، ضمن اتفاق للتعاون الجوي، قبل أن تتضح أهمية المشاركة العراقية في العمليات العسكرية.

 

كما ارتبط اختيار موعد الهجوم بعوامل عدة، من بينها عنصر المفاجأة والظروف السياسية والعسكرية المناسبة، وجاء السادس من أكتوبر موعدًا للعبور والهجوم بالتزامن مع وجود الجيش الإسرائيلي في حالة استعداد أقل مما كانت عليه خلال فترات أخرى.

 

وكانت المفاجأة أحد أهم عناصر الخطة المصرية والسورية، إذ لم تتمكن إسرائيل من تحديد الموعد الدقيق لبدء الهجوم رغم مؤشرات وتحركات سبقت الحرب.

 

 

الضربة الأولى وتقدم القوات

 

في الثانية من ظهر السادس من أكتوبر 1973، بدأت القوات المصرية والسورية هجومًا متزامنًا على القوات الإسرائيلية في سيناء والجولان.

 

وعلى الجبهة المصرية، عبرت القوات المسلحة قناة السويس باستخدام الكباري التي أقامتها وحدات المهندسين العسكريين، وتمكنت من اختراق التحصينات الإسرائيلية وفتح ممرات لعبور القوات والمعدات.

 

وتقدمت القوات المصرية شرق القناة لمسافة وصلت إلى نحو 20 كيلومترًا، بينما حققت القوات السورية تقدمًا داخل هضبة الجولان في الأيام الأولى للقتال.

 

وأدى الهجوم المفاجئ إلى إرباك القيادة الإسرائيلية، التي احتاجت إلى وقت لإعادة تنظيم قواتها والرد على الهجوم على الجبهتين المصرية والسورية.

 

ومع استمرار المعارك، بدأت الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي في دعم طرفي الصراع بصورة غير مباشرة، إذ حصلت مصر وسوريا على أسلحة ومعدات من الاتحاد السوفياتي ودول حليفة، في حين قدمت الولايات المتحدة لإسرائيل إمدادات عسكرية كبيرة.

 

وفي 12 أكتوبر، وبعد ستة أيام من بداية الحرب، بدأت الولايات المتحدة جسرًا جويًا واسعًا لنقل الأسلحة والمعدات إلى إسرائيل، في محاولة لتعويض خسائرها ودعم قدرتها على مواصلة القتال.

 

 

الجبهة السورية وتغيير مسار المعارك

 

تمكنت القوات السورية في الأيام الأولى من الحرب من تحقيق تقدم في الجولان، ما دفع إسرائيل إلى تركيز جزء كبير من قواتها على هذه الجبهة.

 

ومع مرور الوقت، نجحت القوات الإسرائيلية في شن هجوم مضاد واستعادة مناطق كانت قد فقدتها خلال بداية الحرب، بالتزامن مع استمرار الدعم العسكري الأمريكي.

 

وطلبت القيادة السورية من مصر تطوير الهجوم على الجبهة المصرية بهدف تخفيف الضغط عن القوات السورية، وهو ما فتح نقاشًا داخل القيادة المصرية بشأن توقيت وشكل التحرك الجديد.

 

وفي 14 أكتوبر، بدأت القوات المصرية عملية تطوير للهجوم شرق قناة السويس، في وقت كانت فيه القوات الإسرائيلية قد حصلت على معلومات عن مواقع وانتشار القوات المصرية.

 

وأدى الهجوم إلى معارك كبيرة بين القوات المصرية والإسرائيلية، خصوصًا في مواجهة الدبابات، وانتهت عملية التطوير بخسائر كبيرة للقوات المصرية، ما دفعها إلى العودة إلى مواقعها الرئيسية في رؤوس الكباري شرق القناة.

 

وكانت هذه المرحلة من الحرب نقطة تحول مهمة، إذ انتقلت المبادرة تدريجيًا إلى الجانب الإسرائيلي على الجبهة المصرية.

 

 

ثغرة الدفرسوار وتوقف القتال

 

في ليلة 15 أكتوبر تقريبًا، تمكنت قوة إسرائيلية من العبور إلى الضفة الغربية لقناة السويس في منطقة الدفرسوار، مستفيدة من وجود فجوة بين الجيشين الثاني والثالث الميدانيين.

 

وتحولت منطقة العبور إلى محور رئيسي في العمليات الإسرائيلية، حيث دفعت إسرائيل بمزيد من القوات والدبابات إلى غرب القناة، وأقامت جسورًا لعبور المعدات الثقيلة.

 

وبحلول 17 أكتوبر، اتسع نطاق القوات الإسرائيلية الموجودة غرب القناة، وبدأت في التحرك جنوبًا باتجاه مواقع الجيش الثالث ومدينة السويس.

 

وأثارت هذه التطورات مخاوف من تعرض الجيش الثالث للحصار، خاصة مع تقدم القوات الإسرائيلية ومحاولتها قطع الطرق المؤدية إلى السويس.

 

وفي 21 أكتوبر، أصدر مجلس الأمن قرارًا يدعو إلى وقف إطلاق النار، وقبلت مصر وإسرائيل القرار، لكن العمليات العسكرية استمرت، ودفع الجيش الإسرائيلي بقوات إضافية إلى غرب القناة خلال اليومين التاليين.

 

وفي 23 أكتوبر، صدر قرار آخر من مجلس الأمن لتأكيد وقف إطلاق النار، فيما استمرت الاشتباكات على الأرض.

 

وطلب السادات تدخل الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي لضمان تنفيذ وقف إطلاق النار، وسط تحركات دولية واسعة لمنع اتساع نطاق الحرب.

 

وتوقف القتال بصورة فعلية في 24 أكتوبر، بعد أن كانت المعارك قد انتقلت من مرحلة الهجوم المصري السوري المفاجئ إلى مرحلة من المواجهة العسكرية والدبلوماسية المعقدة.

 

 

فك الاشتباك ونتائج الحرب

 

انتهت الحرب رسميًا في 31 مايو 1974، عندما وقعت مصر وإسرائيل اتفاقية فك الاشتباك، بعد مفاوضات لعب فيها وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر دورًا رئيسيًا في الوساطة.

 

ونص الاتفاق على ترتيبات عسكرية تتعلق بمواقع القوات، وانسحاب القوات الإسرائيلية من مناطق في الضفة الشرقية لقناة السويس، مع إنشاء منطقة عازلة وقوة تابعة للأمم المتحدة لمراقبة تنفيذ الاتفاق.

 

وعلى الجبهة السورية، نص الاتفاق على إعادة مدينة القنيطرة ومناطق من الجولان إلى السيطرة السورية، مع ترتيبات لفصل القوات.

 

ومثلت الحرب بداية لمسار سياسي جديد في المنطقة، انتهى لاحقًا إلى توقيع اتفاقية كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل عام 1978، ثم معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية عام 1979.

 

كما أسهمت الحرب في استعادة مصر السيطرة على قناة السويس، التي عادت للملاحة الدولية في يونيو 1975، بينما اكتمل الانسحاب الإسرائيلي من سيناء لاحقًا بموجب ترتيبات السلام.

 

واستعادت مصر كامل أراضي شبه جزيرة سيناء في مراحل لاحقة، باستثناء بعض الترتيبات الخاصة بمدينة طابا التي حُسمت لصالح مصر بالتحكيم عام 1988، قبل استلامها عام 1989.

 

 

خسائر كبيرة على الجانبين

 

تكبدت القوات العربية والإسرائيلية خسائر بشرية ومادية كبيرة خلال أسابيع القتال، مع اختلاف الأرقام بين المصادر بحسب طريقة احتساب القتلى والجرحى والخسائر العسكرية.

 

وتشير البيانات الواردة في المصادر المستخدمة إلى مقتل نحو 8528 من العسكريين والمدنيين العرب، وإصابة أكثر من 19 ألفًا و500 شخص.

 

وبحسب الأرقام نفسها، خسرت مصر مئات الدبابات والطائرات والمروحيات، بينما تعرضت القوات السورية والعراقية والأردنية المشاركة في الحرب لخسائر عسكرية أيضًا.

 

وعلى الجانب الإسرائيلي، قُتل نحو 2656 جنديًا، وأصيب قرابة 7250، إضافة إلى أسر أكثر من 340 جنديًا، وفق الأرقام الواردة في المصادر.

 

كما فقدت إسرائيل مئات الدبابات وأكثر من 300 طائرة حربية، إلى جانب عدد من المروحيات خلال العمليات العسكرية.

 

وبعيدًا عن حجم الخسائر، كشفت حرب أكتوبر عن تغير كبير في طبيعة الصراع، بعدما تمكنت القوات المصرية والسورية من شن هجوم منسق ومفاجئ، واختراق خطوط الدفاع الإسرائيلية في بداية الحرب، قبل أن تتغير موازين القتال مع وصول الدعم الأمريكي الكبير إلى إسرائيل.

 

ولهذا بقي السادس من أكتوبر حاضرًا في الذاكرة المصرية والعربية باعتباره يومًا بدأت فيه القوات المصرية عبور قناة السويس واستعادة زمام المبادرة بعد سنوات من احتلال سيناء، بينما فتح مسار الحرب لاحقًا الباب أمام تحولات عسكرية وسياسية كبرى في المنطقة.

 

 

الخسائر العربية في حرب أكتوبر

 

مقتل 8528 من المدنيين والعسكريين، وجرح 19 آلفا و549.
مصر: تدمير 500 دبابة و120 طائرة حربية و15 مروحية.
سوريا: تدمير 500 دبابة و117 طائرة حربية و13 مروحية.
العراق: تدمير 137 دبابة و26 طائرة حربية.
الأردن: تدمير 18 دبابة.

 

 

الخسائر الإسرائيلية في حرب أكتوبر

 

2656 قتيلا، و7250 جريحا.
أكثر من 340 أسيرا.
تدمير 400 دبابة، واستيلاء الجيوش العربية على دبابات أخرى.
تدمير أكثر من 300 طائرة حربية و25 مروحية.