يتزامن اليوم العالمي للمعلم، الذي يوافق 5 أكتوبر من كل عام، مع استمرار الجدل في مصر حول أوضاع العاملين في قطاع التعليم، في ظل شهادات ومنشورات تتناول تدني الأجور، وضغوط العمل، والعجز في أعداد المدرسين، ومشكلات بيئة العمل، إلى جانب وقائع اعتداء وتهديد تعرض لها بعض المعلمين أثناء أداء مهامهم.
ولا تتوقف الانتقادات عند الجوانب المعيشية والمهنية، إذ تمتد إلى طريقة اختيار المعلمين الجدد، وما يصفه منتقدون بأنه تدخل لمعايير بدنية وأمنية في عملية يفترض أن تركز بصورة أساسية على الكفاءة العلمية والتربوية، فضلًا عن قضايا أخرى تتعلق بالنشاط النقابي والاحتجاج على قرارات الاستبعاد من مسابقات التعيين.
وتعيد هذه الملفات طرح سؤال أوسع حول وضع المعلم داخل المنظومة التعليمية المصرية، وما إذا كانت سياسات الإصلاح تضع تحسين ظروف المدرسين وحمايتهم وتمكينهم مهنيًا في مقدمة أولويات تطوير التعليم.
أوضاع مهنية تحت ضغط متواصل
تكشف شهادات متداولة بين المعلمين عن أعباء متزايدة داخل المدارس، لا ترتبط بالتدريس وحده، وإنما تشمل أعمال التصحيح والتقييم والإشراف وريادة الفصول والمشاركة في الامتحانات، فضلًا عن تكليفات إضافية تفرضها أحيانًا أزمة العجز في أعداد المدرسين.
وتشير هذه الشهادات إلى أن بعض المعلمين يضطرون إلى تحمل أنصبة أكبر من الحصص أو القيام بمهام متعددة في المدرسة، في وقت يشكو فيه قطاع من المدرسين من محدودية الدخول مقارنة بتكاليف المعيشة والالتزامات اليومية.
كما تتحدث شهادات أخرى عن تحمل بعض العاملين مصروفات مرتبطة بالعملية التعليمية من أموالهم الخاصة، مثل شراء مستلزمات أو أدوات، وتصوير أوراق الامتحانات، والمساهمة في أعمال النظافة، إضافة إلى تحمل تكاليف انتقال مرتبطة بالتدريب والاجتماعات ومراقبة الامتحانات.
ويرى أصحاب هذه الشهادات أن استمرار هذه الأوضاع يضع المعلم تحت ضغط مادي ومهني، بينما تظل مشكلات الكثافة داخل الفصول ونقص الإمكانيات والمناهج وطرق التقييم عوامل مؤثرة في جودة العملية التعليمية.
رواتب المعلمين والخصومات
أثار ملف الأجور اهتمامًا واسعًا بالتزامن مع اليوم العالمي للمعلم، بعدما نشر حساب رامى مصطفى أرقامًا قال إنها تمثل صافي الرواتب بعد خصومات مرتبطة بزيادة يوليو 2026.
وبحسب الأرقام المنشورة، يصل صافي راتب كبير المعلمين إلى نحو 8600 جنيه، فيما يبلغ راتب المعلم الخبير نحو 7900 جنيه، والمعلم الأول «أ» نحو 7600 جنيه، والمعلم الأول نحو 7300 جنيه، والمعلم نحو 7100 جنيه.
ولا تمثل هذه الأرقام، في حد ذاتها، بيانًا رسميًا شاملًا لرواتب جميع المعلمين، لكنها تعكس جانبًا من النقاش المتداول حول الفارق بين الراتب الاسمي والدخل الفعلي بعد الخصومات والاستقطاعات.
وتطرح هذه الشهادات تساؤلات بشأن مدى قدرة الأجور الحالية على مواكبة الارتفاع في تكاليف المعيشة، خصوصًا بالنسبة للمعلمين الذين يتحملون نفقات انتقال وتدريب أو أعباء إضافية داخل المدارس.
وفي أسيوط، نشر حساب «معلمي أسيوط الأحرار» بيانًا بعنوان «المعلم مطحون والمرتبات زيرو»، انتقد خلاله أوضاع الأجور والخصومات، وقال إن المعلمين يتحملون أعباء كبيرة تشمل التدريس والتصحيح والتقييمات والإشراف والامتحانات، إلى جانب ما وصفه بتأخر بعض المستحقات والمكافآت.
وأشار الحساب كذلك إلى تعرض المعلمين أحيانًا للإهانات من الطلاب وأولياء الأمور ولجان المتابعة، معتبرًا أن معالجة أزمة التعليم لا يمكن أن تقوم على تحميل المدرس وحده مسؤولية نتائج منظومة تعاني من مشكلات متعددة.
معايير اختيار تثير الجدل
من أكثر الملفات إثارة للجدل طريقة اختيار المعلمين في مسابقات التعيين، خاصة ما يتعلق بالاختبارات البدنية وكشف الهيئة.
وانتقد السياسي والحقوقي أسامة رشدي ما وصفه بـ«عسكرة» الوظيفة التعليمية، مشيرًا إلى خضوع متقدمين لاختبارات بدنية داخل الأكاديمية العسكرية، تشمل الجري والقفز وتمارين الضغط والبطن والوزن وكشف الهيئة.
وتساءل رشدي عن علاقة القدرة على أداء تلك الاختبارات بقدرة مدرس الرياضيات أو اللغة العربية أو رياض الأطفال على التدريس والتربية وإدارة الفصل، معتبرًا أن معايير الاختيار ينبغي أن تركز على الكفاءة العلمية والتربوية.
وضرب مثالًا بالمعلمة منى السيد، التي قال إنها تمتلك 11 عامًا من الخبرة في تدريس الرياضيات، وإنها خاضت مراحل الاختبارات بعد فترة قصيرة من الولادة وخفضت وزنها، قبل أن تحصل في النهاية على نتيجة «غير مقبول» دون معرفة السبب، بحسب روايته.
كما أشار رشدي إلى بيانات نسبها إلى المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، تفيد باستبعاد 11,951 معلمًا ومعلمة في الجولة الأولى بعد اجتياز اختبارات التنظيم والإدارة، لأسباب قال إنها شملت الوزن والحمل واللياقة وكشف الهيئة.
وبحسب الأرقام التي أوردها، جرى لاحقًا الإعلان عن تعيين 43 ألف معلم من أصل 72 ألف وظيفة كان يجري الحديث عنها، وهو ما فتح نقاشًا حول أسباب الاستبعاد ومعايير المفاضلة بين المتقدمين.
تهديد المعلمين أثناء الامتحانات
لا تقتصر الضغوط التي يتعرض لها المعلمون على الأجور وظروف العمل، إذ تتضمن بعض الشهادات وقائع تهديد واعتداء أثناء أداء المهام.
ومن بين هذه الحالات شهادة المدرس سامح شكري، الذي قال إنه تعرض للتهديد أثناء مراقبته امتحان مادة الكيمياء في الثانوية العامة، بعدما حاول منع الطلاب من الغش.
وبحسب روايته، رفض عدد من الطلاب بدء حل الأسئلة وانتظروا الغش، قبل أن يطلب منه أحدهم السماح بفتح اللجنة، ثم تحولت محاولات الغش إلى تحد وتهديدات مباشرة.
وقال شكري إن أحد الطلاب ركل باب اللجنة متوعدًا إياه، فيما هدده آخرون بالانتظار خارج اللجنة، مضيفًا أنه وزملاءه تعرضوا للملاحقة أثناء توجههم إلى موقف السيارات، وأُلقي حجر باتجاهه كاد أن يصيبه.
وطالب، وفق شهادته، وزارة التربية والتعليم والجهات المحلية بتوفير الحماية للمعلمين أثناء أداء مهامهم، مؤكدًا أن المدرس الذي يمنع الغش لا ينبغي أن يجد نفسه في مواجهة تهديدات أو اعتداءات.
النقابة وزهران في دائرة الملاحقة
يمثل النشاط النقابي أحد أبرز الملفات المرتبطة بأوضاع المعلمين، خاصة في ظل استمرار الجدل حول انتخابات نقابة المهن التعليمية والحراسة القضائية المفروضة عليها.
وفي يوليو 2026، ألقت قوة أمنية القبض على القيادي النقابي والمعلم محمد زهران من منزله، قبل ظهوره أمام نيابة أمن الدولة العليا التي قررت حبسه احتياطيًا لمدة 15 يومًا على ذمة القضية رقم 5773 لسنة 2026 حصر أمن الدولة العليا.
وبحسب ما أعلنته المبادرة المصرية للحقوق الشخصية ولجنة العدالة، واجه زهران اتهامات تتعلق بنشر أخبار وبيانات كاذبة واستخدام حساب على مواقع التواصل الاجتماعي للترويج لأفكار مرتبطة بارتكاب أعمال إرهابية.
وتقول المبادرة المصرية إن التحقيقات تناولت منشورات لزهران، من بينها منشور يتعلق بالدعوة إلى اجتماع للمعلمين لمناقشة أحكام قضائية مرتبطة بالحراسة على نقابة المهن التعليمية، ومنشور آخر علق فيه على انشغال بعض زملائه بمباريات كرة القدم مقارنة بالاهتمام بقضية فصله وحبسه سابقًا.
كما أكدت المبادرة أن هذه لم تكن المرة الأولى التي يواجه فيها زهران ملاحقة قانونية، مشيرة إلى قضايا سابقة مرتبطة بنشاطه النقابي، من بينها القضية 880 لسنة 2020، وقضية أخرى في 2023، قبل إخلاء سبيله، ثم قضية ثالثة صدر فيها قرار بإخلاء سبيله بكفالة مالية قدرها 10 آلاف جنيه في مارس 2026.
وترى المبادرة أن استخدام الحبس الاحتياطي في هذه الحالة لا يستند إلى مبررات كافية، وطالبت بالإفراج الفوري عنه، بينما تصفه مصادر حقوقية بأنه أحد أبرز الأصوات النقابية المطالبة باستقلال نقابة المعلمين وإجراء انتخاباتها.
حبس محتجين بسبب مسابقات التعيين
تعود إحدى أبرز وقائع التعامل الأمني مع احتجاجات المعلمين إلى أكتوبر 2023، عندما رصدت لجنة العدالة حبس 14 من المتقدمين لمسابقة تعيين 30 ألف معلم، عقب مشاركتهم في احتجاجات أمام مقر وزارة التربية والتعليم بالعاصمة الإدارية الجديدة.
وبحسب اللجنة، جاء الاحتجاج على خلفية استبعاد آلاف المتقدمين من قوائم الناجحين، بعدما كانت وزارة التربية والتعليم قد استبعدت نحو 14 ألف متقدم من مسابقة 30 ألف معلم لعام 2022، بدعوى عدم اجتياز التدريبات.
وقالت لجنة العدالة إن المحتجين طالبوا بمعرفة أسباب الاستبعاد، وإن بعض الحالات ارتبطت، وفق ما رصدته، بأسباب تتعلق بالوزن أو الحمل بالنسبة لبعض المتقدمات.
واعتبرت اللجنة أن التعامل الأمني مع المحتجين يمثل تصعيدًا غير مناسب لمطالب مهنية، وطالبت بمراجعة أسباب الاستبعاد ووقف التعامل الأمني مع المتقدمين، مع التأكيد على حقهم في معرفة أسباب رفض طلباتهم.
وفاة مدرس داخل السجن
وتتخذ قضية أوضاع المعلمين بعدًا أكثر خطورة في حالة المدرسين المحتجزين، إذ رصدت لجنة العدالة في فبراير 2026 وفاة المدرس سامح عامر داخل سجن بدر 3.
وبحسب اللجنة، كان عامر في العقد الخامس من عمره وينحدر من قرية سمدون التابعة لمركز أشمون بمحافظة المنوفية، وقالت إنه كان يعاني من مشكلات في صمامات القلب وتدهور في حالته الصحية.
وأضافت اللجنة أن معلومات وصلتها تحدثت عن استمرار معاناته الصحية وعدم توفير الرعاية الطبية المتخصصة اللازمة، قبل وفاته في 11 فبراير 2026.
وأشارت إلى أن الوفاة تبعتها حالة من التوتر داخل السجن، مع احتجاجات لمحتجزين سياسيين وإضراب عن الطعام، احتجاجًا على أوضاع الرعاية الصحية.
إصلاح التعليم يبدأ بحماية المعلم
تكشف الملفات والشهادات المتداولة في اليوم العالمي للمعلم أن أزمة المدرسين في مصر لا ترتبط بالرواتب وحدها، وإنما تمتد إلى بيئة العمل، والعجز في أعداد المعلمين، وكثافات الفصول، ومعايير التعيين، والحماية أثناء الامتحانات، وكذلك مساحة العمل النقابي والتعامل مع الاحتجاجات.
ويرى معلمون ونشطاء أن تحميل المدرس وحده مسؤولية مشكلات التعليم يتجاهل عوامل أخرى تتعلق بالإنفاق والمناهج والتقييم والإدارة والبنية الأساسية للمدارس.
وفي المقابل، تحتاج هذه الملفات إلى بيانات رسمية تفصيلية تتيح تقييم الأجور والاستبعادات وأسبابها وحجم العجز في أعداد المدرسين بصورة دقيقة، بما يضمن أن يكون النقاش حول تطوير التعليم قائمًا على معلومات واضحة.
ويظل اليوم العالمي للمعلم مناسبة لإعادة وضع المدرس في قلب أي نقاش بشأن إصلاح التعليم، ليس باعتباره المسؤول الوحيد عن أزمات المنظومة، وإنما باعتباره أحد أهم أطرافها، وأن تحسين أوضاعه المهنية والمادية وحمايته أثناء أداء عمله يمثلان جزءًا أساسيًا من أي إصلاح حقيقي للعملية التعليمية.

