يفتح الإعلان عن انتقال خوان بيزيرا إلى شباب الأهلي دبي ملفاً مالياً ثقيلاً داخل الزمالك، بعدما ارتفع إجمالي حصيلة بيع لاعبيه خلال خمسة مواسم، مع الصفقة الجديدة، إلى قرابة 21 مليوناً و200 ألف دولار وفق تقديرات انتقالات معلنة.
تضع هذه الأرقام جماهير الزمالك أمام سؤال لا يقبل الهروب أو التجميل، إذ كيف ظل النادي غارقاً في أزمات مستحقات وديون وشكاوى، رغم بيع أسماء بارزة وتحصيل مبالغ كان يفترض أن تصنع فارقاً حقيقياً؟
بيع النجوم في خمس سنوات
تشمل الحصيلة التقديرية نحو 14 مليون يورو من صفقات البيع والإعارات المدفوعة خلال خمسة مواسم مكتملة، بما يعادل قرابة 15 مليوناً و200 ألف دولار، ثم أضيف إليها سقف صفقة بيزيرا المعلن بستة ملايين دولار.
تمثل صفقة بيزيرا وحدها اختباراً جديداً للإدارة، لأن قيمتها الأساسية خمسة ملايين دولار، بينما يرتبط مليون إضافي بتحقق حوافز متفق عليها، ما يجعل الحديث عن ستة ملايين كاملاً مرهوناً بتنفيذ البنود لا بالأمنيات.
بدأت القائمة بصفقة مصطفى محمد إلى جالاتا سراي، إذ خرج المهاجم في يناير 2021 على سبيل الإعارة بمقابل مليوني دولار، مع بند شراء بلغ أربعة ملايين دولار، لتصبح الصفقة من أبرز موارد النادي.
شملت نافذة البيع نفسها انتقال أحمد رفعت ومحمد عنتر بصورة نهائية، إلى جانب رحيل محمد حسن وإعارة رزاق سيسيه، وهي عمليات وفرت مبالغ بالجنيه والدولار لكنها لم تتحول إلى استقرار مالي دائم.
سجل موسم 2021 و2022 بيع مصطفى فتحي للتعاون السعودي مقابل نحو 886 ألف يورو، ورحيل كريم بامبو إلى البنك الأهلي مقابل 540 ألف يورو، إضافة إلى مقابل إعارة محمود جنش وإعارة حميد أحداد.
بدا ذلك الموسم فرصة لتكوين احتياطي مالي معقول، لكن النادي لم يقدم للرأي العام كشفاً واضحاً يربط بين كل مبلغ دخل الخزينة وبين أوجه إنفاقه، أو يوضح ما تبقى منه بعد سداد الالتزامات.
جاءت صفقة إمام عاشور إلى ميتيلاند الدنماركي في يناير 2023 بوصفها الصفقة الأهم في تلك المرحلة، إذ اقتربت قيمتها من ثلاثة ملايين يورو، بعد أن صنع الزمالك لاعباً صغيراً ومنحه فرصة التألق.
لم تتوقف حركة البيع عند الأسماء الكبرى، فشهد موسم 2023 و2024 انتقال أسامة فيصل إلى البنك الأهلي مقابل نحو 422 ألف يورو، ورحيل محمود شبانة للاتحاد السكندري مقابل 166 ألف يورو.
دخل محمد عبدالغني بدوره في قائمة الراحلين بمقابل يقارب 149 ألف يورو، كما سجلت إعارة حمدي علاء إلى سموحة مقابل 120 ألف يورو، وإعارة حسام أشرف للبلدية بمقابل محدود للغاية.
تضم القائمة كذلك صفقات خرج منها اللاعبون مجاناً بعد انتهاء العقود أو فسخها، وهي ليست عوائد بيع لكنها تكشف جانباً أخطر، لأن النادي فرط في أصول كروية دون تعويض مالي يوازي قيمتها.
شهدت الأعوام التالية بيع حسام أشرف إلى زد، ثم انتقال حسام عبدالمجيد إلى لودوجوريتس البلغاري مقابل مليون ونصف مليون دولار، قبل أن تأتي صفقة بيزيرا لتعيد الأضواء إلى سؤال الحصيلة المفقودة.
لا تعني الأرقام السابقة بالضرورة أن كل قيمتها دخلت الحسابات فوراً، لأن بعض الصفقات قسطت على دفعات، وبعضها ارتبط ببنود إضافية أو نسب رعاية ووكلاء، لكن ذلك يضاعف الحاجة إلى الإفصاح.
العائد الكبير والغموض الأكبر
يثير تراكم هذه الأموال شبهة سوء إدارة تستحق الفحص الجاد، لا لأن البيع جريمة في كرة القدم، بل لأن النادي ظل يواجه تأخر مستحقات لاعبين وعاملين ومدربين، وتهديدات وشكاوى مالية متواصلة.
لا يثبت هذا التقرير وقوع إهدار للمال العام بحكم قضائي، لكنه يرصد تناقضاً صارخاً بين حصيلة بيع تقترب من 21 مليوناً و200 ألف دولار، وبين واقع مالي يفرض بيع المزيد لسداد أزمات قديمة.
تحتاج الجماهير إلى معرفة كم تسلم الزمالك فعلياً من كل صفقة، وكم بقي لدى الأندية المشترية، وما قيمة العمولات والضرائب ونسب الرعاية، وهل دخلت الأموال حسابات واضحة يمكن مراجعتها ومحاسبتها.
لا يكفي إعلان أن عائد بيزيرا سيذهب إلى رواتب اللاعبين والديون والفرق الرياضية، فهذه عبارات واسعة تصلح للتهدئة الإعلامية، لكنها لا تجيب عن حجم كل بند ولا عن الديون التي ستغلق فعلاً.
يفترض أن يعلن النادي جدولاً زمنياً دقيقاً لتحصيل الدفعات، خصوصاً أن ثلاثة ملايين دولار من صفقة بيزيرا يفترض وصولها فور إتمام الانتقال، ثم مليون في يناير، ومليون آخر بعد أشهر لاحقة.
يجب كذلك توضيح مصير الحوافز المحتملة، لأن تقديم الستة ملايين باعتبارها مالاً متاحاً الآن يضلل الجمهور، بينما المؤكد نقداً أقل من ذلك، وتبقى بقية القيمة مرتبطة بمشاركة اللاعب ونتائج فريقه الجديد.
تكشف الأزمة أن البيع تحول في أحيان كثيرة إلى مسكن مؤقت لا إلى جزء من خطة رياضية واقتصادية، إذ يرحل اللاعب المميز لتغطية فجوة عاجلة، ثم يعود النادي إلى سوق التعاقدات بأعباء جديدة.
تكمن المشكلة أيضاً في غياب سياسة تحمي قيمة اللاعبين قبل انتهاء عقودهم، فكل لاعب يغادر بلا مقابل يمثل خسارة محتملة، وكل تأخر في التجديد أو التفاوض يمنح الطرف الآخر أفضلية على النادي.
تملك الأندية الكبرى حق بيع نجومها عندما تكون الصفقة مفيدة، لكن الفارق الحقيقي يظهر في تحويل العائد إلى استثمار طويل الأجل، لا إلى دورة متكررة من سداد متأخرات ثم البحث عن مورد جديد.
الإدارة مطالبة بكشف الحساب
تبدأ المحاسبة المطلوبة بنشر بيان تفصيلي يضم كل صفقة بيع وإعارة مدفوعة منذ موسم 2020 و2021، وقيمة العقد وتاريخ الاستحقاق وما تم تحصيله بالفعل والجهة التي خصص لها المبلغ.
ينبغي أن يتضمن البيان بنداً مستقلاً للديون المتراكمة، يوضح أصل كل دين وفوائده إن وجدت وجدولة السداد، حتى تعرف الجماهير هل تذهب عوائد النجوم لإطفاء التزامات قديمة أم لتغطية نفقات متكررة.
تحتاج الجمعية العمومية بدورها إلى ممارسة حقها في السؤال والمراجعة، لأن أموال بيع اللاعبين ليست تفاصيل هامشية، بل مورد أساسي للنادي، وضياع القدرة على تتبعه يفتح الباب أمام الشك والغضب.
لا ينبغي التعامل مع المطالبة بالشفافية باعتبارها هجوماً على الزمالك، فالنادي لا تحميه البيانات العاطفية ولا الوعود الفضفاضة، بل تحميه إدارة تملك دفاتر واضحة وتتحمل مسؤولية كل جنيه وكل دولار.
يستحق مصطفى محمد وإمام عاشور ومصطفى فتحي وأسامة فيصل وحسام عبدالمجيد وبيزيرا أن تتحول عوائدهم إلى بناء فريق أقوى، لا إلى عناوين متشابهة عن مستحقات متأخرة وأزمات تنتظر صفقة جديدة.
تملك الإدارة الحالية فرصة لتقطع هذه الدائرة بإعلان حساب مفتوح للجماهير، يشرح أين ذهبت الحصيلة السابقة وأين ستذهب دفعات بيزيرا، قبل أن يصبح بيع اللاعب الموهوب مجرد بوابة لمشكلة أكبر.

