تكشف إزالة الأشجار المعمرة من شوارع ومدن مصر عن تناقض صارخ بين شعارات التحول الأخضر التي ترفعها الحكومة وبين ممارسات تستبدل الظل الحقيقي بنخيل زينة وشجيرات لا تحمي المواطنين من الحر والعفار والتلوث.

 

تضع هذه السياسات سكان المدن أمام صيف أطول وأشد قسوة، بينما تتجه دول كثيرة إلى توسيع غطائها النباتي وزراعة ملايين الأشجار لمواجهة تغير المناخ، في وقت يجري فيه التعامل مع الأشجار المصرية كعائق عمراني أو مصدر خشب وفحم.

 

التخضير الشكلي يبدد الظل

 

يؤكد الدكتور نادر نور الدين، أستاذ الزراعة والموارد المائية بجامعة القاهرة، أن الخلط بين التخضير والتظليل هو أصل المشكلة، لأن المدينة الصحراوية لا تحتاج إلى منظر أخضر عابر بقدر حاجتها إلى أشجار كثيفة تحمي الناس.

 

ويشرح أن نخيل الزينة المنتشر في طرق عديدة لا يمكن اعتباره شجر تظليل، فسيقه الطويلة وأوراقه المحدودة لا تصنع مساحة ظل كافية ولا تخفف من حرارة الأسفلت والخرسانة المحيطة بالمواطنين.

 

ويضيف أن هذا النوع من النخيل لا يملك القدرة نفسها على امتصاص كميات كبيرة من ثاني أكسيد الكربون، ولا ينتج الأكسجين بالمستوى الذي توفره الأشجار المعمرة ذات التاج الواسع والأوراق الكثيفة.

 

كما لا يساعد نخيل الزينة بصورة فعالة على ترسيب الأتربة والرمال التي تزحف من المناطق الصحراوية نحو المدن، ولا يخفف قوة الرياح المحملة بالعفار، وهي مشكلة متكررة تؤذي مرضى الربو وحساسية الصدر.

 

ويتحول ما تقدمه الحكومة بوصفه تطويرا للشوارع إلى تجميل شكلي مكلف، حين تُقتلع الأشجار التاريخية ثم تُزرع بدلا منها نباتات قصيرة أو نخيل للزينة، فتخسر المدينة الظل والرئة الخضراء معا.

 

ويشدد نور الدين على أن تعويض الشجرة المقطوعة لا يعني وضع أي نبات في مكانها، بل زراعة شجرة تظليل حقيقية مستديمة الخضرة، سريعة التجذر، قادرة على التكيف مع الحرارة وشح الأمطار.

 

وتحتاج المدن المصرية، وفق هذا التصور، إلى أشجار معمرة واسعة التاج وزاهية الأزهار، تستطيع خفض الحرارة وامتصاص الملوثات وتحسين المشهد العام، بدلا من اختيارات هندسية لا تراعي وظيفة الشجرة البيئية.

 

ويكشف الاستبدال العشوائي للأشجار عن غياب رؤية متكاملة لإدارة المساحات الخضراء، إذ لا تبدو الأولوية لحماية السكان من الإجهاد الحراري، بل لتقديم مظهر سريع لا يعالج الأزمة المناخية المتصاعدة.

 

وتزداد خطورة هذا المسار في بلد صحراوي تمتد فيه درجات الحرارة المرتفعة من إبريل حتى نهاية أكتوبر، بينما تعاني الأرصفة والميادين من نقص واضح في المظلات الصناعية وفي الأشجار التي تمنح المواطنين متنفسا آمنا.

 

الفحم يضاعف الخسائر البيئية

 

ينتقد نور الدين تحويل الأشجار المقطوعة إلى فحم نباتي، لأن الشجرة لا تمثل خشبا قابلا للبيع فقط، بل تؤدي وظائف مستمرة في خفض الحرارة وامتصاص الكربون وإنتاج الأكسجين وحجز الأتربة.

 

ويؤدي قطع الأشجار المعمرة إلى خسارة فورية لا يمكن لشتلات صغيرة تعويضها بسرعة، فالسنوات التي احتاجتها الشجرة لتكوين جذور وتاج كثيف لا تختصرها حفلات تشجير دعائية أو وعود غير محددة.

 

ويشير أستاذ الزراعة إلى أن الفحم النباتي ينتج من تسخين الأخشاب بعزلها عن الهواء، لكن استخدام القمائن البلدية في الريف يطلق غازات ملوثة ومسببة للاحتباس الحراري، فتتحول الأشجار المقتولة إلى مصدر إضافي للخطر.

 

وتدفع القرى والمناطق القريبة من تلك القمائن ثمنا صحيا مباشرا، مع انتشار دخان خانق وجسيمات ملوثة تؤثر في الجهاز التنفسي، بينما تغيب إجراءات معلنة لضبط الصناعة أو حماية السكان المحيطين بها.

 

ولا يقتصر الضرر على الهواء، بل يمتد إلى فقدان الحاجز الطبيعي الذي كان يحد من العفار ويمنح الشوارع درجة حرارة أقل، لتصبح إزالة الأشجار قرارا يضاعف أزمة التلوث بدلا من معالجتها.

 

ويحذر نور الدين أيضا من زراعة الأشجار المثمرة في الطرق المزدحمة، لأن عوادم السيارات تحمل عناصر ثقيلة مثل الرصاص والكادميوم، يمكن أن تلتصق بالثمار وتجعلها خطرا صحيا على الأطفال والمارة.

 

ويفضح هذا التحذير مرة أخرى غياب التمييز بين الزراعة الإنتاجية والزراعة البيئية، فالشوارع ليست حقولا للفاكهة والخضار، وإنما فضاء عام يحتاج أشجارا تختار وفقا لدورها في الحماية والتظليل وتنقية الهواء.

 

ويبدو المشهد أكثر عبثية حين تُزال أشجار نافعة ثم تُستبدل بنباتات لا تحقق ظلا ولا تنقية كافية للهواء، لتبقى الدولة أمام فاتورة علاج أكبر يدفعها المواطنون نتيجة التلوث والحرارة المتصاعدة.

 

التصحر يلتهم الأرض والمدينة

 

يربط نور الدين بين قطع الأشجار والتصحر، موضحا أن التصحر لا يعني فقط زحف الرمال، بل تحول الأرض الزراعية المنتجة إلى أرض عاجزة عن إنتاج الغذاء، وهو خطر يمس الأمن الغذائي ومستقبل المدن.

 

ويشير إلى أن البناء فوق الأراضي الزراعية وتقليع الأشجار ونضوب المياه وهجوم البحر على الأراضي الساحلية كلها عوامل تدفع نحو فقدان موارد لا يمكن تعويضها بسهولة، خصوصا في بلد محدود الرقعة الزراعية.

 

وكشف عن فقدان نحو مليون فدان نتيجة البناء على الأراضي الزراعية، وهو رقم يعكس كلفة سياسات توسع عمراني لم تحمِ التربة الخصبة، وأجبرت الدولة لاحقا على زيادة الاعتماد على الاستيراد الغذائي.

 

وتتجاوز أزمة الأشجار حدود الشوارع والميادين، لأن تقليص الغطاء النباتي يرفع انعكاس حرارة الصحراء داخل المدن، حيث تزيد الأسطح الفاتحة والخرسانية من الصهد وتضاعف احتمالات الإجهاد الحراري وضربات الشمس.

 

وتستطيع أشجار التظليل الكثيفة خفض الحرارة تحتها وفي نطاقها المحيط بما يتراوح بين أربع وثماني درجات مئوية، وهي ميزة حيوية لا يوفرها النخيل الزخرفي ولا الأرصفة اللامعة ولا مشروعات التجميل السطحية.

 

ويؤكد نور الدين أن وجود النيل والمياه الجوفية السطحية يمنح مصر فرصة حقيقية لزيادة الغطاء النباتي، لكن هذه الإمكانية تضيع حين تتعامل الجهات المسؤولة مع الشجرة بوصفها تفصيلا يمكن الاستغناء عنه.

 

وتكشف المقارنة مع دول الجوار التي تضع أهدافا لزراعة ملايين الأشجار عن حجم المفارقة، فبينما تخطط تلك الدول لتوسيع مظلاتها الخضراء، تستمر في مصر إزالة أشجار الشوارع المعمرة والتاريخية.

 

ويشبه نور الدين اقتلاع الأشجار بانتزاع رئة من جسد المدينة، لأن الشجرة تمتص الكربون وتطلق الأكسجين وتكسر حدة الحر وتحجز الأتربة، وهي خدمات لا يمكن شراؤها من واجهات المشروعات الجديدة.

 

ويحتاج الملف إلى سياسة وطنية واضحة توقف القطع العشوائي، وتحاسب المسؤولين عن إهدار الغطاء الأخضر، وتلزم المحافظات بزراعة بدائل حقيقية قبل الإزالة، مع متابعة بقائها ونموها لسنوات لا لأيام.