بعد دقائق من تسجيله أحد أهداف المنتخب الإسباني في كأس العالم 2026، وجد النجم الشاب Lamine Yamal نفسه في قلب عاصفة إلكترونية واسعة، لم تتعلق بأدائه الفني أو مساهمته في فوز منتخب بلاده، بل بطريقة احتفاله بالهدف.
فقد أثارت سجدة اللاعب عقب تسجيله في شباك المنتخب السعودي موجة من التعليقات والمنشورات التي قادتها حسابات يمينية متطرفة في إسبانيا وأوروبا، اعتبرت أن اللقطة تتجاوز كونها احتفالًا رياضيًا لتصبح – بحسب روايتها – تعبيرًا عن "أسلمة" المنتخب الإسباني وتهديدًا للهوية الوطنية.
لامين يامال يخطف الأنظار باحتفال استثنائي في المونديال أمام السعودية.. فما قصة السجدة التي احتفى بها العالم؟#الجزيرة_مونديال26#الجزيرة_رقمي pic.twitter.com/U8Q2bY4vKI
— قناة الجزيرة (@AJArabic) June 22, 2026
الهجوم بدأ قبل السجدة
ورغم أن لقطة السجود كانت الشرارة التي فجّرت الحملة، فإن تتبع النقاشات على منصة "إكس" يكشف أن الهجوم على لامين جمال سبق المباراة بساعات.
فقد تصاعد الجدل عقب نشر صحيفة The Telegraph مقالًا تناول مواقف اللاعب الأخيرة، ومنها رفضه للعنصرية خلال مباراة ودية أمام المنتخب المصري وظهوره رافعًا علم فلسطين أثناء احتفالات ناديه بالبطولات المحلية.
ورأت بعض الحسابات اليمينية أن اللاعب بات يستخدم شهرته للتعبير عن مواقفه الشخصية، بينما دافع آخرون عنه معتبرين أن التضامن مع القضايا الإنسانية لا ينبغي أن يُقدَّم باعتباره أمرًا مثيرًا للجدل أو سببًا للهجوم على لاعب شاب.
ومع انتشار المقال على نطاق واسع وتحقيقه ملايين المشاهدات، جاءت سجدة الاحتفال لتمنح تلك الأصوات مادة جديدة دفعت الحملة إلى مستويات أكبر من الانتشار والتفاعل.
"إسبانيا مسيحية".. خطاب ديني يقود الحملة
أظهرت التحليلات أن الموجة الأولى من الهجوم انطلقت أساسًا من حسابات قومية ويمينية إسبانية ركزت على البعد الديني في الاحتفال.
وتداولت هذه الحسابات رسائل تؤكد أن إسبانيا دولة ذات جذور مسيحية، في محاولة لتقديم سجدة اللاعب بوصفها تحديًا للهوية الدينية والثقافية للبلاد.
كما شاركت مؤسسات ومنصات محسوبة على التيار اليميني المتطرف في نشر تعليقات ربطت بين احتفال اللاعب ومستقبل الهوية الإسبانية، فيما انضمت صفحات دينية أجنبية إلى الحملة، مهاجمة اللاعب بسبب ديانته الإسلامية أكثر من أي جانب رياضي يتعلق بأدائه داخل الملعب.
وبدا واضحًا أن النقاش لم يعد يدور حول مباراة كرة قدم أو طريقة احتفال لاعب بهدف، بل تحول إلى ساحة سجال أيديولوجي وديني أوسع.
أصوله المغربية في قلب الحملة
ومع توسع دائرة التفاعل، انتقل الخطاب من انتقاد السجدة إلى التشكيك المباشر في هوية اللاعب وانتمائه الوطني.
فقد ركزت عشرات المنشورات على أصول لامين جمال المغربية والغينية، واستخدمتها لتصويره على أنه لا يمثل إسبانيا الحقيقية، رغم أنه لاعب دولي اختار تمثيل المنتخب الإسباني رسميًا منذ سنوات.
وتكررت الإشارات إلى خلفيته العائلية بشكل لافت، في إطار خطاب يرى أن نجاح اللاعبين من أصول مهاجرة يعكس تحولات ديموغرافية وثقافية داخل المجتمعات الأوروبية.
كما دعت بعض الحسابات إلى استبعاده من المنتخب، معتبرة أن الانتماء الوطني لا يُقاس بالجنسية الرسمية فقط، بل بالخلفية الثقافية والدينية أيضًا، وهو طرح واجه انتقادات واسعة من مناهضي العنصرية والمدافعين عن التنوع داخل الرياضة الأوروبية.
سردية "الإحلال السكاني" تعود إلى الواجهة
واحدة من أكثر الأفكار حضورًا في الحملة كانت ما يعرف لدى اليمين المتطرف الأوروبي بنظرية "الإحلال السكاني"، وهي السردية التي تزعم أن المهاجرين يغيّرون هوية المجتمعات الأوروبية تدريجيًا.
واستخدمت حسابات يمينية صورة لامين جمال ونجاحه الرياضي لتغذية هذه الرواية، معتبرة أن بروز لاعبين من أصول مهاجرة داخل المنتخبات الوطنية يمثل دليلًا على هذا التحول.
ولم يكن اللاعب الإسباني أول من يتعرض لهذا النوع من الخطاب، إذ سبق أن واجه عدد من نجوم المنتخبات الأوروبية المنحدرين من أصول مهاجرة حملات مشابهة، خصوصًا في فرنسا وبلجيكا وألمانيا.
لكن حالة جمال اكتسبت زخمًا أكبر بسبب صغر سنه وشعبيته المتزايدة ومواقفه العلنية في قضايا إنسانية أثارت جدلًا لدى بعض الأوساط اليمينية.
شبكة منظمة خلف موجة الهجوم
وتكشف بيانات تحليل التفاعلات على منصات التواصل أن الحملة لم تكن مجرد ردود فعل عفوية أو تعليقات متفرقة.
فبحسب تحليل لآلاف المنشورات، برزت شبكة مترابطة من الحسابات اليمينية والقومية والدينية التي أعادت إنتاج الرسائل نفسها بصيغ مختلفة، مع التركيز على ثلاثة محاور رئيسية: الدين، والهجرة، والهوية الوطنية.
وأظهرت خريطة التفاعل أن عشرات الحسابات المؤثرة شاركت في نشر وتضخيم المحتوى نفسه، ما ساهم في تحويل لقطة السجود من مشهد رياضي عابر إلى قضية سياسية وثقافية واسعة الانتشار.
وفي المحصلة، تحولت سجدة لامين جمال من احتفال بهدف في كأس العالم إلى محور لحملة إلكترونية استُخدمت فيها قضايا الدين والهجرة والانتماء الوطني، في مثال جديد على كيفية توظيف الرياضة من قبل بعض التيارات السياسية لإعادة إنتاج خطابات الهوية والاستقطاب.
ويواصل Lamine Yamal، الذي يُعد أحد أبرز المواهب الصاعدة في كرة القدم العالمية، مسيرته مع المنتخب الإسباني ونادي FC Barcelona، وسط تصاعد الاهتمام الإعلامي والجماهيري به داخل الملعب وخارجه.

