يكشف تعثر مشروع تاور باي في غرب بورسعيد عن مأساة سكنية صنعتها سنوات من التراخي الرسمي، إذ ظل مئات الحاجزين ينتظرون وحدات دفعوا ثمنها كاملاً بينما توقفت الإنشاءات وتبددت وعود التسليم.
تتضاعف خطورة الأزمة لأن الأرض سُحبت بحكم وإجراءات رسمية، واقتُطع معظمها لمشروع محطة تحلية، فيما بقي العملاء عالقين بين عقود قائمة وواقع إنشائي منهار دون حل واضح يحفظ أموالهم وحقوقهم.
أرض مسحوبة وتسويق مستمر
بدأت الأزمة بتخصيص 107 أفدنة لشركة تاور للتطوير العقاري في غرب بورسعيد لإنشاء مشروع سياحي وسكني متكامل، غير أن التقاعس عن تنفيذ الجدول الزمني حول التخصيص إلى ورقة تسويق بدل التزام ببناء مساكن وخدمات حقيقية.
لم يكن سحب الأرض خطوة مفاجئة للعملاء الذين ظلوا يراقبون تعطل التنفيذ، بل نتيجة إدارية معلنة لانعدام الجدية، ومع ذلك لم يظهر تدخل مبكر يحمي المتعاقدين أو يمنع استمرار جمع الأموال باسم مشروع متعثر.
ثبّت القضاء الإداري سلامة سحب كامل المساحة وأكد انقطاع الصلة القانونية للشركة بالأرض، ثم انتزعت الدولة فعلياً الجزء الأكبر منها لمحطة تحلية، لكن السؤال الأخطر بقي بلا جواب: من عالج مصير العقود التي بيعت للمواطنين؟.
اقتطاع نحو 70 فداناً من أصل 107 أفدنة لا يمثل تعديلاً بسيطاً في المخطط، بل يهدم أساس المشروع الذي سُوّق باعتباره مدينة سكنية وسياحية متكاملة تضم مرافق ومساحات خضراء وخدمات تجارية.
تحويل المساحة المتبقية إلى نحو 37 فداناً فقط يجعل المخطط الأصلي مستحيلاً هندسياً وعملياً، ويكشف أن الحاجز لم يشتر شقة منفصلة فقط، بل دفع مقابلاً لخدمات وبيئة عمرانية لم تعد قائمة.
ويرى المهندس ممدوح حمزة، الخبير الهندسي المعروف بمعارضته لسياسات الحكومة العقارية، أن سحب الأرض لا يعفي جهة التخصيص من واجب حماية الحاجزين، لأن اعتماد المشروع رسمياً منح الشركة غطاءً مؤثراً في قرار المواطنين بالشراء.
فالدولة لا تستطيع الاكتفاء بإعلان سحب أرض بعد سنوات من التعثر، ثم تترك الأسر تواجه الشركة وحدها في المحاكم، بينما تظل قيمة ما دفعوه تتآكل أمام التضخم وارتفاع أسعار السكن والمواد الأساسية.
الأخطر أن غياب الإفصاح الرسمي الكامل عن مصير المشروع سمح بتحول الملف إلى مساحة ضبابية، لا يعرف فيها الحاجز هل ينتظر تسليماً مستحيلاً أم تعويضاً منقوصاً أم معركة قضائية أطول من سنوات التأخير نفسها.
حاجزون يدفعون ثمن الفشل
منذ 2017 سدد عدد من الحاجزين أقساطهم والتزاماتهم وفق العقود، لكنهم لم يحصلوا على وحداتهم، في مشهد يختصر اختلالاً فادحاً يجعل المواطن يدفع الثمن مقدماً بينما يتأجل التزام المطور بلا سقف زمني حقيقي.
توضح قضية إحدى الحاجزات أن التعاقد جرى في إبريل 2018 على وحدة بالمرحلة الأولى، مع موعد تسليم في يناير 2022 وإمكانية مد محدودة، إلا أن التسليم لم يحدث حتى عند اللجوء إلى القضاء.
بدلاً من أن تكون العقود ضمانة صريحة لحقوق المشترين، تحولت إلى أوراق يضطر أصحابها لاستخدامها دفاعاً عن حق بديهي، هو تسلم وحدة دفعوا ثمنها في الموعد والمواصفات المتفق عليها.
وتبدو الإعلانات التي استمرت في عرض وحدات جديدة للبيع بعد سحب الأرض علامة مثيرة للقلق، لأنها توحي بوجود فجوة خطيرة بين الواقع القانوني والتنفيذي للمشروع وبين الصورة التي تُعرض للمتعاملين في الشوارع.
ويرى الدكتور عبد الخالق فاروق، الخبير الاقتصادي المعارض لسياسات الحكومة، أن ترك المواطنين في مواجهة المطورين المتعثرين يعكس انحيازاً عملياً لرأس المال على حساب المدخرات الصغيرة، ويقوض الثقة في سوق العقارات بالكامل.
ولا تتوقف الخسارة عند أموال الحجز والأقساط، إذ تحملت الأسر كلفة الإيجار والانتظار وتأجيل الزواج والانتقال، بينما تضاعفت أسعار العقار بصورة تجعل شراء بديل مماثل حلماً بعيداً عن قدرة كثير من المتضررين.
حكم أول درجة ألزم الشركة بتسليم الوحدة وتعويض الحاجزة بمبلغ 130 ألف جنيه عن التأخير من يناير 2023 حتى نهاية مارس 2025، وهو حكم يكشف أن التأخير لم يكن ادعاءً عابراً بل ضرراً قضائياً ثابتاً.
وحين طلبت الشركة إعادة التوازن المالي ورفع قيمة الوحدة تحت ذريعة ارتفاع تكاليف البناء، رفضت المحكمة ذلك، لأن تقلبات الأسعار لا تمنح المطور رخصة مفتوحة للتنصل من العقود بعد تحصيل الأموال من العملاء.
أحكام فردية وعجز مؤسسي
تأييد محكمة الاستئناف لحكم التسليم والتعويض يمثل انتصاراً قانونياً مهماً للحاجزة، لكنه لا يكفي لمعالجة مأساة مئات المتعاقدين، لأن العدالة الفردية تظل بطيئة حين يكون الخلل جماعياً وممتداً لسنوات.
تكشف القضية أن الشركة خسرت محاولة تعديل السعر قضائياً، ومع ذلك يبقى التنفيذ الفعلي هو الاختبار الحقيقي، فلا قيمة لحكم بالتسليم إذا كانت الأرض الأصلية تقلصت والمشروع فقد مقوماته وخدماته التي جرى التسويق بها.
المطلوب ليس ترك كل حاجز يبدأ من الصفر في دعوى مستقلة، بل تدخل مؤسسي يلزم الجهات المعنية بحصر المتضررين، وتحديد موقف كل عقد، وإعلان خريطة واقعية قابلة للتنفيذ بعيداً عن الوعود العامة.
ويرى المحامي الحقوقي خالد علي، المعارض لسياسات الحكومة، أن حماية الملكية لا تكتمل بمجرد صدور أحكام فردية، بل تقتضي آلية جماعية تضمن التنفيذ والتعويض العادل ومساءلة من سمح بتفاقم الأزمة طوال هذه السنوات.
تقع على الجهات الرقابية مسؤولية فحص استمرار الدعاية وبيع الوحدات بعد تغير وضع الأرض، والتحقق من الأموال المحصلة وأوجه إنفاقها، لأن الصمت في مثل هذه القضايا يحول الرقابة إلى إجراء شكلي بلا أثر.
كما تحتاج المحافظة وهيئة المجتمعات العمرانية إلى لجنة هندسية ومالية مستقلة، تعلن للرأي العام نسبة الإنشاءات الحقيقية، ووضع المرافق، وقدرة المساحة المتبقية على استيعاب العقود السابقة دون انتقاص من حقوق الحاجزين.
وإذا تعذر تنفيذ المخطط المتعاقد عليه، يجب فتح مسار واضح للتعويض العادل أو توفير بدائل مكافئة، لا أن يُدفع المواطن إلى قبول وحدة أقل قيمة أو انتظار مفتوح يخدم الشركة ولا ينصف الضحايا.
وأخيرا فقضية تاور باي ليست خلافاً تجارياً عادياً، بل امتحان لمدى جدية الحكومة في حماية المواطنين من مشروعات تُباع بالتصورات اللامعة ثم تنهار عند أول اختبار للتنفيذ والرقابة والمحاسبة.

