في ليلة كروية استثنائية، اقترب منتخب مصر تأهله إلى دور الـ32 في كأس العالم بنسبة كبيرة، بعدما حقق فوزًا تاريخيًا على نيوزيلندا بثلاثة أهداف مقابل هدف، في مباراة قلب خلالها الفراعنة تأخرهم بهدف إلى انتصار ثمين أعاد كتابة تاريخهم في المونديال.
منتخب مصر دخل المباراة تحت ضغط كبير، ليس فقط بسبب حسابات التأهل، ولكن أيضًا بسبب الإرث الثقيل الذي ظل يطارده في كأس العالم. ومع نهاية الشوط الأول، بدا المشهد صعبًا بعدما تأخر الفراعنة بهدف دون رد، في سابقة تحدث لأول مرة للمنتخب المصري بالمونديال، إذ لم يسبق له أن أنهى الشوط الأول متأخرًا في مبارياته الثماني السابقة. لكن ما حدث بعد ذلك كان تحولًا كاملًا في الشخصية والأداء والنتيجة.
عاد المنتخب المصري في الشوط الثاني بصورة مختلفة، ونجح في قلب الطاولة على نيوزيلندا، مسجلًا ثلاثة أهداف منحت الفراعنة أول فوز في تاريخهم بكأس العالم، ورفعت رصيدهم إلى 4 نقاط في صدارة المجموعة قبل الجولة الختامية. هذا الانتصار منح مصر دفعة هائلة في سباق التأهل إلى دور الـ32، بنسبة تتجاوز 90%، بل إن الحسابات تجعل فرص العبور قائمة بقوة حتى في أسوأ السيناريوهات، سواء كمتصدر أو وصيف أو ضمن أفضل المنتخبات أصحاب المركز الثالث.
الفوز المصري لم يكن عاديًا في أرقامه؛ فلأول مرة يسجل المنتخب ثلاثة أهداف في مباراة واحدة بكأس العالم، بعدما اكتفى طوال مشاركاته السابقة بتسجيل ستة أهداف فقط. كما أصبح المنتخب المصري عاشر منتخب إفريقي يحقق فوزًا في كأس العالم، بعد منتخبات عريقة مثل المغرب وتونس والجزائر والكاميرون ونيجيريا والسنغال وغانا وكوت ديفوار وجنوب إفريقيا.
صدارة ثمينة وحسابات مفتوحة قبل مواجهة إيران
بعد الفوز على نيوزيلندا، تصدر منتخب مصر مجموعته برصيد 4 نقاط، بينما توقف رصيد نيوزيلندا عند نقطة واحدة في المركز الأخير، في حين يملك منتخبا بلجيكا وإيران نقطتين لكل منهما قبل الجولة الختامية. هذه الوضعية جعلت المنتخب المصري قريبًا جدًا من التأهل، لكنها في الوقت ذاته أبقت الحسابات مفتوحة حتى صافرة النهاية في الجولة الأخيرة.
مواجهة مصر المقبلة أمام إيران ستكون حاسمة في تحديد مركز الفراعنة النهائي. الفوز يعني تأهل مصر في صدارة المجموعة دون انتظار أي نتيجة أخرى، بينما يمنح التعادل المنتخب فرصة قوية للحفاظ على القمة، بشرط تعثر بلجيكا أمام نيوزيلندا أو فوزها بفارق لا يتجاوز هدفين. أما الخسارة أمام إيران فستفقد مصر الصدارة رسميًا، لكنها لا تعني الخروج، إذ تبقى فرص التأهل قائمة سواء في المركز الثاني أو الثالث حسب نتيجة بلجيكا ونيوزيلندا.
في حال استمرار مصر في الصدارة، سيلعب المنتخب أمام أحد أفضل أصحاب المركز الثالث من مجموعات محددة تضم الأولى والخامسة والثامنة والتاسعة والعاشرة، وذلك يوم الأربعاء 1 يوليو في الحادية عشرة مساء. أما إذا تأهل المنتخب وصيفًا، فسيواجه وصيف المجموعة الرابعة، والذي قد يكون باراجواي أو أستراليا، في التاسعة مساء الجمعة 3 يوليو. وفي حال التأهل ضمن أفضل الثوالث، قد يصطدم الفراعنة بمتصدر المجموعة الثانية أو التاسعة، وهو سيناريو قد يقود لمواجهة قوية أمام كندا أو فرنسا وفق الترتيب الحالي.
هذه الحسابات تؤكد أن منتخب مصر وضع قدمًا قوية في الدور المقبل، لكنه لا يزال مطالبًا بالتعامل بجدية كاملة مع مواجهة إيران. فالصدارة لا تمنح فقط أفضلية معنوية، بل قد تفتح طريقًا أكثر توازنًا في الأدوار الإقصائية، بينما قد تؤدي الخسارة أو التراجع للمركز الثالث إلى مواجهة أكثر صعوبة أمام منتخبات كبرى.
صلاح يقود المشهد ويواصل مطاردة التاريخ
كالعادة، كان محمد صلاح حاضرًا في قلب الحدث، ليس فقط بتأثيره الفني، بل أيضًا بأرقامه التاريخية التي واصل إضافتها إلى سجله مع منتخب مصر. أصبح صلاح أكبر لاعب إفريقي يسجل ويصنع هدفًا في مباراة واحدة بكأس العالم بعمر 34 عامًا و7 أيام، كما أصبح أكبر لاعب يسجل لمنتخب مصر في المونديال، متجاوزًا رقم مجدي عبد الغني الذي سجل في نسخة 1990 بعمر 30 عامًا و320 يومًا.
صلاح رفع رصيده من المساهمات التهديفية مع منتخب مصر في كأس العالم إلى خمس مساهمات، بعدما سجل ثلاثة أهداف وصنع هدفين، ليصبح أكثر لاعب مصري تأثيرًا هجوميًا في تاريخ المنتخب بالمونديال. كما رفع رصيده العام مع منتخب مصر إلى 66 هدفًا، ليقترب بفارق هدفين فقط من حسام حسن، الهداف التاريخي للفراعنة والمدير الفني الحالي للمنتخب.
الأرقام لم تتوقف عند التسجيل والصناعة، فقد كان صلاح أكثر لاعب مساهمة في التسديدات خلال المباراة، بعدما سدد خمس مرات وصنع خمس فرص، بإجمالي عشر مساهمات مباشرة في المحاولات الهجومية. ومنذ عام 2018، لم يخسر منتخب مصر أي مباراة سجل فيها محمد صلاح، حيث حقق الفوز في 22 مباراة وتعادل في مباراتين، وهو رقم يعكس حجم تأثيره على نتائج المنتخب.
كما شهدت المباراة رقمًا لافتًا آخر، بعدما أصبح مصطفى زيكو أول لاعب في تاريخ منتخب مصر يسجل ويصنع هدفًا في مباراة واحدة بكأس العالم، قبل أن يكرر محمد صلاح الإنجاز نفسه في المباراة ذاتها، بعدما سجل الهدف الثاني وصنع الهدف الثالث لتريزيجيه. وبهذا الانتصار، ارتفع عدد هدافي مصر في كأس العالم إلى ستة لاعبين: محمد صلاح، عبد الرحمن فوزي، مجدي عبد الغني، إمام عاشور، مصطفى زيكو، وتريزيجيه.
حسام حسن يكسر العقدة وتريزيجيه بديل ذهبي
الفوز التاريخي حمل توقيعًا معنويًا خاصًا لحسام حسن، الذي أصبح أول مدرب إفريقي يحقق الفوز كلاعب ومدرب في البطولات الكبرى، سواء في كأس العالم أو كأس الأمم الإفريقية. وبالنسبة لجماهير الكرة المصرية، فإن رؤية حسام حسن يقود منتخب مصر لهذا الانتصار تحمل رمزية كبيرة، خاصة أنه أحد أكثر الأسماء ارتباطًا بتاريخ الفراعنة وروحهم القتالية.
المنتخب المصري لم يكتفِ بكسر عقدة الفوز، بل أظهر شخصية قوية بعدما حول تأخره إلى انتصار، ليصبح أول منتخب إفريقي ينجح في قلب تأخره لفوز في كأس العالم منذ فوز تونس على بنما عام 2018. هذه العودة تعكس جانبًا مهمًا في شخصية المنتخب، خاصة أن التأخر بهدف في الشوط الأول كان كفيلًا بإرباك الحسابات وإثارة القلق، لكن الفراعنة نجحوا في الرد بثلاثية تاريخية.
ومن بين أبرز لقطات المباراة، تألق تريزيجيه بعد دخوله بديلًا في الدقيقة 76، حيث احتاج إلى ست دقائق فقط ليسجل الهدف الثالث ويؤكد انتصار مصر. بهذا الهدف، أصبح تريزيجيه أول لاعب بديل في تاريخ منتخب مصر يسجل في كأس العالم، كما أصبح هو ومحمد صلاح أكثر اللاعبين المصريين مشاركة في المونديال برصيد أربع مباريات لكل منهما.
كما برز اسم حمزة عبد الكريم، الذي أصبح أصغر لاعب إفريقي يحقق فوزًا مع منتخب بلاده في كأس العالم بعمر 18 عامًا و171 يومًا، في رقم يعكس دخول جيل جديد إلى المشهد المصري بثقة وطموح.
فوز مصر على نيوزيلندا لم يكن مجرد نتيجة مهمة في مجموعة صعبة، بل كان إعلانًا عن لحظة تحرر تاريخية من عقدة طال انتظار نهايتها. الفراعنة لم يحققوا انتصارهم الأول فقط، بل فعلوا ذلك بطريقة درامية، بعد تأخر ثم عودة ثم ثلاثية، ومع أرقام قياسية لصلاح وتريزيجيه وزيكو وحسام حسن. والآن، تقف مصر على أعتاب دور الـ32، والجمهور ينتظر مواجهة إيران بأمل كبير في تثبيت الصدارة ومواصلة الحلم.

