حذر منتجو الدواجن وبيض المائدة في مصر من انهيار قطاع تتراوح استثماراته بين 100 و200 مليار جنيه، بعدما تسبب فائض الإنتاج وهبوط الأسعار دون التكلفة في خسائر واسعة تهدد بخروج آلاف المربين من السوق.

 

سياسيا، تكشف الأزمة تخلي نظام الانقلاب المنشغل بإدارة اقتصاد الأجهزة السيادية عن وظيفته الأصلية في حماية الأسواق، فيما يتحمل المربون خطر الإفلاس ويواجه المستهلكون احتمال عودة الغلاء بعد انهيار القدرة المحلية على الإنتاج.

 

وتوضح الوقائع أن نجاح القطاع في تحقيق الاكتفاء والفائض تحول إلى عقوبة، لأن الحكومة لم تبن منظومة للتصدير أو التخزين والتصنيع، وتركت المنتج والمستهلك رهينين لدورات عشوائية تتأرجح بين الندرة المرهقة والوفرة المدمرة.

 

وفرة تتحول إلى خسائر

 

فبينما هبط سعر كيلو الدواجن الحية داخل المزرعة إلى أقل من 60 جنيها بعد بلوغه 120 جنيها، تراجعت كرتونة البيض إلى أقل من 80 جنيها مقارنة بأكثر من 200 جنيه العام الماضي.

 

وفي المقابل، لا تعني الأسعار المنخفضة استقرار السوق، إذ تتراوح تكلفة إنتاج كيلو الدواجن بين 70 و75 جنيها، بما يجعل كل عملية بيع خسارة مباشرة تدفع المربين إلى تقليص الدورات أو مغادرة النشاط.

 

وبحسب بيانات المنتجين، بلغ إنتاج مصر نحو 16 مليار بيضة سنويا، بينما يدور الاستهلاك المحلي بين 10 و11 مليارا، ما يترك فائضا يتراوح بين 5 و6 مليارات بيضة بلا منافذ تصديرية أو صناعية كافية.

 

وعلى صعيد الطلب، تزامن انتهاء العام الدراسي وارتفاع درجات الحرارة مع موسم تراجع استهلاك البيض، بينما زادت وفرة اللحوم الحمراء بعد عيد الأضحى من الضغوط على الدواجن، فتكدست الكميات وانخفضت الأسعار بسرعة.

 

كذلك عمق ضعف القوة الشرائية الأزمة، فالمواطن الذي أنهكته موجات التضخم لم يعد قادرا على توسيع استهلاكه رغم انخفاض الأسعار، ما يكشف أن تراجع الطلب ليس رفاهية غذائية بل نتيجة مباشرة للفقر المتصاعد.

 

أما التوسع الإنتاجي، فقد جاء بعد ارتفاعات قياسية خلال عامي 2023 و2024 شجعت مستثمرين ومربين على زيادة الطاقة، مستفيدين من الإفراج عن شحنات الذرة والصويا وتحسن توافر الأعلاف، قبل أن تنقلب الوفرة ضدهم.

 

وفي السياق ذاته، يكشف هذا التحول غياب قواعد بيانات وإنذار مبكر تربط قرارات التربية بحجم الاستهلاك والمخزون والأسواق الخارجية، فدخل المنتجون دورات جديدة دون معلومات كافية، ثم دفعوا وحدهم فاتورة التخمة المفاجئة.

 

المرض يضاعف كلفة الإنتاج

 

اقتصاديا، يضم القطاع أكثر من 38 ألف منشأة داجنة ويوفر عملا مباشرا وغير مباشر لأكثر من 3 ملايين و500 ألف مواطن، كما يحقق اكتفاء ذاتيا يقترب من 97 في المئة في إنتاج الدواجن المحلية.

 

ومن ناحية أخرى، حذر مربون من انتشار فيروس يعرف باسم الالتهاب الشعبي المعدي داخل المزارع، مؤكدين أن ضعف الأدوية وصعوبة استيراد لقاحات متطورة رفعا معدلات الإصابة والنفوق وزادا خسائر المنتجين خلال الأسابيع الأخيرة.

 

علاوة على ذلك، قال منتجون إن وزارة الزراعة لم تدبر العملة الصعبة المطلوبة للقاحات الأحدث، واكتفت ببدائل محلية لا تلاحق تحورات الفيروس، ما اضطر مزارع إلى بيع دواجن صالحة للذبح قبل اكتمال دورتها.

 

غير أن شعبة الدواجن نفت ارتباط الانهيار بالفيروس، وأكدت أن المرض موجود منذ سنوات وأن لقاحاته متاحة محليا، معتبرة أن جوهر الأزمة هو هبوط الأسعار الحاد بالتزامن مع تضخم تكاليف التربية والتشغيل.

 

وبالتوازي، ارتفع سعر كتكوت التربية إلى نحو 40 جنيها، بينما زادت أسعار الأعلاف والسولار والكهرباء والعمالة والأدوية البيطرية، فتقلص هامش تحمل الخسائر ولم تعد المزارع قادرة على عبور موجة الهبوط بأمان.

 

إلى جانب ذلك، شكا مربون من إتاوات مالية تفرضها أجهزة محلية دون مراعاة للخسائر، في صورة أخرى لدولة تجيد تحصيل الأموال من المنتجين لكنها تتأخر عندما يحتاج القطاع إلى حماية صحية وتنظيمية حقيقية>

 

ونتيجة لذلك، بدأ عدد من المزارع تقليص الإنتاج أو تأجيل دورات التربية الجديدة، وهي خطوة تنذر بتراجع سريع في المعروض لأن الصناعة تعتمد على دورات قصيرة تتأثر فور خروج صغار المربين ومتوسطيهم.

 

ومع استمرار الخسائر، قد تنكمش السوق لصالح الشركات الكبرى المرتبطة بسلاسل التوزيع، بينما يختفي المنتج الصغير الذي يمد المحافظات باحتياجاتها، بما يفتح الباب أمام الاحتكار وعودة الأسعار إلى القفز بصورة أشد.

 

تدخل متأخر وحلول ضرورية

 

برلمانيا، تقدمت نائبة بطلب إحاطة بشأن الانهيار الحاد في أسعار بيض المائدة، محذرة من خروج جماعي للمنتجين، ومطالبة بخطة عاجلة توازن بين استدامة الصناعة وحماية حق المستهلك في غذاء متاح بسعر عادل.

 

وحكوميا، عقد وزير الزراعة اجتماعا مع ممثلي المنتجين وشركات بسترة وتجفيف البيض، لبحث استيعاب الفائض وحماية المربين، وأعلن أن الحفاظ على المنتج المصري أولوية وأن القطاع يمثل ركنا أساسيا للأمن الغذائي.

 

لكن الاجتماع لا يكفي ما لم يتحول إلى قرارات قابلة للقياس، تشمل فتح أسواق تصدير سريعة وتسهيل الشهادات الصحية ودعم التبريد والتخزين، وربط المزارع بمصانع التجفيف والبسترة قبل تلف الفائض أو بيعه بخسارة.

 

ومن ثم، تحتاج الحكومة إلى شراء جزء من الفائض لصالح المدارس والمستشفيات وبرامج الحماية الاجتماعية، بما يحسن تغذية الفئات الأضعف ويمنح المنتجين منفذا مؤقتا، من دون تحميل المستهلك تكلفة إنقاذ القطاع.

 

وبناء على ذلك، يجب إنشاء آلية معلنة لمراقبة تكاليف الإنتاج وحجم الدورات والأسعار، حتى تتدخل الدولة عند الاختلال لا لتثبيت الأرباح، بل لمنع الانهيار وضمان المنافسة واستمرار المعروض بعيدا عن الاحتكار.

 

وفي المحصلة، تكشف أزمة الدواجن تناقض تطبيق توصيات صندوق النقد الدولي، إذ تطالب السلطة بالخروج من النشاط الاقتصادي بينما تسمح لأجهزتها بمزاحمة المستثمرين، ثم تغيب حين يحتاج السوق إلى التنظيم والمعلومات وفتح قنوات التصدير.

 

وإنسانيا، لا يجوز وضع المستهلك والمنتج في مواجهة زائفة، فالمواطن يحتاج سعرا محتملا والمربي يحتاج عائدا يغطي التكلفة، وأي سياسة تنحاز مؤقتا إلى طرف ستنتهي بإفقار الاثنين وإضعاف الأمن الغذائي الوطني.

 

واستراتيجيا، يمثل فائض البيض فرصة لإنشاء صناعات غذائية وتصديرية جديدة، من مسحوق البيض إلى المنتجات المبسترة، بما يضيف قيمة ويوفر وظائف ويحمي الأسعار، شرط توفير التمويل والتقنيات والاعتمادات الصحية المطلوبة.

 

وأخيرا، لن تنقذ التصريحات صناعة بهذا الحجم، وإنما تنقذها دولة تقوم بدورها كمنظم وحارس للسوق، تتوقع الفائض قبل تحوله إلى خسارة، وتواجه المرض قبل انتشاره، وتحمي الإنتاج قبل أن يعود النقص والغلاء.