شرع جيش الاحتلال الإسرائيلي في تنفيذ أعمال هندسية مفاجئة شمالي مدينة رفح، وسط اشتباه في حفر خندق يمتد لمسافة كيلومترين لعزل مناطق غرب رفح عن غرب خان يونس، بالتزامن مع تحركات عسكرية جديدة داخل حي الزيتون جنوب شرقي مدينة غزة وتقديم ما يُعرف بـ«الخط الأصفر».

 

وتكشف هذه التطورات عن استمرار الاحتلال في تغيير معالم القطاع وفرض تقسيمات ميدانية جديدة بالقوة، بينما يواجه المدنيون مزيدًا من النزوح والقصف والتجويع، في ظل حرب إبادة خلفت أكثر من 246 ألف فلسطيني بين شهيد وجريح، فضلًا عن آلاف المفقودين ومئات الآلاف من النازحين.

 

سبع آليات حفر وخندق يهدد بعزل رفح عن خان يونس

 

أفاد شهود عيان بأن جيش الاحتلال بدأ منذ أيام أعمالًا هندسية واسعة في المنطقة الشمالية من مدينة رفح جنوبي قطاع غزة، مستخدمًا سبع آليات حفر ثقيلة تعمل بصورة متواصلة في المنطقة.

 

وبحسب إفادات المواطنين، يُشتبه في أن هذه الأعمال تستهدف إنشاء خندق بطول كيلومترين، يمتد من محيط مسجد معاوية وصولًا إلى منطقة «موراج»، بما يؤدي إلى عزل غرب رفح عن غرب خان يونس وقطع التواصل الجغرافي بين المنطقتين.

 

وتثير هذه التحركات مخاوف من أن الاحتلال يمهد لفرض حدود داخلية جديدة في جنوب القطاع، وتحويل المساحات الفلسطينية إلى مناطق منفصلة ومحاصرة، بما يصعّب حركة السكان ويمنع النازحين من العودة إلى مناطقهم، حتى في حال توقف العمليات العسكرية المباشرة.

 

ولا تُعد هذه الأعمال الهندسية الأولى من نوعها في رفح؛ إذ سبق أن نفذت قوات الاحتلال عمليات شق طرق وتغيير معالم جغرافية داخل المدينة، خصوصًا في أحياء البرازيل والجنينة والعودة وتلة زعرب. وتشير التحركات الحالية إلى انتقال العمليات من داخل الأحياء إلى أطراف المدينة الشمالية، بما يوسع نطاق السيطرة العسكرية ويمنح الاحتلال قدرة أكبر على التحكم في حركة المواطنين بين رفح وخان يونس.

 

وترافقت أعمال الحفر مع تحليق مكثف لطائرات مسيرة إسرائيلية من طراز «كواد كابتر»، أطلقت النار بكثافة باتجاه خيام النازحين والمناطق المحيطة، في محاولة لمنع المواطنين من الاقتراب أو معرفة طبيعة الأعمال الجارية. ويضاعف إطلاق النار المخاطر التي تواجه العائلات النازحة، بعدما اضطرت إلى الاحتماء بخيام تفتقر إلى أدنى مقومات السلامة والحماية.

 

تقديم «الخط الأصفر» يشعل موجة نزوح في حي الزيتون

 

بالتزامن مع التحركات في رفح، نفذ جيش الاحتلال مساء الأربعاء 15 يوليو 2026 تقدمًا مفاجئًا بعدد من الآليات والدبابات داخل حي الزيتون جنوب شرقي مدينة غزة.

 

وأوضح شهود عيان أن القوات الإسرائيلية تقدمت في شارع السكة بالقرب من منطقة «كشكو»، وعملت على تقديم «الخط الأصفر» داخل الحي، في خطوة تعني توسيع نطاق المنطقة الخاضعة للسيطرة العسكرية الإسرائيلية على حساب المناطق التي لا يزال يوجد فيها السكان.

 

وجاء التوغل تحت غطاء من القصف وإطلاق النار الكثيف، حيث أطلقت الدبابات المتقدمة قذائفها باتجاه المناطق السكنية، ما أدى إلى حالة من الخوف والفوضى بين العائلات الموجودة في الحي. واضطرت عشرات الأسر إلى مغادرة منازلها والتوجه غربًا، دون أن تتمكن من حمل احتياجاتها الأساسية أو معرفة المكان الذي يمكن أن تلجأ إليه.

 

وتكشف موجة النزوح الجديدة هشاشة أوضاع المدنيين في القطاع، إذ لم تعد هناك مناطق آمنة يمكن للعائلات الانتقال إليها. فكل تقدم عسكري جديد يدفع السكان إلى النزوح مجددًا، بينما تتقلص المساحات المتاحة للحياة وتزداد الكثافة داخل مناطق الإيواء المكتظة أصلًا بالنازحين.

 

كما يثير تحريك «الخط الأصفر» مخاوف من استخدامه كأداة لابتلاع مزيد من الأراضي وفرض واقع ميداني متغير، بحيث تصبح الحدود التي يرسمها الاحتلال قابلة للتوسع كلما تحركت قواته، من دون اعتبار لوجود السكان أو ملكيتهم لمنازلهم وأراضيهم.

 

تقسيم للأرض واستمرار للإبادة والتهجير القسري

 

لا يمكن فصل حفر الخنادق وشق الطرق وتقديم الخطوط العسكرية عن الحرب الشاملة التي تشنها إسرائيل على قطاع غزة منذ 8 أكتوبر 2023 بدعم أميركي وأوروبي. فإلى جانب القتل والقصف والتجويع والاعتقال، يعمل الاحتلال على تغيير جغرافية القطاع ومحو أحيائه وفصل مدنه عن بعضها.

 

وتهدد الأعمال الهندسية الجديدة بتحويل غزة إلى جيوب سكانية معزولة، تفصل بينها خنادق وطرق عسكرية ومناطق يمنع الفلسطينيون من الاقتراب منها. كما قد تحول دون عودة النازحين إلى منازلهم، وتمنح الاحتلال سيطرة دائمة على مساحات واسعة، حتى إذا تراجعت حدة القتال.

 

وخلفت حرب الإبادة، وفق الأرقام الواردة، أكثر من 246 ألف فلسطيني بين شهيد وجريح، غالبيتهم من الأطفال والنساء، إلى جانب أكثر من 11 ألف مفقود ومئات آلاف النازحين. كما أدت المجاعة والحصار إلى وفاة أعداد متزايدة، معظمهم من الأطفال، في وقت تعرضت فيه مدن القطاع ومخيماته لدمار شامل.

 

ورغم النداءات الدولية وأوامر محكمة العدل الدولية، تواصل إسرائيل عملياتها العسكرية والهندسية، بينما يدفع المدنيون ثمن كل خندق جديد وكل خط تتقدم به الدبابات داخل مناطقهم. وبين رفح وحي الزيتون، يبدو أن الاحتلال لا يكتفي بتدمير غزة، بل يسعى إلى إعادة رسمها بالقوة على أنقاض منازل سكانها.