تواجه بريطانيا تدقيقًا ومساءلة متزايدة على خلفية نهجها الحذر نسبيًا في التعاطي مع جماعة الإخوان المسلمين وتيارات الإسلام السياسي، في الوقت الذي تكثف فيه عدد من الحكومات الأوروبية جهودها لمراقبة وتقييد الشبكات الإسلامية التي باتت تصنفها كتهديدات طويلة الأمد للمؤسسات الديمقراطية وقيم التماسك الاجتماعي.

 

النهج البريطاني والسياسة الأوروبية الصارمة 

 

وسلط تقرير صادر عن المرصد الأوروبي لمكافحة التطرف (EOCR)، الضوء على ما وصفه بـ الفجوة المتسعة بين النهج البريطاني والسياسات الصارمة والحازمة التي تتبناها بشكل متزايد الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.

 

وأشار التقرير إلى أنه في حين تقوم الحكومات في جميع أنحاء أوروبا بتوسيع نطاق المراقبة والإشراف على المنظمات المرتبطة بالإسلام السياسي، فإن بريطانيا لا تزال تميز بين الحركات الإسلامية غير العنيفة والجماعات الجهادية المتشددة، وهو موقف يقول منتقدون إنه يقلل من شأن التأثير الأيديولوجي للمنظمات الإسلامية التي تعمل ضمن الأطر القانونية.

 

ويعكس هذا الخلاف انقسامًا أوسع حول كيفية تقييم الديمقراطيات الغربية للإسلام السياسي، وما إذا كان ينبغي النظر إلى حركات مثل جماعة الإخوان المسلمين في المقام الأول على أنها جهات فاعلة دينية وسياسية، أم على أنها مشاريع أيديولوجية طويلة الأجل تسعى إلى إعادة تشكيل المجتمع من خلال التأثير التدريجي.

 

دور الشبكات الإسلامية

 

في السنوات الأخيرة، حوّلت الأجهزة الأمنية في دول من بينها ألمانيا وفرنسا والنمسا وبلجيكا والسويد وهولندا اهتمامها بشكل متزايد من مكافحة الإرهاب التقليدية إلى دراسة دور الشبكات الإسلامية في المؤسسات التعليمية والدينية والثقافية والمدنية.

 

وبرزت ألمانيا كواحدة من أوضح الأمثلة على هذا النهج المتطور.

 

وحذر سنان سيلين، المدير العام للاستخبارات الداخلية في ألمانيا، المُشرّعين مؤخرًا من أن الجماعات الإسلامية تسعى إلى ممارسة نفوذها داخل الأحزاب السياسية والمؤسسات العامة بهدف طويل الأمد يتمثل في تغيير المجتمع والدولة.

 

ووفقًا لمزاعم سيلين، فإن هذه المنظمات تعمل عمومًا في إطار القانون، لكنها لا تقبل إلا المبادئ القانونية التي تعتبرها متوافقة مع العقيدة الدينية الإسلامية، وهو رأي أصبح ذا تأثير متزايد بين مسؤولي الأمن الأوروبيين المهتمين بالتهديدات الأيديولوجية بدلاً من التهديدات العنيفة البحتة.

 

الموقف الفرنسي المتشدد

 

وتبنت السلطات الفرنسية موقفًا حازمًا مماثلاً.

 

وفي وقت سابق من هذا الشهر، أيدت محكمة إدارية في نانت حظر الحكومة للتجمع السنوي لمسلمي غرب فرنسا، وهي منظمة تعتبرها السلطات الفرنسية جزءًا من شبكة الإخوان المسلمين في البلاد.

 

وقد اُعتبر الحكم على نطاق واسع دليلاً إضافيًا على استعداد فرنسا لاستخدام الأدوات الإدارية والقانونية ضد المنظمات المشتبه في ترويجها للأيديولوجية الإسلامية.

 

وعلى النقيض من ذلك، ظلت بريطانيا أكثر ترددًا بكثير في اتخاذ تدابير مماثلة.

 

ودأبت الحكومات البريطانية المتعاقبة على الدفاع عن الحريات الواسعة للتجمع والتعبير، في حين أكدت أجزاء من المؤسسة الأمنية أن المنظمات الإسلامية غير العنيفة يمكن أن تعمل كحاجز ضد التجنيد في الجماعات المتطرفة العنيفة، مثل القاعدة وداعش.

 

وأشار التقرير إلى أن أجهزة الأمن البريطانية تركز بشكل أساسي على المنظمات المتورطة مباشرة في الإرهاب. وتُحدد البيانات المنشورة عن عمل جهاز الأمن الداخلي البريطاني (MI5) في مكافحة الإرهاب التهديدات الناجمة عن تنظيم الدولة الإسلامية والقاعدة، لكنها لا تُشير إلا قليلاً إلى جماعة الإخوان المسلمين أو النشاط الإسلامي السلمي بشكل عام.

 

الحركات الإسلامية السلمية والمنظمات الإرهابية

 

ويرى مؤيدو النهج البريطاني أن الخلط بين الحركات الإسلامية السلمية والمنظمات الإرهابية يُهدد بتقويض العلاقات المجتمعية وخلق تحديات قانونية. كما يؤكدون أن التنوع السكاني الكبير في المملكة المتحدة، وبخاصة المسلمين، يتطلب استراتيجية أكثر دقة من تلك المتبعة في أماكن أخرى من أوروبا.

 

مع ذلك، فإن الموقف البريطاني يتعرض للتشكيك بشكل متزايد على الصعيدين المحلي والدولي.

 

وداخل حزب العمال الحاكم، وفي الأوساط الأكاديمية، وفي أجزاء من مجتمع السياسات، تجادل بعض الأصوات بأن التمييز بين التطرف غير العنيف والتطرف العنيف أصبح أقل إقناعًا بمرور الوقت.

 

ويرى منتقدون أنه في حين أن العديد من الجماعات الإسلامية ترفض العنف، إلا أنها قد تساهم مع ذلك في بيئات أيديولوجية تتحدى القيم الديمقراطية الليبرالية، أو تشجع على الانفصال الاجتماعي، أو تعزز المظالم التي تستغلها لاحقًا منظمات أكثر تطرفًا.

 

وقد اشتد النقاش مع تزايد نظرة الحكومات الأوروبية إلى التطرف غير العنيف باعتباره تحديًا أمنيًا في حد ذاته.

 

وبدلاً من التركيز فقط على منع الهجمات الإرهابية، يولي صناع السياسات في جميع أنحاء القارة اهتماماً أكبر لقضايا الاندماج الاجتماعي، والمرونة الديمقراطية، وتأثير الحركات الأيديولوجية العاملة ضمن الحدود القانونية.

 

وقد اكتسبت هذه القضية أهمية بالغة وسط تغير السياسات في الولايات المتحدة.

 

وتبنت إدارة الرئيس دونالد ترامب موقفًا أكثر تصادمية تجاه جماعة الإخوان المسلمين، بحجة أنها تمثل خلفية أيديولوجية للعديد من الحركات الجهادية الحديثة.

 

وصنّفت واشنطن بالفعل بعض المنظمات المرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين ككيانات إرهابية، وأشارت إلى إمكانية اتخاذ مزيد من الإجراءات ضد الجماعات التابعة لها.

 

ويزعم المسؤولون الأمريكيون أن هناك روابط أيديولوجية بين الإسلام السياسي والجهاد العنيف حتى عندما تتبع المنظمات أساليب مختلفة.

 

إلا أن هذا الرأي لا يزال مثيرًا للجدل في أوروبا، حيث لا تزال الحكومات منقسمة حول ما إذا كانت التصنيفات الأوسع نطاقًا يمكن أن تخلق تعقيدات قانونية أو تُنفّر قطاعات من المجتمعات المسلمة.

 

الاتجاه الأوروبي نحو الإخوان 

 

وعلى الرغم من هذه الاختلافات، يقول المحللون إن الاتجاه الأوروبي العام يتجه نحو مراقبة أدق للشبكات المرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين وتدقيق أكبر في أنشطتها في المؤسسات التعليمية والدينية والاجتماعية.

 

وبالنسبة لبريطانيا، أصبح التحدي أكثر حدة.

 

في حين إن الحكومات في بريطانيا لا تزال ملتزمة بالحفاظ على التقاليد الليبرالية التي شكلت السياسة البريطانية لفترة طويلة، فإنها تواجه أيضًا ضغوطًا متزايدة من الشركاء الأوروبيين والنقاد المحليين لإعادة تقييم الافتراضات التي قامت عليها العلاقات مع الحركات الإسلامية لعقود.

 

ونتيجة لذلك، امتد النقاش الآن إلى ما هو أبعد من جماعة الإخوان المسلمين نفسها، وتطرق إلى سؤال أوسع يواجه الديمقراطيات الغربية: كيف يمكن الاستجابة للحركات الأيديولوجية التي تعمل في إطار القانون بينما تدعو إلى رؤى سياسية واجتماعية يجادل النقاد بأنها تتعارض بشكل أساسي مع مبادئ الديمقراطية الليبرالية.

 

ومع استمرار تطور المخاوف الأمنية في جميع أنحاء أوروبا، يقول المحللون إن الضغط من أجل مزيد من التقارب بين الحكومات الغربية من المرجح أن يتزايد، مما يجعل بريطانيا تواجه تحديًا متزايدًا للدفاع عن استراتيجية كانت تميزها في السابق عن جيرانها ولكنها الآن تحت مجهر رقابة وتدقيق غير مسبوقين.

https://middle-east-online.com/en/report-highlights-growing-uk-eu-divide-over-muslim-brotherhood