بينما تستعد الحكومة لافتتاح مشروع «التجلي الأعظم» في مدينة سانت كاترين بعد تجاوز نسبة تنفيذه 97.5%، يبقى النزاع القضائي حول ملكية أراضي دير سانت كاترين والمناطق المحيطة به عائقًا أمام الانطلاق الرسمي للمشروع.

 

وتتجه الأنظار إلى محكمة النقض، التي يُنتظر أن تصدر حكمها في 23 أغسطس المقبل، في قضية تتجاوز حدود الخلاف العقاري لتلامس مستقبل واحد من أقدم المراكز الدينية والتاريخية في العالم، وعلاقة الدولة بالرهبان المقيمين في الدير، ومصير 74 قطعة أرض قضت محكمة الاستئناف بأحقية محافظة جنوب سيناء فيها.

 

مشروع سياحي ضخم يسبق حسم ملكية الأرض

 

أعلنت الحكومة مشروع «التجلي الأعظم» في نوفمبر 2021، بوصفه خطة شاملة لإعادة تقديم مدينة سانت كاترين عالميًا باعتبارها مقصدًا للسياحة الروحانية، وملتقى للديانات السماوية الثلاث، مستفيدة من القيمة الدينية والتاريخية والطبيعية الاستثنائية للمنطقة.

 

وتجاوزت نسبة تنفيذ المشروع 97.5%، بعد إقامة منشآت سياحية وسكنية وخدمية واسعة النطاق، تشمل فندقًا بجوار الجبل ومنتجعًا بيئيًا يضمان 366 غرفة، إلى جانب نحو 1500 شاليه وفيلا، وقاعة للمؤتمرات وأخرى للاحتفالات، ومسرح ومتحف، فضلًا عن إنشاء مناطق سكنية وسياحية جديدة، وتطوير المناطق البدوية القديمة ورفع كفاءة الطرق.

 

وتكشف ضخامة هذه الإنشاءات أن المشروع لا يقتصر على تحسين الخدمات أو تجميل المدينة، بل يستهدف إعادة تشكيل المنطقة عمرانيًا وسياحيًا. غير أن وصوله إلى مراحله النهائية قبل حسم النزاع القانوني يطرح تساؤلات حول الأساس الذي استندت إليه الحكومة في تنفيذ استثمارات بهذا الحجم فوق أراضٍ ظلت ملكيتها محل تقاضٍ لسنوات.

 

كما يثير المشروع مخاوف من تأثير التوسع الفندقي والعقاري على الطابع الروحي والبيئي للمدينة، خاصة أن سانت كاترين ليست مجرد وجهة سياحية تقليدية، وإنما منطقة ذات خصوصية دينية وتاريخية، وتضم نظامًا بيئيًا وجبليًا شديد الحساسية.

 

ومن ثم، فإن نجاح المشروع لن يُقاس بعدد الغرف والشاليهات فقط، بل بقدرته على حماية هوية المكان وعدم تحويله إلى منتجع عقاري يفقد تدريجيًا قيمته التاريخية.

 

نزاع قضائي ممتد منذ 2014 على 74 قطعة أرض

 

بدأ النزاع القانوني رسميًا في 30 نوفمبر 2014، عندما وجّه الممثل القانوني لمحافظة جنوب سيناء والممثل القانوني للوحدة المحلية لمدينة سانت كاترين إنذارًا إلى ديمتري ساماتريس دميانوس، مطران دير سانت كاترين، بشأن الأراضي المحيطة بالدير.

 

وانتقل الخلاف إلى القضاء عبر الدعوى رقم 24 لسنة 2015 مدني كلي شرم الشيخ، قبل أن تصدر محكمة جنوب سيناء حكمها في 30 مايو 2020 بطرد مطران الدير من الأراضي المحيطة، وتسليمها بما عليها من منشآت، مع اعتبار تلك المنشآت تعويضًا عن عدم الانتفاع بالأراضي منذ التاريخ الذي وصفه الحكم ببداية «الغصب» وحتى صدوره.

 

ولم تتوقف القضية عند حكم أول درجة؛ إذ تقدم محافظ جنوب سيناء بالاستئناف رقم 226 لسنة 32 قضائية، وانضم إليه وزير الآثار ورئيس مجلس إدارة جهاز شؤون البيئة، بينما قدم مطران الدير الاستئناف رقم 228 لسنة 32 قضائية.

 

وفي 28 مايو 2025، أصدرت محكمة استئناف الإسماعيلية حكمها في الاستئنافين، برفض استئناف المطران وتأييد أحقية محافظة جنوب سيناء في أراضي الدير، التي يبلغ عددها 74 قطعة. وبذلك أصبح الدير أمام تحول قانوني بالغ الخطورة، إذ لم يعد الخلاف متعلقًا بحدود قطعة واحدة، بل بمساحات واسعة وما أُقيم عليها من مبانٍ وحدائق ومنشآت استخدمها الرهبان على مدى عقود.

 

وبحسب مصادر كنسية، دخلت الحكومة ورهبان الدير في مفاوضات لتنفيذ الحكم عبر نقل ملكية الدير والأراضي المحيطة به إلى الدولة، مقابل السماح للرهبان بالانتفاع بالدير وبعض الحدائق نظير رسوم رمزية، ومنحهم إقامات رسمية تُجدد كل ثلاث سنوات بدلًا من التجديد السنوي. إلا أن المفاوضات توقفت في انتظار الكلمة الأخيرة لمحكمة النقض.

 

تاريخ يمتد إلى القرن الثالث أمام اختبار الاستثمار والسيادة

 

تعود بدايات الرهبنة في سيناء إلى القرن الثالث الميلادي، عندما استقر الرهبان الأوائل بالقرب من موقع شجرة العليقة، التي تروي المعتقدات الدينية أن الله تحدث عندها إلى النبي موسى، وأقاموا كنائس وقلايات صغيرة في المنطقة.

 

وفي القرن السادس الميلادي، أمر الإمبراطور يوستينيانوس ببناء كنيسة كبيرة لرهبان سيناء، وأحاط الكنيسة والمباني الأقدم بأسوار مرتفعة لحمايتها، لتتحول هذه المنشآت لاحقًا إلى دير سانت كاترين بصورته التاريخية المعروفة. وبحلول القرن السابع، كان نحو 600 راهب يعيشون في أنحاء سيناء.

 

ويتبع الدير أبرشية الروم الأرثوذكس في سيناء، التي ترتبط تاريخيًا بكنيسة الروم الأرثوذكس في اليونان، وروحيًا بكنيسة القدس. وظلت الأبرشية تابعة لبطريركية القسطنطينية حتى حصلت على استقلالها عام 1575، لتصبح منذ ذلك الوقت كنيسة أرثوذكسية مستقلة.

 

لهذا لا يمكن التعامل مع النزاع باعتباره خلافًا عقاريًا مجردًا، ولا مع «التجلي الأعظم» باعتباره مشروعًا سياحيًا فقط. فحكم النقض المنتظر سيحدد الإطار القانوني لعلاقة الدولة بالدير، وشروط استمرار الرهبان، ومستقبل الأراضي والمنشآت المحيطة، كما سيؤثر في صورة مصر أمام الكنائس الأرثوذكسية والجهات الدولية المعنية بحماية التراث.

 

وبين مشروع حكومي أوشك على الاكتمال ودير يمتد تاريخه لأكثر من 17 قرنًا، تقف سانت كاترين أمام لحظة فاصلة: إما الوصول إلى صيغة تحمي السيادة القانونية للدولة وتحفظ في الوقت نفسه الوجود التاريخي والروحي للدير، أو فتح الباب أمام صراع طويل تصبح فيه قيمة الأرض والاستثمار العقاري أقوى من ذاكرة المكان وهويته.