وجّه نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس اتهامات مباشرة إلى مسؤولين داخل الحكومة الإسرائيلية بمحاولة التأثير على السياسة الأمريكية وإفشال التفاهمات مع إيران، مؤكدًا أن أطرافًا إسرائيلية سعت إلى إطالة أمد الحرب عبر حملات إعلامية ممولة والتلاعب بالرأي العام داخل الولايات المتحدة، جاء ذالك في واحدة من أكثر التصريحات الأمريكية حدة تجاه إسرائيل منذ عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض.

 

وجاءت تصريحات فانس خلال مقابلة مطولة استمرت نحو ثلاث ساعات في بودكاست "جو روغان إكسبيرينس"، حيث تناول خلالها ملفات الحرب مع إيران، والعلاقات الأمريكية الإسرائيلية، والضغوط السياسية داخل واشنطن، إضافة إلى قضية رجل الأعمال الأمريكي الراحل جيفري إبستين، في مقابلة أثارت اهتمامًا واسعًا داخل الأوساط السياسية والإعلامية الأمريكية.

 

اتهامات مباشرة لإسرائيل بإفشال الاتفاق مع إيران

 

قال نائب الرئيس الأمريكي إن بعض أعضاء الحكومة الإسرائيلية "يكرهون" الاتفاق الذي توصلت إليه واشنطن مع طهران، مشيرًا إلى أن الإدارة الأمريكية كانت تمتلك "أدلة واضحة" على وجود تحركات داخل إسرائيل لإفشال هذا المسار.

 

وأوضح فانس أن الاتفاق، الذي جاء ضمن مذكرة تفاهم مكونة من 14 بندًا، كان يستهدف تثبيت وقف إطلاق النار لمدة 60 يومًا، وإعادة فتح مضيق هرمز، مقابل تعهد إيران بعدم تطوير سلاح نووي والتخلص من مخزونها من اليورانيوم المخصب.

 

ورغم انهيار الاتفاق لاحقًا، أكد نائب الرئيس الأمريكي أن هناك جهات إسرائيلية عملت منذ البداية على تقويضه.

 

وقال: إن أشخاصًا داخل النظام الإسرائيلي حاولوا التلاعب بالرأي العام الأمريكي ودفع الولايات المتحدة إلى استمرار الحرب دون أفق سياسي أو هدف استراتيجي واضح، معتبرًا أن الهدف كان إطالة الصراع بحد ذاته.

 

 

حملة سرية للتأثير على القرار الأمريكي

 

وخلال المقابلة، كشف فانس عن ما وصفه بحملة تأثير "سرية وممولة بشكل كبير"، قال إنها استهدفت إسقاط المفاوضات الأمريكية الإيرانية.

 

وأشار إلى تقرير نشرته مجلة "تايم" تحدث عن حصول مدير حملة ترامب الانتخابية السابق براد بارسكيل على 45 مليون دولار لإدارة حملة إلكترونية مؤيدة لإسرائيل، تضمنت إنتاج عشرات المواد الإعلامية شهريًا بهدف منع تراجع دعم المحافظين الشباب لإسرائيل، إضافة إلى مهاجمة الأصوات المؤيدة للاتفاق داخل الإدارة الأمريكية.

 

وقال فانس إن هذه الحملة لم تستهدف الاتفاق فقط، وإنما استهدفته شخصيًا، معتبرًا أن كثيرًا ممن شاركوا فيها تلقوا أموالًا لمهاجمته وتشويه مواقفه.

 

وأضاف بنبرة حادة أن من يقفون خلف تلك الحملة لن يغيروا موقفه، مؤكدًا أنه سيواصل اتخاذ ما يراه مناسبًا لخدمة الشعب الأمريكي.

 

بارسكيل ينفي الاتهامات

 

في المقابل، نفى براد بارسكيل صحة ما ورد في تقرير "تايم"، مؤكدًا عبر منشور على الإنترنت أنه لم يتلق أموالًا للتأثير على الرأي العام بشأن الحرب مع إيران، وأنه لم يعمل ضد الإدارة الأمريكية بأي شكل.

 

ورغم هذا النفي، شدد فانس على أن محاولات الحكومات الأجنبية للتأثير على السياسة الأمريكية ليست أمرًا جديدًا، موضحًا أن إسرائيل ليست الوحيدة التي تسعى لذلك.

 

لكنه فرّق بين محاولات الضغط الطبيعية في العلاقات الدولية وبين السماح لهذا الضغط بتغيير القرارات الأمريكية، مؤكدًا أن الخطورة تكمن عندما تتأثر القيادة الأمريكية بهذه الضغوط على حساب مصالح الولايات المتحدة.

 

ترامب كان سيضرب إيران حتى دون الضغط الإسرائيلي

 

ورغم انتقاداته للموقف الإسرائيلي، رفض فانس تحميل تل أبيب وحدها مسؤولية اندلاع الحرب مع إيران.

 

وعندما سُئل عما إذا كان الرئيس ترامب كان سيأمر بتوجيه ضربات لإيران حتى دون التأثير الإسرائيلي، أجاب بالإيجاب، موضحًا أن الرئيس الأمريكي كان مقتنعًا منذ البداية بضرورة منع إيران من امتلاك سلاح نووي.

 

وأشار إلى أنه يتفق مع هذا التوجه، معتبرًا أن منع إيران من تطوير قدراتها النووية يمثل مصلحة استراتيجية للولايات المتحدة، بصرف النظر عن الموقف الإسرائيلي.

 

إسرائيل تخسر الرأي العام الأمريكي

 

ومن أبرز ما تضمنته المقابلة، حديث فانس عن تراجع شعبية إسرائيل داخل الولايات المتحدة، مؤكدًا أن تل أبيب تخسر تدريجيًا معركة الرأي العام، خصوصًا بين فئة الشباب.

 

وأشار إلى وجود فجوة واضحة بين مواقف الأمريكيين الأكبر سنًا، وخاصة الجمهوريين التقليديين، وبين الأجيال الجديدة التي أصبحت أكثر انتقادًا للسياسات الإسرائيلية.

 

ولم يعترض فانس على رأي مقدم البرنامج جو روغان، الذي أرجع هذا التراجع إلى الاعتقاد المتزايد بأن إسرائيل تمارس نفوذًا واسعًا داخل السياسة الأمريكية وتمول حملات ضغط للتأثير على صناع القرار.

 

وأكد نائب الرئيس الأمريكي أن إسرائيل بالفعل أكثر نجاحًا من غيرها في ممارسة الضغط السياسي داخل الولايات المتحدة، لكنه شدد على أن العلاقات بين البلدين يجب أن تبقى قائمة على المصالح المشتركة لا على التبعية.

 

"لسنا ضد إسرائيل.. لكن أمريكا أولًا"

 

حرص فانس على التأكيد أن انتقاداته لا تعني معاداة إسرائيل، موضحًا أنه ينظر إليها باعتبارها حليفًا للولايات المتحدة، مثل فرنسا أو المملكة المتحدة.

 

وأضاف أن وجود تحالف لا يعني غياب الخلافات، بل يجب أن تكون الأولوية دائمًا للمصلحة الأمريكية.

 

وأشار إلى أنه تعرض لاتهامات بمعاداة السامية ومعاداة إسرائيل فقط لأنه دعا إلى علاقة "طبيعية" تقوم على استقلال القرار الأمريكي.

 

كما انتقد اختزال قضايا الشرق الأوسط في الصراع بين إيران وإسرائيل، مؤكدًا أن دول الخليج تمثل أيضًا شركاء استراتيجيين مهمين للولايات المتحدة، وأن مصالح واشنطن في المنطقة أوسع من العلاقة مع إسرائيل وحدها.

 

تصريحات مثيرة بشأن إبستين والاستخبارات

 

وتطرقت المقابلة أيضًا إلى قضية رجل الأعمال الأمريكي جيفري إبستين، حيث قال فانس إن الأخير كانت لديه علاقات على أعلى المستويات داخل أجهزة الاستخبارات الأمريكية والإسرائيلية.

 

وأوضح أن دوائر الاتصال المرتبطة بإبستين داخل إسرائيل كانت تميل بصورة أكبر إلى شخصيات من تيار "يسار الوسط"، رغم وجود حكومة يمينية في إسرائيل.

 

وفي المقابل، رفض فانس النظريات التي تزعم أن إدارة ترامب تعرضت للابتزاز عبر ملفات إبستين لدفعها إلى الحرب مع إيران، واصفًا تلك الفرضيات بأنها غير منطقية.

 

لكنه أقر بأن البيت الأبيض أخطأ في إدارة ملف إبستين إعلاميًا، وكان ينبغي نشر الوثائق المتعلقة بالقضية في وقت مبكر لتجنب تصاعد الشكوك داخل الرأي العام الأمريكي.

 

مراقبون: صراع داخل الإدارة الأمريكية

 

أثارت تصريحات فانس موجة واسعة من التحليلات السياسية، إذ رأى مراقبون أنها تعكس حجم الانقسام داخل الإدارة الأمريكية بشأن التعامل مع إيران.

 

وأشار أستاذ العلوم السياسية بجامعة جنيف، الدكتور حسني عبيدي، إلى أن نائب الرئيس الأمريكي يتحدث وكأنه يخوض حملة انتخابية مبكرة، ويسعى إلى مخاطبة المزاج الشعبي الأمريكي الذي أصبح أكثر رفضًا لاستمرار الحروب الخارجية.

 

وأضاف أن استطلاعات الرأي الأخيرة تشير إلى أن غالبية الأمريكيين تعارض استمرار الحرب مع إيران، بينما يعتقد كثيرون أن إسرائيل دفعت الولايات المتحدة نحو هذا الصراع.

 

من جانبه، رأى الدبلوماسي الأمريكي السابق مارلين هاردينغر أن تصريحات فانس تعكس صراعًا بين تيار يدعو إلى مواصلة الضغوط العسكرية على إيران وآخر يفضل العودة إلى مسار التفاوض.

 

وأكد أن الرسالة الأساسية التي أراد نائب الرئيس الأمريكي إيصالها هي أن واشنطن قادرة على اتخاذ قراراتها بصورة مستقلة، وأنها ستحدد سياساتها تجاه إيران وفقًا لمصالحها القومية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على تحالفها مع إسرائيل.