أعلن وزير الزراعة واستصلاح الأراضي علاء فاروق في القاهرة تجاوز الصادرات الزراعية المصرية 5.8 مليون طن منذ بداية 2026، لتتصدر الموالح والبطاطس القائمة، بينما قدمت الحكومة الرقم باعتباره دليلا على اتساع الأسواق ونجاح القطاع.
ويفضح هذا الاحتفال الرسمي مفارقة قاسية، إذ تغادر ملايين الأطنان إلى موائد الخارج طلبا للعملة الأجنبية، بينما يواجه المصريون الغلاء وتآكل الدخول، ويجد ملايين الفقراء أن ثمار الأرض المزروعة بمواردهم أصبحت أبعد عن قدرتهم الشرائية.
وبحسب تقرير الإدارة المركزية للحجر الزراعي، تجاوزت صادرات الموالح 2.2 مليون طن، وبلغت البطاطس الطازجة أكثر من 908 آلاف طن، فيما وصلت البطاطا إلى نحو 218 ألف طن، بما يكشف الوزن الكبير لمحاصيل الغذاء داخل التدفقات التصديرية.
وفي المقابل، تجاوزت صادرات العنب 147 ألف طن، والفاصوليا الطازجة والجافة 125 ألف طن، والبصل الطازج 123 ألف طن، إلى جانب الفراولة والثوم والطماطم والجوافة والرمان، وهي سلع حاضرة يوميا على موائد الأسر المصرية.
ومن ثم، لا تكمن المشكلة في التصدير باعتباره نشاطا اقتصاديا مشروعا، بل في إدارة تضع زيادة الكميات الخارجة فوق ضمان وفرة الغذاء محليا، من دون إعلان واضح عن أثر التصدير في الأسعار أو حصة السوق الداخلية.
كما أن الرقم الرسمي يقيس الأطنان المغادرة ولا يقيس نصيب صغار المزارعين من العائد، ولا يوضح حجم الأرباح التي تحصل عليها الشركات والوسطاء، أو مقدار العملة الصعبة التي عادت فعليا لتحسين الإنتاج والدخول والخدمات العامة.
ولذلك، يصبح الحديث عن النجاح منقوصا ما لم تجب الحكومة عن سؤال مباشر، كيف تتحول طفرة الصادرات إلى غذاء أرخص ودخل أفضل للفلاح والمستهلك، بدلا من بقائها رقما دعائيا يلمع واجهة اقتصاد يضغط على الفقراء.
غير أن بيانات التضخم لشهر يونيو 2026 أظهرت بقاء الأسعار أعلى من مستويات العام السابق رغم التراجع الشهري لبعض مجموعات الغذاء، وهو ما يعني أن انخفاض الوتيرة لا يعيد للمواطن القوة الشرائية التي فقدها خلال موجات الغلاء السابقة.
وعلاوة على ذلك، تستهدف الخطة الحكومية خفض نسبة السكان تحت خط الفقر إلى 30 بالمئة خلال الأعوام المقبلة، وهو اعتراف رسمي بأن اتساع الفقر ما زال واقعا ثقيلا، لا تمحوه بيانات الصادرات ولا احتفالات فتح الأسواق.
وبالتالي، فإن التناقض ليس بين التصدير والاستهلاك في ذاته، وإنما بين سياسة تعظم الإيرادات الخارجية وسياسة اجتماعية عاجزة عن حماية الأجور والدعم والغذاء، فتتقدم القدرة التصديرية بينما تتراجع قدرة المواطنين على شراء المحصول نفسه.
محاصيل تغادر وموائد تفرغ
يرى الدكتور جمال صيام، أستاذ الاقتصاد الزراعي، أن القفزة التصديرية تعكس استراتيجية واضحة وتحسنا في القدرة على دخول الأسواق، وهو تقييم يشرح جانب النجاح الفني، لكنه لا يثبت وحده أن مكاسبه وصلت إلى المستهلك أو المزارع الصغير.
ومع ذلك، تكشف شهادة صيام أن زيادة الصادرات ليست مصادفة عابرة، بل مسار منظم توسعت فيه الدولة سنوات، ما يجعل غياب سياسة موازية لحماية السوق المحلية خيارا حكوميا لا نتيجة مفاجئة يصعب توقعها أو التعامل معها.
ومن ناحية أخرى، يحذر الخبير الاقتصادي عادل عامر من أن ضعف الإنتاج قياسا بالزيادة السكانية يجعل السوق الداخلية عرضة للضغط، مؤكدا أن المواطن يصبح المتضرر الأول عندما تتراجع الكميات المتاحة محليا وترتفع الأسعار سعيا وراء الدولار.
وبناء على ذلك، فإن كل طن يصدر لا يمثل تلقائيا خسارة للمستهلك، لكن التوسع غير المرتبط بمخزون آمن ومراقبة للأسعار قد يحول الطلب الخارجي إلى منافس أقوى، خاصة حين يملك المستورد عملة يصعب على الأسرة المصرية مجاراتها.
كذلك، لا تعلن وزارة الزراعة نسبة الصادرات من إجمالي إنتاج كل محصول خلال الفترة نفسها، ولا تنشر حدودا استرشادية تمنع خروج كميات تضر بالمعروض المحلي، ما يحرم الرأي العام من تقييم حقيقة التوازن الذي تتحدث عنه الحكومة.
وفوق ذلك، تتجاهل البيانات تكلفة المياه والأرض والطاقة المدعومة التي تدخل في إنتاج محاصيل التصدير، فلا يعرف المواطن إن كان العائد يغطي الموارد العامة المستهلكة، أم أن الأرباح تتركز لدى المصدرين بينما تتحمل الخزانة التكلفة.
وفي السياق ذاته، لا يظهر من البيان مقدار ما حصل عليه الفلاح من السعر النهائي، رغم تحمله الأسمدة والبذور والنقل والعمالة، وهو نقص جوهري يسمح بتضخم أرباح حلقات الوساطة، بينما يبقى المنتج الأول والمستهلك الأخير تحت الضغط.
صادرات لا تهزم الغلاء
يؤكد المهندس حاتم نجيب، نائب رئيس شعبة الخضراوات والفاكهة، أن وفرة المعروض وانخفاض تكاليف الأسمدة يساعدان في تراجع الأسعار، وهي ملاحظة تكشف أن حماية المستهلك تبدأ بإبقاء كميات كافية في السوق وتقليل تكلفة الإنتاج.
وبالمقابل، فإن ربط الأسعار بالوفرة يعني أن التوسع التصديري يحتاج إلى قواعد مرنة توقف أو تخفف خروج بعض المحاصيل عند نقص المعروض، بدلا من ترك السوق المحلية تواجه المنافسة الخارجية ثم مطالبة المواطن بانتظار مواسم انخفاض مؤقتة.
ولهذا، يجب أن تنشر الحكومة أسبوعيا بيانات الإنتاج والتصدير والأسعار والمخزون لكل محصول أساسي، لأن إدارة الغذاء لا تحتمل البيانات الاحتفالية المجملة، ولأن معرفة اتجاه الكميات تسمح بالتدخل قبل تحول النقص إلى موجة غلاء جديدة.
وإضافة إلى ذلك، ينبغي إلزام المصدرين بعقود عادلة مع المزارعين، وتخصيص نسبة من حصيلة العملة الأجنبية لدعم مستلزمات الزراعة والتخزين والنقل، حتى لا تتحول الصادرات إلى قناة تستفيد منها شركات محدودة على حساب المنتج والمستهلك.
أما الاعتماد على انخفاض شهري في أسعار الخضروات لإعلان انتهاء الأزمة، فيتجاهل أن الأسر تقيس الغلاء بمجموع ما تدفعه وبالدخل المتاح، لا بمؤشر مؤقت قد يتراجع موسما ثم يقفز مع الوقود أو النقل أو نقص المحصول.
الجوع خلف أرقام النجاح
في المقابل، يظل تعزيز الصادرات مطلوبا لتوفير العملة الأجنبية وتشغيل سلاسل الإنتاج، لكن النجاح الحقيقي يقاس بقدرة السياسة على الجمع بين العائد الخارجي والأمن الغذائي، لا بإرسال أفضل المحاصيل للخارج وترك المواطن يطارد البدائل الأرخص.
وعليه، تحتاج مصر إلى معيار معلن يمنح السوق المحلية الأولوية عند ارتفاع الأسعار أو تراجع الإنتاج، مع دعم مباشر للفقراء وتوسيع منافذ البيع وتقييد الممارسات الاحتكارية، بدلا من الاكتفاء بمناشدات التجار أو حملات رقابية موسمية محدودة.
ومن جهة أخرى، يجب نشر القيمة المالية للصادرات لا وزنها فقط، وتوضيح توزيع العائد بين الدولة والشركات والمزارعين، لأن تضخم الأطنان قد يخفي انخفاض القيمة أو ارتفاع التكلفة، ولا يبرهن بذاته على تحسن الاقتصاد أو معيشة الناس.
وأخيرا، تكشف طفرة 5.8 مليون طن أن الأرض المصرية قادرة على الإنتاج والمنافسة، لكنها تكشف أيضا فشل السلطة في تحويل هذه القدرة إلى عدالة غذائية، فالمشكلة ليست قلة المحصول بل نظام يفضل الدولار على موائد الفقراء.

