شارك المستشار بولس فهمي، رئيس المحكمة الدستورية العليا، في احتفال سفارة مصر ببرلين بثورة 23 يوليو، بحضور مسؤول ألماني، وانتهت كلمته إلى إسقاط ثورة 25 يناير تماماً من تسلسل التاريخ الجمهوري المصري.
ويكشف هذا الإغفال، الصادر عن رأس أعلى هيئة قضائية دستورية، أكثر من زلة خطابية عابرة، لأنه يحول التاريخ إلى أداة سلطة، وينزع الاعتراف عن ملايين المصريين الذين طالبوا بالعيش والحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.
قفزة فوق يناير
وقال فهمي إن ثورة 23 يوليو دشنت الجمهورية الأولى، بينما ولدت الجمهورية الرابعة مع 30 يونيو، مقدماً سردية تقفز فوق عام 2011، وكأن سقوط حسني مبارك وما تلاه من تحولات لم يقع في التاريخ المصري.
وبالتالي، يترك هذا الترتيب سؤالاً جوهرياً بلا إجابة، فإذا كانت هناك جمهورية رابعة، فأين تقع الجمهوريتان الثانية والثالثة، وما الحدث الذي فصل بينهما، ولماذا غابت المحطة التي أعادت تشكيل المجال السياسي والدستوري كله.
كما أن تجاهل يناير يناقض منطق الوقائع نفسها، لأن احتجاجات 30 يونيو نشأت داخل المجال العام الذي فتحته ثورة 2011، واستفادت من حق التظاهر والتعبئة وتعدد القوى السياسية التي فرضتها لحظة إسقاط مبارك.
ومن ثم، لا يبدو إسقاط يناير مجرد اختصار تاريخي، بل عملية انتقاء واعية تمنح الشرعية لمحطتين تقبلهما السلطة، وتحجب محطة ارتبطت بمحاسبة الحاكم، ورفض التوريث، ومقاومة عنف الشرطة، والمطالبة بتداول السلطة.
غير أن المفارقة الأشد أن الدستور الذي يرأس فهمي المحكمة المكلفة بحمايته يذكر ثورة 25 يناير صراحة، ويقرنها بثورة 30 يونيو، ويصفهما ضمن مسار دعا إلى العيش بحرية وكرامة إنسانية وعدالة اجتماعية.
وعليه، فإن الخطاب لا يصطدم بذاكرة خصوم السلطة وحدهم، بل يتعارض مع النص الدستوري الرسمي ذاته، بما يجعل الصمت عن يناير موقفاً سياسياً ذا دلالة، لا مجرد سهو يمكن تمريره بلا مساءلة.
وفي هذا السياق، يرى الباحث الدستوري ناثان براون أن القضاء لا ينبغي أن يخدم مصلحة سياسية خاصة، حتى إن كانت مصلحة أغلبية، وهو معيار يضع خطاب رئيس المحكمة أمام اختبار الحياد المؤسسي الصعب.
وبناء على ذلك، يصبح واجب رئيس المحكمة مضاعفاً، لأن منصبه لا يسمح له بتبني سردية انتقائية تساير السلطة التنفيذية، ثم تجاهل واقعة دستورية مؤسسة ما زالت مثبتة في ديباجة الوثيقة التي يحتكم إليها الجميع.
شعارات بلا أصحاب
وتحدث فهمي عن العدالة الاجتماعية بوصفها ثمرة يوليو، وعن المواطنة والكرامة الإنسانية ودولة القانون بوصفها إنجازات يونيو، لكنه مر فوق الثورة التي جعلت هذه الكلمات شعاراً شعبياً مركزياً يتردد في شوارع مصر.
ولذلك، تبدو الكلمة وكأنها تستولي على قاموس يناير بعد حذف أصحابه، فتحتفظ بالكرامة والعدالة والمواطنة، لكنها تتخلص من مطلب الحرية، ومن ذكر المتظاهرين الذين دفعوا أثماناً بشرية باهظة لفتح المجال العام.
علاوة على ذلك، كتب عمرو حمزاوي أن تجريد يناير من مضمونها الإيجابي يرتبط بإخراج الديمقراطية وحقوق الإنسان وتداول السلطة من المجال العام، وهو تحليل يفسر بوضوح بنية الخطاب الرسمي الذي ظهر في برلين.
كذلك، فإن استدعاء دولة القانون بلا ذكر يناير يتجاهل أن الثورة اندلعت أصلاً ضد التعذيب والطوارئ والإفلات من العقاب، وأن مطلبها القانوني لم يكن تجميلياً، بل كان موجهاً إلى بنية أمنية فوق المحاسبة.
في المقابل، لا يمكن فصل المواطنة عن الحق في المشاركة السياسية، ولا الكرامة عن حرية التعبير، ولا تكافؤ الفرص عن تداول السلطة، لأن تحويل هذه القيم إلى عبارات احتفالية يفرغها من مضمونها الدستوري والإنساني.
ولزيادة وضوح المفارقة، فإن ديباجة الدستور تجمع يناير ويونيو في صياغة واحدة، وتنسب إليهما معاً الدعوة إلى الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، بينما فصل رئيس المحكمة بين القيم ومحطتها التاريخية ثم أعاد توزيعها سياسياً.
ومن ناحية أخرى، يؤكد المؤرخ خالد فهمي أن ثورة 2011 شكلت انفتاحاً غير مسبوق، وكانت من أهم فترات حياته، وهو تقدير تاريخي مهني يصطدم بمحاولات تحويلها إلى فراغ داخل الرواية الرسمية.
بعبارة أخرى، حذف يناير لا يمحو أياماً من التقويم فقط، بل يمحو خبرة شعبية كاملة صنعت دستوراً وانتخابات وأحزاباً ونقاشاً عاماً، حتى لو انتهت مساراتها السياسية إلى تراجع واسع وانغلاق أشد قسوة.
محو الذاكرة الرسمية
ولا يأتي خطاب برلين منفصلاً عن اتجاه رسمي وإعلامي متكرر يعيد ترتيب تاريخ الجمهورية حول يوليو ويونيو، ويقلص يناير إلى مناسبة باهتة أو ذكرى أمنية، رغم استمرار الاعتراف الدستوري بها داخل الوثيقة الحاكمة.
فضلاً عن ذلك، يمنح صدور هذا التغييب من رئيس المحكمة الدستورية ثقلاً أخطر، لأن المحكمة ليست منصة دعاية، بل مؤسسة يفترض أن تحرس الوثيقة الدستورية وتمنع إخضاع الحقوق والذاكرة الوطنية لأهواء السلطة القائمة.
وبالمثل، فإن الاحتفال خارج البلاد يضاعف الرسالة، إذ يقدم إلى شركاء أجانب تاريخاً مصرياً منتقى بعناية، يبرز لحظات الحكم التي تريد الدولة تسويقها، ويحجب الثورة التي كشفت للعالم مطالب المصريين بالديمقراطية والمحاسبة.
أما وصف المرحلة الراهنة بالجمهورية الرابعة، فيظل شعاراً سياسياً أكثر منه تصنيفاً دستورياً مستقراً، لأن الدستور لا يقسم تاريخ مصر إلى جمهوريات مرقمة، ولا يمنح أي مسؤول حق إعلان بدايات تاريخية بقرار خطابي.
هكذا، تتحول اللغة القضائية إلى غطاء لسردية سياسية تريد تثبيت 30 يونيو باعتبارها بداية مكتفية بذاتها، منزوعة الصلة بيناير، رغم أن مسؤولين ومؤيدين ليونيو قدموها سابقاً بوصفها تصحيحاً لمسار ثورة 2011.
وبالإضافة إلى ذلك، فإن تغييب يناير يبعث برسالة إلى أجيال جديدة مفادها أن التاريخ تحدده المؤسسات المنتصرة لا الوقائع، وأن الملايين يمكن إخراجهم من الرواية العامة بمجرد تبدل موازين القوة واحتكار المنابر.
وفي المحصلة، لا تحمي الدول استقرارها بتزوير ذاكرتها، لأن الاعتراف بالمحطات المتنازع عليها يرسخ المواطنة، بينما يؤدي حذفها إلى تعميق الانقسام، وتحويل الدستور نفسه إلى نص انتقائي يستخدم حين يخدم السلطة.
ولهذا، تظل مسؤولية المحكمة الدستورية أكبر من مجاملة خطاب رسمي في مناسبة دبلوماسية، إذ يفترض برئيسها أن يصون النص والذاكرة معاً، لا أن يشارك في محو ثورة اعترف بها الدستور قبل خصوم الحكم.
وأخيراً، فإن يناير لا تحتاج شهادة من مسؤول كي توجد، فقد أسقطت رئيساً وكسرت احتكار السياسة وغيرت لغة المصريين، لكن تجاهلها يكشف مقدار الخوف الرسمي من لحظة أثبت فيها الشارع أنه صاحب الشرعية الأصلية.

