أصدرت محافظة الجيزة القرار رقم 354 لسنة 2026 بحل وتصفية 5 جمعيات تعاونية استهلاكية في البدرشين ووراق الحضر، بعد موافقة الاتحاد الإقليمي، بسبب الخسائر المتكررة وغياب المقار وعزوف مجالس الإدارات عن الاستمرار .
ويكشف القرار أن السلطة اختارت إغلاق منافذ شعبية كان يفترض دعمها وإنقاذها، بدلا من مساءلة الجهات المشرفة عن سنوات الإهمال، لتترك الأسر محدودة الدخل أكثر انكشافا أمام الغلاء وسلاسل التجارة الخاصة وهوامش أرباحها المتصاعدة.
تصفية بلا إنقاذ
وبداية، شمل الحل الجمعية التعاونية الاستهلاكية لأهالي غرب البدرشين، وهي جمعية تحمل في اسمها وظيفة محلية واضحة، لكن القرار لم يعلن حجم عضويتها أو أصولها أو ديونها أو عدد المواطنين الذين كانوا يعتمدون على خدماتها.
كذلك، طالت التصفية جمعية منطقة المخبز الآلي بالبدرشين، بما يثير أسئلة مباشرة حول مصير نشاطها وموجوداتها وصلتها بتوفير السلع الأساسية، خصوصا أن القرار اكتفى بذكر أسباب عامة دون نشر ميزانياتها الثلاث التي سجلت الخسائر.
وفي السياق نفسه، حلت المحافظة جمعية منطقة الملاح بالبدرشين، من غير أن تعرض خطة لإعادة تشغيلها أو دمجها في كيان أقوى، وكأن التعثر الإداري والمالي قدر نهائي لا يستدعي تدخلا عاما أو إنقاذا منظما.
أما جمعية أهالي وراق الحضر، فجاء حلها في منطقة تعاني ضغوطا معيشية وعمرانية ممتدة، ما يجعل غياب البديل التعاوني أكثر قسوة، لأن السكان يفقدون أداة جماعية كان يمكن تطويرها لمواجهة ارتفاع الأسعار وتقلب الأسواق.
ومن اللافت أن الأسباب المعلنة جمعت بين عدم رغبة مجالس الإدارات في الاستمرار وتحقيق خسائر خلال آخر 3 ميزانيات وعدم وجود مقار، وهي مؤشرات لا تدين الجمعيات وحدها، بل تكشف فشل الإشراف والدعم والمتابعة المبكرة .
وبالتالي، فإن وصول الخسائر إلى 3 ميزانيات متتالية يعني أن التعثر كان معلوما للجهات المختصة منذ سنوات، ومع ذلك لم يوضح القرار لماذا غابت خطط التصحيح أو إعادة الهيكلة أو التمويل أو محاسبة المسؤولين عن التدهور.
كما أن غياب المقار يطرح سؤالا أشد إحراجا بشأن دور المحافظة والاتحاد الإقليمي، إذ يفترض أن حماية الكيان التعاوني تبدأ بتوفير بيئة عمل قانونية ومستقرة، لا انتظار انهياره ثم استخدام غياب المقر ذريعة لتصفيته.
إهمال يسبق الخسائر
غير أن قانون التعاون الاستهلاكي رقم 109 لسنة 1975 يعرف هذا القطاع باعتباره أداة لتوفير السلع والخدمات للأعضاء بجودة أعلى وسعر تكلفة أقل، ما يجعل إنهاء الجمعيات تقليصا لدور اجتماعي أقره التشريع نفسه .
وعلاوة على ذلك، يخصص القانون للدولة اعتمادات لازمة لمراجعة حسابات الجمعيات وأعمال التصفية ومواجهة المهام المكلفة بها، وهو ما يفتح باب المساءلة عن كفاية الرقابة السابقة، لا الاكتفاء بتمويل إجراءات إغلاق الكيانات المتعثرة .
وبناء على ذلك، لا تبدو الخسائر مجرد نتيجة لسوء إدارة محلي، بل حصيلة محتملة لضعف التمويل وارتفاع تكاليف التشغيل وغياب القدرة على الشراء الجماعي والمنافسة، وهي عوامل كان ينبغي تشخيصها قبل اتخاذ قرار الإعدام الإداري.
ومن جهته، قال أحمد عبد الظاهر، رئيس الاتحاد العام للتعاونيات، إن التعاونيات الاستهلاكية تعمل دون غطاء حكومي كاف وتسعى بصعوبة لتدبير التمويل والتسويق، وهو تشخيص يجعل تصفية الفروع نتيجة متوقعة لسياسة تركها وحيدة .
وأضاف عبد الظاهر في تصريحات أخرى أن مصر تضم نحو 3000 جمعية استهلاكية و5000 منفذ، مؤكدا قدرتها على الإسهام في ضبط الأسواق، ما يعني أن خسارة أي منفذ ليست واقعة محلية معزولة بل تراجع لشبكة حماية أوسع .
في المقابل، لم يتضمن القرار إشارة إلى عروض إنقاذ أو دعوة الأعضاء لانتخاب إدارات جديدة أو منح مهلة لتوفير مقار، كما لم يذكر إجراء مراجعة مستقلة تحدد إن كانت الخسائر ناتجة عن إهمال أو فساد أو نقص تمويل.
ومن ثم، تبدو عبارة عدم رغبة مجالس الإدارات في الاستمرار اعترافا بأزمة حوكمة، لأن انسحاب الإدارة لا ينبغي أن يؤدي تلقائيا إلى إسقاط حقوق الأعضاء، بل يستلزم جمعية عمومية وانتخابات وخطة انتقال تحفظ الأصول والخدمات.
وعلى المستوى الاقتصادي، يؤكد الخبير شريف الديواني أن المنافسة ضرورية لمحاربة الغلاء، وهو رأي يوضح خطورة تقلص الكيانات التعاونية، لأن خروجها من السوق يضعف البدائل أمام المستهلك ويمنح التجار الأقوى مساحة أوسع لتحديد الأسعار .
أسواق بلا بدائل
لذلك، يتجاوز أثر القرار حدود 5 جمعيات، إذ يبعث رسالة سلبية إلى بقية الحركة التعاونية بأن الدولة مستعدة للتصفية بعد تراكم الخسائر، لكنها أقل استعدادا لتوفير التمويل والإدارة المهنية والمقار والرقابة الوقائية اللازمة للاستمرار.
وفوق ذلك، تأتي التصفية بينما تواجه الأسر موجات متلاحقة من ارتفاع أسعار الغذاء والخدمات، وفي مثل هذا المناخ تصبح الجمعيات الاستهلاكية، إذا أحسن تشغيلها، قناة لخفض حلقات الوساطة وتوفير السلع بهوامش أقل من السوق التجارية.
ومن الناحية الإنسانية، يدفع المواطن ثمن فشل لم يشارك في صنعه، إذ لا يعرف كيف أديرت الأموال ولا لماذا تراكمت الخسائر، لكنه يجد نفسه في النهاية أمام أبواب مغلقة وخيارات شراء أضيق وقدرة تفاوضية شبه معدومة.
وبالمثل، يرى الخبير مدحت الشريف أن الاحتكار يقلل المنافسة ويرفع الأسعار، وهو ما يضاعف أهمية وجود منافذ تعاونية حقيقية، لأن اختفاء البدائل المحلية لا يضر الأعضاء فقط بل يضعف الضغط التنافسي على السوق المحيطة كلها .
ولزيادة الشفافية، كان ينبغي نشر القوائم المالية للجمعيات وأسماء المصفين وحصر الأصول والديون وجدول التصفية ومصير العاملين وحقوق الأعضاء، مع بيان كيفية التصرف في الموجودات، بدلا من ترك الجمهور أمام قرار مقتضب وأسئلة مفتوحة.
وبالتوازي، يفترض إعلان ما إذا كانت الجمعيات تمتلك مخزونا أو معدات أو أرصدة أو حقوقا لدى الغير، لأن التصفية ليست محوا إداريا للاسم، بل عملية مالية وقانونية قد تمس أموالا جماعية وحقوق مساهمين ومستهلكين محليين.
وعليه، تتحمل محافظة الجيزة والاتحاد الإقليمي مسؤولية توضيح الإجراءات التي سبقت الحل، وعدد الإنذارات ومحاولات الإنقاذ ونتائج التفتيش، وإلا تحول القرار إلى غطاء رسمي لإغلاق مؤسسات أهملتها الأجهزة نفسها حتى صارت غير قابلة للحياة.
وفي المحصلة، يكشف القرار سياسة تدير الفشل بإزالة آثاره لا بمعالجة أسبابه، فتغلق الجمعيات بعد خسائر متكررة، بينما يبقى المسؤول عن ضعف الإدارة والتمويل والرقابة بعيدا عن المحاسبة، وتنتقل الكلفة كاملة إلى المواطنين الأضعف.
وأخيرا، المطلوب ليس الإبقاء الشكلي على جمعيات متوقفة، بل فتح تحقيق معلن، وحماية الأصول، وتمكين الأعضاء من الاختيار بين إعادة الهيكلة والدمج والتصفية، وإنشاء بدائل فعالة تضمن ألا يتحول القرار إلى هدية جديدة للمحتكرين.

