كشفت مؤسسة جوار للحقوق والحريات تفاصيل جديدة عن حادث سيارة ترحيلات كانت تقل عددا من المعتقلين من مركز إصلاح وتأهيل وادي النطرون 10، المعروف سابقا بسجن وادي النطرون 1، إلى محكمة بدر، مؤكدة أن المصابين تُركوا داخل السيارة عقب الحادث، بينما نقلت سيارة الإسعاف السائق ومرافقه فقط، قبل استكمال نقل المعتقلين إلى المحكمة من دون عرضهم على مستشفى أو إخضاعهم لفحص طبي عاجل.

 

 

وتثير الواقعة، التي لم تصدر السلطات المصرية بيانا رسميا بشأنها حتى الآن، أسئلة خطيرة حول معايير تأمين سيارات الترحيلات، ومسؤولية أجهزة الأمن عن سلامة المحتجزين، والكيفية التي تحولت بها إصابات تعرض لها أشخاص تحت سيطرة الدولة الكاملة إلى معاناة جرى تجاهلها حتى انتهاء إجراءات المحكمة وإعادتهم إلى السجن.

 

مصابون داخل السيارة

 

قالت مؤسسة جوار إنها تلقت رسالة تتضمن معلومات جديدة عن الحادث الذي وقع يوم الثلاثاء، أثناء توجه سيارة الترحيلات في مأمورية إلى محكمة بدر، وأدى إلى إصابة عدد من المعتقلين الموجودين داخلها، من دون إعلان رسمي يحدد سبب الحادث أو عدد المصابين أو درجة خطورة حالتهم.

 

وبحسب الرواية التي نشرتها المؤسسة، وصلت سيارات الإسعاف إلى موقع الحادث، لكنها نقلت سائق سيارة الترحيلات ومرافقه، بينما بقي المعتقلون داخل السيارة رغم تعرض عدد منهم لإصابات متفاوتة، في مشهد يعكس تمييزًا في الاستجابة الطبية بين مصابين وقعوا جميعا في الحادث نفسه.

 

وطالب المعتقلون، وفقا للرسالة، بنقلهم إلى أحد المستشفيات لإجراء الفحوص اللازمة وتلقي العلاج، إلا أن طلبهم لم يُستجب له، وجرى وضعهم داخل سيارة ترحيلات أخرى واستكمال الرحلة إلى المحكمة، وكأن الوصول إلى جلسة المحاكمة أكثر أهمية من التأكد من سلامتهم الصحية.

 

كما أفادت المؤسسة بأن المعتقلين أبلغوا الجهات المعنية داخل المحكمة بوجود إصابات بينهم، لكنهم لم يعرضوا على طبيب، ولم تُتخذ إجراءات لنقلهم إلى منشأة طبية، رغم أن بعض الإصابات كانت شديدة بالقدر الذي منعهم من حضور جلسة محاكمتهم أو المثول أمام هيئة المحكمة.

 

وانتهت الجلسة بتأجيل القضية إلى شهر أكتوبر المقبل، قبل إعادة المعتقلين إلى سجن وادي النطرون وهم لا يزالون يعانون من آثار الحادث، وبينها آلام في العمود الفقري وإصابات في الساق والركبة، بحسب المعلومات التي نقلتها المؤسسة الحقوقية.

 

علاج مؤجل حتى المساء

 

لم يُعرض المصابون على طبيب إلا خلال ساعات المساء، بعد إعادتهم إلى المركز الطبي التابع للسجن، ما يعني أن ساعات طويلة مرت منذ وقوع الحادث قبل حصولهم على فحص طبي، رغم المخاطر المحتملة لتأخير تشخيص إصابات العمود الفقري أو الأطراف أو النزيف الداخلي.

 

وأكدت جوار أن طريقة التعامل مع المعتقلين عكست ما وصفته بالإهمال الواضح في تقديم الرعاية الطبية ومتابعة حالة المصابين، وطالبت بالكشف عن أوضاعهم الصحية وضمان حصولهم على العلاج المناسب، إلى جانب فتح تحقيق مستقل في ملابسات الحادث والتصرفات التي تلته.

 

وتحدثت المؤسسة كذلك عن ورود أنباء بشأن وفاة سائق سيارة الترحيلات متأثرا بإصابته، لكنها شددت على أنها لم تتمكن من التحقق من صحة تلك المعلومات، وهو ما يفرض التعامل معها بوصفها أنباء غير مؤكدة إلى حين صدور إعلان رسمي أو معلومات موثقة من أسرته.

 

غير أن غياب البيان الرسمي لا يقتصر أثره على مصير السائق، بل يحجب أيضا المعلومات الأساسية عن حالة المعتقلين، وأسماء المستشفيات أو الأطباء الذين فحصوهم، ونتائج الفحوص، ومدى صلاحية سيارة الترحيلات، والإجراءات التي اتخذت لمحاسبة المسؤولين عن أي تقصير.

 

وتقع على السلطات مسؤولية كاملة عن حياة وسلامة الأشخاص المحتجزين لديها، لأنهم محرومون من حرية الحركة ومن القدرة على اختيار المستشفى أو استدعاء الإسعاف أو التواصل المباشر مع أسرهم، ولا يمكن تحميلهم نتائج تأخر مؤسسات الدولة في تقديم الإسعاف أو العلاج.

 

كما أن نقل مصابين إلى المحكمة قبل تقييم حالتهم لا يمكن فصله عن حق المتهم في حضور جلسة محاكمته وهو قادر جسديا وذهنيا على التواصل مع محاميه ومتابعة الإجراءات، وهو حق يتعرض للانتهاك عندما تمنعه إصاباته من الحضور ثم يعاد إلى السجن من دون علاج مناسب.

 

صمت رسمي وأسئلة بلا إجابة

 

حتى نشر تفاصيل الواقعة، لم تصدر وزارة الداخلية أو النيابة العامة أو الجهات المشرفة على السجون بيانا يوضح سبب الحادث، أو عدد الموجودين داخل السيارة، أو طبيعة الإصابات، أو ما إذا فُتح تحقيق مروري وإداري، وفقا لما أوردته مؤسسة جوار والتغطيات الناقلة عنها.

 

ويزيد هذا الصمت من المخاوف المتعلقة بسلامة عمليات نقل المحتجزين، خصوصا أن سيارات الترحيلات المغلقة لا تتيح للموجودين داخلها وسائل كافية لطلب النجدة أو الخروج عند وقوع تصادم أو انقلاب، بينما يخضع فتح أبوابها وتصرف فرق الإنقاذ بالكامل للتنسيق مع قوات الحراسة.

 

ولا تمثل واقعة بدر حادثا منفصلا عن تاريخ مؤلم لسيارات الترحيلات في مصر، إذ سبق أن أصيب محتجزون وأفراد حراسة في انقلاب سيارة ترحيلات أعلى محور 26 يوليو خلال نوفمبر 2022، بحسب تغطيات صحفية أعادت التذكير بالحوادث السابقة.

 

كما تستدعي الواقعة ذاكرة كارثة سيارة ترحيلات أبو زعبل في أغسطس 2013، حين توفي 37 محتجزا داخل سيارة مغلقة، وهي الحادثة التي جعلت شروط النقل والتهوية والرعاية الفورية قضية حياة أو موت، لا مجرد ترتيبات أمنية أو إجراءات لوجستية.

 

وتفرض الواقعة الحالية فتح تحقيق لا يقتصر على تحديد المسؤول عن التصادم، بل يشمل قرار ترك المعتقلين المصابين داخل السيارة، وسبب نقل السائق ومرافقه وحدهما، ومن أصدر قرار استكمال الرحلة، ولماذا لم يُستدع طبيب داخل المحكمة رغم الإبلاغ عن الإصابات.

 

كما ينبغي تمكين أسر المصابين ومحاميهم من الاطلاع على التقارير الطبية، وإجراء فحوص مستقلة عند الحاجة، وتوثيق الإصابات قبل زوال آثارها، مع ضمان عدم تعرض المعتقلين لأي ضغوط بسبب حديثهم عن الحادث أو مطالبتهم بحقهم في العلاج والتحقيق.

 

فالمحتجز، أيا كان الاتهام الموجه إليه أو موقف السلطة منه، لا يفقد حقه في الحياة والعلاج والسلامة الجسدية، ولا تتحول سيارة الترحيلات إلى مساحة خارج القانون بمجرد إغلاق أبوابها، ولا يجوز أن يصبح القيد الأمني مبررا لترك المصابين يتألمون.

 

ويبقى المطلوب بيانا رسميا عاجلا يكشف الحقائق كاملة، وتحقيقا مستقلا يحدد المسؤوليات، ورعاية طبية حقيقية للمصابين، لأن استمرار الصمت لا يحمي مؤسسات الدولة، بل يعمق الشكوك في أن حياة المعتقلين وحقوقهم تأتي دائما في ذيل قائمة الأولويات.