مما لا شك أن الأحداث العاصفة التي شهدتها مصر خلال الثلاثة عشر عامًا الأخير قد خلق شعورًا متزايدًا بفقدان الثقة لدى كثير من المصريين، ويرتبط ذلك في المجمل السياسات العامة المتبعة، التي ترتكز بشكل أساسي على الاستبداد والقهر. 

 

كما ينبع فقدان الثقة العامة في مصر بشكل أساسي من تفاقم الصعوبات الاقتصادية، والشعور بانعدام الشفافية في الحوكمة، والقيود الصارمة المفروضة على الحريات المدنية والسياسية، بعد أن أغلق الانقلاب مناخ الحريات وقضى على المكاسب التي تحققت في أعقاب ثورة 25 يناير 2011.

 

أزمة ثقة

 

وقد اعترف رئيس الوزراء مصطفى مدبولي بأن هناك "أزمة في منسوب الثقة بين المواطن والحكومة". مؤكدًا أنه لمس بنفسه تصاعد نغمة "فقدان الثقة" خلال تفاعله مع الجماهير في الشارع، رابطًا ما يجري بالأزمة الاقتصادية. إذ وصف "المواطن" بأنه مخنوق بسبب الضغوط والتحديات وصعوبات تدبير حاجاته، بل وصف مشكلة عدم الثقة بأنها بمثابة عرف في كثير من الدول ينشط بشدة في مثل هذه الظروف.

 

ويؤكد الخبراء أن الأزمة الاقتصادية واقعية، لكن التعامل معها من قبل المسؤولين وطريقة إدارتها "هو ما يسبب النفور من قبل الجماهير"، مما يدفعهم إلى المطالبة بالحوارات المجتمعية وإعطاء الموضوعات الجدلية، سواء كانت اقتصادية أو قانونية، حقها في النقاش نقطة، وبخاصة قبيل القرارات التي تؤثر بصورة مباشرة في حياتهم اليومية، مع توحيد مصادر المعلومات الموثوق بها.

 

ويرى الحبراء أن الإعلام الذي لايملك الحرية في مناقشة السياسات العامة، فضلاً عن الالتزام بالتعليمات التي توجهها الجهات الأمنية ذات الصلة بالملف الإعلامي قد أضعب مصداقيته في نظر كثير من المصريين، وبخاصة فيما يتعلق بالقرارات الاقتصادية، إذ يبشرون بانفراجة ورخاء وانخفاض أسعار ورقابة صارمة تقضي على انفلات الأسواق وفرص عمل، فيما يلحط المواطن عكس ذلك في الواقع.

 

وتتداخل عوامل عدة سياسية، واقتصادية، واجتماعية في صياغة مشاعر الإحباط أو تراجع الثقة لدى بعض المواطنين تجاه الواقع في مصر، ويمكن تلخيص أبرز هذه الأسباب في النقاط الاقتضائية التالية:

 

الضغوط الاقتصادية والمعيشية


تراجع القوة الشرائية: موجات التضخم المتتالية وانخفاض قيمة الجنيه أدت إلى زيادة أعباء المعيشة على الأسر بمختلف طبقاتها. وأدى هذا إلى تغيّر الأنماط الاستهلاكية، حيث لجأت قطاعات واسعة إلى تقليص شراء الكماليات وحتى بعض السلع الأساسية، وزاد الاعتماد على خدمات الشراء بالتقسيط والتمويل الاستهلاكي لتلبية الاحتياجات الأساسية.

 

ارتفاع معدلات البطالة: نقص الفرص الوظيفية التي تتناسب مع مؤهلات الخريجين الجدد يؤدي إلى تزايد الإحباط لديهم. ووفقًا لأحدث بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، سجل عدد المتعطلين الإجمالي نحو 2.13 مليون متعطل، وإن كانت التقديرات تشير إلى أعداد أكبر من ذلك بكثير. 


صعوبة التخطيط للمستقبل: التقلبات الاقتصادية المستمرة تجعل من الصعب على الشباب تأمين السكن، أو الإقدام على الزواج، أو بناء استقرار مالي، فضلاً عن أنها قد تكون سببًا في مشاكل عاصفة، بسبب الضبابية وسوء التقدير نتيجة غياب الشفافية.

 

التحديات الاجتماعية والخدمية


فجوة التعليم والصحة: تراجع جودة الخدمات الأساسية في قطاعي التعليم الحكومي والرعاية الصحية يفرض تكاليف باهظة كبدائل خاصة على المواطن. فقد أصبحت المدارس مكانًا لأداء الامتحانات فقط، دون أن يكون هناك اهتمام حقيقة بجودة التعليم وتنمية النشء، وأصبح الاعتماد متزايدًا على التعليم الخاص والدروس الخصوصية، وكذلك الحال بالنسبة للمنشآت الصحية التي تدهورت خدماتها إلى حد كبير، ولجأ كثيرون إلى المستشفيات الخاصة والاستثمارية، وهو أمر يعجز عنه كثير من المواطنين من محدودي الدخل. 


الفجوة الطبقية العميقة: يتجسد ذلك في ظهور مجتمعات عمرانية واستهلاكية مغلقة ومعزولة، الأمر الذي يعزز شعور الفئات الأقل دخلاً بالتهميش وعدم العدالة في توزيع الثروات، وقد برز ذلك بوضوح في النمط الاستهلاكي والعمراني، وهو أمر يخشى الخبراء أن يتصاعد بمرور الوقت، ويزيد من عمق الفجوة الطبقية في مصر، نتيجة استحواذ فئة قليلة على النصيب الأكبر من الثروة والموارد. 


البحث عن الهجرة كبديل: تنامي الرغبة الجماعية لدى الكفاءات والشباب في السفر للخارج للبحث عن تقدير مادي ومعنوي أفضل. ووفقًا لأحدث دراسات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، بلغ إجمالي عدد المصريين بالخارج 11.08 مليون شخص بنهاية عام 2022. وقد عاني القطاع الصحي خصوصًا من هروب الكفاءات الشابة من مصر إلى دول أوروبية بحثُا عن التقدير وتحقيق الذات. 

 

العوامل السياسية والمؤسسية


محدودية المجال العام: ضعف قنوات التعبير السياسي والمشاركة الحزبية المستقلة، مع فرض نهج الصوت الواحد، وعدم السماح بأية معارضة جادة قد يراها النظام الانقلابي تشكل تهديدًا له، الأمر الذي يولد شعورًا بالعجز عن إحداث تغيير أو التأثير في القرار العام.


البيروقراطية وغياب الشفافية: التعقيدات الإدارية في المؤسسات الحكومية تعوق أحيانًا الشعور بسيادة القانون والعدالة الناجزة السريعة، وهو ما يهدر حقوق المواطنين وسريان الشعور بالعجز نتيجة بطء العدالة، حيث قد تستغرق بعض القضايا سنوات دون الفصل فيها.