لم تكن الجرائم التي هزت الرأي العام في مصر خلال السنوات الأخيرة مجرد حوادث منفصلة، بل علامات دامية على مجتمع تُرك وحيدا بين الفقر والقهر والمخدرات وانسداد الأفق. فمن مقتل نيرة أشرف أمام جامعة المنصورة في 20 يونيو 2022، إلى مأساة طفلي الدقهلية في أغسطس 2018، ثم جرائم سفاح التجمع وطفل شبرا وأسرة المنيا ومجزرة سفاجا، تبدو البلاد وكأنها تدفع ثمن معادلة سياسية قاسية اسمها الصمت مقابل الأمان. لكن الأمان لم يأت، والصمت لم يمنع الدم، بل فتح الطريق لجريمة أكثر وحشية، وعنف أكثر جرأة، وتفكك اجتماعي يزحف من الشارع إلى البيت.
الخوف حين يغلق السياسة ويفتح أبواب العنف
تبيع السلطة للمواطن وعدا بسيطا: ابتعد عن الكلام العام تعش آمنا. غير أن الواقع يكشف العكس. فحين تغلق السياسة، وتُصادر النقابات، وتخاف الصحافة، وتتحول الدولة إلى جهاز رقابة وعقاب، لا يختفي الغضب، بل ينتقل إلى الشارع والبيت والعمل والمواصلات. المواطن الذي لا يجد منصة يعبر منها عن ألمه، قد يتحول إلى كائن محاصر، يرى العالم عدوا، ويعامل أقرب الناس إليه كخصوم.
يشير أستاذ العلوم السياسية عمرو حمزاوي إلى أن قمع المواطن بديلا عن إشراكه في الشأن العام يهدد الاستقرار ويغلق فرص التعافي. وهذه الفكرة تفسر جانبا من مشهد العنف اليومي؛ فالاستقرار الحقيقي لا يقوم على الخوف، بل على العدالة والمشاركة والثقة. أما حين تصبح الدولة أقوى من المجتمع لا حامية له، فإن الناس يتعلمون من منطقها أن القوة هي اللغة الوحيدة المسموعة.
لذلك لم تعد الجريمة فعلا جنائيا مجردا، بل صارت مرآة لانسداد أكبر. حين يرى المواطن أن القانون انتقائي، وأن الضعيف يهان، وأن الغني ينجو، وأن صاحب الصوت العالي يكسب، تتراجع قيمة الأخلاق العامة. وهنا يصبح القتل، والترويع، والانتقام، والبلطجة، أعراضا لمرض أعمق اسمه فقدان الأمان الاجتماعي، لا مجرد انحرافات فردية.
المخدرات والدارك ويب وجريمة بلا سقف
تتكرر في ملفات الجرائم الحديثة إشارات المخدرات والمواد المؤثرة، من قضية الأب الذي ألقى طفليه في النيل، إلى اتهامات في قضايا قتل متسلسل أو جرائم شاذة الصدمة. لم تعد المخدرات مجرد إدمان شخصي، بل صارت وقودا لجريمة أسرية ومجتمعية، تدفع المتعاطي إلى العنف والسرقة والانتقام، وتدفع الأسرة إلى الانهيار تحت ضغط الخوف والعار والعجز.
يربط أستاذ الطب النفسي أحمد عكاشة بين تعاطي المخدرات وارتفاع معدلات العنف والجريمة، محذرا من أن الإدمان لا يقتل صاحبه وحده، بل يهدد محيطه. هذه الرؤية تجعل قراءة الجرائم الأخيرة أكثر وضوحا؛ فالمخدرات في بلد فقير ومقهور لا تعمل وحدها، بل تدخل على بنية اجتماعية مضغوطة، فتفجر ما فيها من غضب ومرض وكراهية.
أما جريمة طفل شبرا، التي ارتبطت إعلاميا بالدارك ويب والاتجار بالأعضاء، فتكشف انتقال الجريمة من العشوائية المحلية إلى فضاء أكثر رعبا، حيث تلتقي التكنولوجيا بالوحشية والطمع. هنا لا تكفي بيانات القبض والمحاكمة، لأن السؤال الأكبر هو: كيف تُترك بيئات كاملة من الأطفال والشباب أمام مخدرات وإنترنت مظلم وفقر وأسرة منهكة ومدرسة غائبة.
البيت الذي لم يعد آمنًا
الأخ الذي يقتل شقيقه، الأب الذي يتخلص من أطفاله، زوجة الأب التي تتهم بقتل أسرة كاملة، والزوج أو القريب الذي يحول البيت إلى مسرح دم، كلها صور تكشف انهيارا في أكثر مساحة يفترض أن تكون آمنة. لم تعد الجريمة تأتي فقط من غريب في شارع مظلم، بل من داخل الدائرة الأقرب، من الأسرة نفسها، حين تنكسر روابط الرحمة وتطغى الأنانية والغيرة والطمع والضغط النفسي.
يؤكد الخبير الأمني اللواء إيهاب يوسف أن مواقع التواصل والدارك ويب وأنماط المخدرات الجديدة ساهمت في ظهور جرائم لم تكن مألوفة بهذا الشكل، مشيرا إلى تغيرات داخل بنية الجريمة الأسرية والمنظمة. وهذا التشخيص مهم، لكنه لا يعفي الدولة من مسؤوليتها، لأن مراقبة الأسرة وحدها لا تكفي إذا كانت الأسرة نفسها مسحوقة بالديون والغلاء وانعدام الخدمات.
قضية أسرة المنيا في أغسطس 2025، حيث اتهمت زوجة الأب الثانية بتسميم 6 أطفال ووالدهم، لم تكن فقط مأساة محلية، بل صرخة من صعيد مهمل تتراكم فيه الفقر والغيرة والعزلة وغياب الدعم النفسي. وقبلها بقيت واقعة طفلي الدقهلية علامة على أن البيت قد يتحول إلى أخطر مكان حين يجتمع الإدمان واللامسؤولية وانهيار الضمير.
الصعيد بين الذهب والسلاح والثأر
في 30 أبريل 2026، تحولت رحلة التنقيب غير المشروع عن الذهب في سفاجا إلى مجزرة راح ضحيتها 8 أشخاص بعد خلاف مسلح على أولوية التنقيب. هذه الواقعة لا تنفصل عن جغرافيا طويلة من السلاح والثأر والبحث اليائس عن الثراء السريع. حين يغيب الاقتصاد العادل، يصبح الجبل سوقا سوداء، ويصبح الذهب سببا للقتل لا للتنمية.
تقول الدكتورة هالة رمضان، رئيس المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، إن دراسات المركز أظهرت أن المرأة في الصعيد قد تلعب دورا في إخماد جرائم الثأر أو تأجيجها. وهذه الإشارة تفتح بابا لفهم الجريمة في الصعيد كشبكة اجتماعية كاملة، لا كطلقة فردية. فالثأر والسلاح والذهب غير المشروع ليست حوادث منعزلة، بل اقتصاد ظل وثقافة خوف وغياب دولة عادلة.
ما يجري في الصعيد يكشف سقوط شعار الأمن في امتحانه الحقيقي. فالدولة التي تملأ المجال العام بالحديث عن السيطرة لا تمنع السلاح من الدوران، ولا توقف التنقيب العشوائي، ولا تنزع منطق الثأر من القرى، ولا تمنح الشباب طريقا نظيفا للرزق. لذلك يصبح الذهب حلما قاتلا، والسلاح لغة تفاوض، والدم نهاية متوقعة لكل صراع مكتوم.
في النهاية، ليست مصر أمام موجة جرائم عابرة، بل أمام نتيجة سياسية واجتماعية طويلة. الصمت لم يحم الناس، والخوف لم يصنع مجتمعا آمنا، والقبضة الأمنية لم تمنع المخدرات ولا العنف الأسري ولا السلاح ولا جرائم الذهب. الدولة التي تصادر الكلام العام تترك الغضب يبحث عن مخارج أكثر ظلاما. والأمان الحقيقي لا يولد من تكميم الأفواه، بل من عدالة تحمي الناس، واقتصاد يفتح لهم بابا للحياة، وتعليم يربي، وإعلام لا يبرر القبح، وقانون لا يفرق بين قوي وضعيف.

