حوّل نظام قائد الانقلاب عبدالفتاح السيسي معادلة الصمت مقابل الأمان إلى عقد إذعان واسع، لا يطلب من المواطن فقط أن يبتعد عن السياسة، بل أن يتنازل عن صوته وكرامته وحقه في الاعتراض، مقابل وعد زائف بالاستقرار. ومع مرور السنوات، لم ينتج هذا الصمت أمنا، بل أنتج مجتمعا مرهقا، خائفا، غاضبا، فاقدا للثقة، ومفتوحا على انهيار أخلاقي تظهر علاماته في الشارع، وعلى الشاشات، وفي لغة الناس اليومية.
لم تعد الأزمة محصورة في سجون السياسة أو غياب الأحزاب أو تكميم الصحافة، بل تجاوزت ذلك إلى بنية المجتمع نفسه. فحين تغلق السلطة المجال العام، وتطارد الكلمة الحرة، وتحوّل الخوف إلى سياسة حكم، يصبح العنف لغة بديلة، وتصبح البلطجة تعبيرا عن دولة لا تعترف إلا بالقوة، بينما يتكفل الإعلام بتجميل القبح أو تصدير التفاهة أو تسليع الجسد والشتيمة باعتبارها ترفيها.
الخوف حين يصبح بديلا عن السياسة
منذ تمدد القبضة الأمنية، جرى دفع المصريين إلى معادلة قاسية: لا تتكلم كي تنجو. غير أن إسكات المجتمع لا يلغي غضبه، بل يدفعه إلى الداخل، حيث يتحول الكبت إلى يأس، واليأس إلى عدوان مكتوم، والعدوان إلى انفجارات يومية في الشارع والبيت والعمل والمدرسة. هنا لا يصبح الصمت فضيلة، بل مرضا عاما تصنعه السلطة وتترك الناس يتقاتلون تحت سقفه.
يرى أستاذ العلوم السياسية عمرو حمزاوي أن السلطوية الجديدة تهدد استقرار مصر وفرص تعافيها، لأنها تستبدل مشاركة المواطن بالقمع المباشر وغير المباشر، وتخلق بيئات اجتماعية قابلة للعنف. وهذا المعنى يفضح جوهر المعادلة: الأمن الذي لا يقوم على العدالة والمشاركة ليس أمنا، بل إدارة خوف مؤجلة الانفجار.
وفي السياق نفسه، يقدم عالم النفس مصطفى حجازي مفتاحا مهما لفهم ما يحدث حين يتحول الإنسان إلى كائن مهدور، منزوع القيمة والقدرة على الفعل. فالإنسان المقهور لا يفقد رأيه السياسي فقط، بل يفقد احترامه لذاته وللآخرين، فيصبح المجتمع قابلا للتشوه الأخلاقي، وتصبح القسوة والعنف اللفظي والجسدي تعبيرا عن هدر طويل للكرامة.
لهذا تبدو دولة الاستبداد مسؤولة عن أكثر من إغلاق السياسة. إنها تعيد تشكيل الأخلاق العامة على صورتها: قوة فوق قانون، صوت عال فوق حوار، إهانة فوق كرامة، ونجاة فردية فوق تضامن اجتماعي. وحين يرى المواطن أن السلطة تكافئ الولاء وتعاقب الصدق، يتعلم أن الأخلاق عبء، وأن الانحناء والبلطجة طريقان أسرع للنجاة.
إعلام العري والشتيمة وصناعة التفاهة
لم يهبط الإعلام من فراغ. فالسلطة التي تخشى السياسة تحتاج إلى شاشة تملأ الفراغ، وتعيد توجيه الغضب بعيدا عن أسباب الفقر والقمع والفساد. لذلك تمددت مساحات التفاهة، وجرى تسويق العري اللفظي والبصري، والسباب، والبلطجة الدرامية، كأنها تعبير عن الواقع، بينما هي في الحقيقة إعادة إنتاج مدروسة لواقع أكثر انحطاطا.
تحذر آمنة نصير، أستاذة الفلسفة بجامعة الأزهر، من أن تدني لغة الحوار والصوت العالي والألفاظ غير اللائقة يعكس زحفا خطيرا في الثقافة السائدة، شاركت فيه الأسرة والتعليم والميديا. هذه الرؤية تكشف أن ما يقال على الشاشة لا يبقى على الشاشة، بل ينزل إلى الشارع، ويتحول إلى مفردات يتداولها الأطفال والشباب كأنها لغة طبيعية للحياة.
وتذهب هناء السيد، أستاذة الإعلام بجامعة المنوفية، إلى أن التلفزيون لا يزال يقتحم كل بيت، وأن تكرار النماذج المنحطة واللغة المتدنية عبر نجوم محبوبين يدفع الشباب إلى تقليد السلوك والألفاظ. هنا يصبح شعار الجمهور يريد ذلك كذبة تجارية وأخلاقية، لأن الإعلام لا يعكس الواقع فقط، بل يربّي عليه، ويعيد تطبيعه، ويمنحه شرعية جماهيرية.
الأخطر أن إعلام السلطة لا يصنع وعيا ولا يفتح نقاشا، بل يخلط بين الترفيه والتسطيح، وبين الفن وتسليع الجسد، وبين الواقعية وتمجيد البلطجة. وحين تغيب البرامج الجادة، وتغيب القدوة، وتُطارد الأصوات المستقلة، يصبح صوت الشتيمة أعلى من صوت العقل، وتصبح صورة البلطجي أكثر حضورا من صورة المواطن الحر.
من البلطجة اليومية إلى الانهيار الإنساني
انتشار البلطجة ليس انحرافا فرديا معزولا، بل نتيجة مجتمع يشعر أن القانون لا يحمي الضعيف، وأن العدالة انتقائية، وأن القوي يستطيع أن يفرض إرادته بالصوت أو النفوذ أو السلاح أو المال. في مثل هذه البيئة، لا يدهش أن تتراجع لغة الاعتذار، وأن تنتشر الألفاظ البذيئة، وأن يتحول الخلاف البسيط إلى شجار وتهديد وإهانة.
وقد تناول أستاذ الطب النفسي يحيى الرخاوي العنف في المجتمع المصري بوصفه ظاهرة تحتاج إلى فهم نفسي واجتماعي، لا إلى شماعة جاهزة. فالعنف لا يولد فجأة، بل يتراكم من قهر وخوف وإحباط وغياب للقدوة. وحين لا يجد الناس قنوات عادلة للتعبير، تتحول الطاقة المكبوتة إلى عدوان لفظي أو بدني أو رمزي.
هنا تظهر الكارثة الأخلاقية الأعمق: النظام الذي يزعم حماية المجتمع من الفوضى يترك الفوضى تتسلل إلى تفاصيله اليومية. يسكت السياسة فيعلو الصراخ في الشارع. يطارد الكلمة الحرة فتنتشر الشتيمة الرخيصة. يخنق الإعلام الجاد فتنتعش برامج الفضائح والعري. يقتل القدوة العامة فيملأ الفراغ أصحاب الصوت العالي والمال السهل.
إن استراتيجية الصمت مقابل الأمان لم تحم مصر، بل نزعت عنها مناعتها. فالأمم لا تنهار فقط حين تفقر، ولا حين تقمع فقط، بل حين تفقد قدرتها على التمييز بين الحرية والفوضى، وبين الفن والابتذال، وبين القوة والبلطجة، وبين الأدب والخضوع. وهذا ما تصنعه دولة الاستبداد: شعبا مطلوبا منه أن يصمت، ثم متهما بأنه فقد أخلاقه.
في النهاية، لا يمكن إصلاح الانهيار الأخلاقي ببيانات وعظية أو حملات موسمية، ما دام أصل المرض قائما: دولة تخاف من المواطن، وإعلام يخاف من الحقيقة، ومدرسة عاجزة، وأسرة محاصرة بالفقر، ومجال عام مغلق. استعادة الأخلاق تبدأ باستعادة الحرية والعدل والكرامة، لأن المجتمع الذي لا يملك حق الكلام لن يملك طويلا حق التماسك.

