تترقب الإسكندرية حكم محكمة القضاء الإداري في الدعوى رقم 8397 لسنة 80 ق، المعروفة إعلاميا بقضية ترام الرمل، بعد حجزها لجلسة 18 يوليو المقبل، وسط مطالب بوقف الهدم وتغيير معالم المرفق التاريخي.
ويضع هذا الترقب أهالي المدينة في مواجهة مباشرة مع مشروع حكومي تقدمه وزارة النقل باعتباره تطويرا لمنظومة النقل، بينما يراه معارضوه إحلالا خرسانيا يهدد هوية الإسكندرية وذاكرتها البصرية الممتدة منذ عقود، ويبدو النزاع أشبه بسيناريو مسلسل "الراية البيضاء".
قضية ترام الرمل تتحول إلى معركة هوية
أكد محمد فتوح، المحامي مقيم الدعوى الخاصة بمشروع تطوير ترام الرمل، أن محكمة القضاء الإداري قررت حجز القضية للحكم في جلسة 18 يوليو المقبل، بعد مرحلة قانونية شهدت اهتماما شعبيا واسعا.
وأوضح فتوح أن آخر جلسات نظر القضية شهدت غياب ممثل الجهاز القومي للتنسيق الحضاري، رغم أن النزاع يرتبط بأحد أبرز معالم التراث الحضاري في الإسكندرية، لا بمجرد مشروع نقل عادي.
وبحسب فتوح، فإن الدعوى لا تستهدف رفض التطوير من حيث المبدأ، لكنها تعترض على طبيعة المشروع المطروح حاليا، لأنه يتضمن هدم محطات تاريخية وتغيير ملامح مرفق ارتبط بوجدان المدينة.
كما أكد أن ترام الرمل يمثل جزءا من الهوية البصرية والتراث الحضاري للإسكندرية، إضافة إلى كونه وسيلة نقل جماعية نظيفة ومستدامة، تخدم شريحة واسعة من المواطنين يوميا داخل المدينة.
وفي هذا السياق، يرى أهالي الإسكندرية أن الحديث الحكومي عن التطوير لا يبدد مخاوفهم، لأن المشروع يتضمن إلغاء 18 محطة قائمة وإنشاء محطات علوية وكباري خرسانية تغير طبيعة الترام التاريخية.
لذلك يصف فتوح ما يجري بأنه أقرب إلى الإحلال والتجديد منه إلى التطوير، لأن تطوير المرفق التراثي يفترض أن يحافظ على طابعه العمراني لا أن يستبدله بكتل خرسانية جديدة.
ومع اتساع الجدل، حضر تشبيه مسلسل الراية البيضاء بقوة في تعليقات الأهالي، لأن العمل الذي كتبه أسامة أنور عكاشة وأخرجه محمد فاضل سبق أن حذر من هدم الذاكرة العمرانية للمدينة.
وبهذا المعنى، لم تعد قضية ترام الرمل نزاعا هندسيا فقط، بل صارت اختبارا لعلاقة الحكومة بتراث الإسكندرية، وطريقة إدارتها لملفات التطوير عندما تصطدم بحساسية المكان وذاكرة السكان.
دعم شعبي واسع في مواجهة مشروع الهدم
قال محمد فتوح إن الدعوى تحظى بدعم شعبي واسع من أبناء الإسكندرية، سواء من خلال حضور جلسات المحكمة أو عبر حملات التضامن والنقاشات الدائرة على منصات التواصل الاجتماعي.
وأضاف أن عددا من الصفحات والمجموعات الإلكترونية تبنى الدفاع عن مرفق ترام الرمل، باعتباره رمزا تراثيا للمدينة، بينما وقع أكثر من 2000 سكندري على عريضة شعبية داعمة للقضية.
كما أشار إلى أن بعض المؤسسات الحقوقية أعلنت تضامنها مع المطالب، ومن بينها المفوضية المصرية للحقوق والحريات، التي أصدرت بيانا داعما للحفاظ على الطابع التراثي لترام الإسكندرية.
وفي المقابل، أكد فتوح أنه وجه دعوات إلى عدد من المحامين وإلى نقابة المحامين للمشاركة في هيئة الدفاع، لكنه لم يتلق استجابة عملية للمشاركة في إجراءات التقاضي حتى الآن.
ورغم ذلك، شدد المحامي على أن المسار القانوني استمر حتى وصل إلى مرحلة حجز الدعوى للحكم، معربا عن أمله في مشاركة أوسع من المهتمين بتراث الإسكندرية وهويتها التاريخية.
وبالنسبة لفتوح، فإن القضية ليست موضوعا شخصيا، بل تخص أهل الإسكندرية جميعا، وتمس الهوية الثقافية لمصر، لأنها تتعلق بالحفاظ على أحد أهم معالم المدينة التاريخية والتراثية.
وتستند الدعوى إلى وقائع ميدانية، بينها مقاطع فيديو توثق أعمال هدم طالت عددا من محطات الترام ذات الطراز المعماري المتميز، إضافة إلى صور حديثة تكشف اقتلاع أشجار معمرة.
كما تضمنت الدعوى توثيقا لهدم برج الساعة في محطة بولكلي، وهو تفصيل زاد غضب الأهالي، لأن الهدم لم يمس مرفقا خدميا فقط، بل طال علامة بصرية معروفة.
وقدمت الدعوى نسخا رسمية من مجلد حصر المباني ذات الطراز المعماري المتميز، موضحة بالأرقام الكودية أن محطات بولكلي ومصطفى كامل وسبورتنج والجامعة تتمتع بحماية قانونية.
واستند فتوح في مطالبته إلى القانون رقم 144 لسنة 2006 وإلى أحكام الدستور، مطالبا بتعديل المسار المطروح والتراجع عن فكرة إنشاء المحطات والكباري العلوية الخرسانية.
رواية الحكومة تصطدم بخوف المدينة
من جانبها، أكدت وزارة النقل أن الدراسات المتكاملة لمنظومة النقل في محافظة الإسكندرية أظهرت الحاجة الملحة لإعادة تأهيل ترام الرمل، بسبب تدهور البنية التحتية والأنظمة التشغيلية.
وقالت الوزارة إن الترام يعاني من انخفاض مستمر في أعداد الركاب نتيجة سوء حالته الفنية وتدني كفاءته التشغيلية، وهو ما دفع المواطنين إلى الاعتماد على وسائل نقل بديلة.
وأضافت أن هذا التحول أسهم في زيادة حدة الازدحام المروري داخل الإسكندرية، بالتزامن مع بدء تنفيذ مشروع مترو الإسكندرية ضمن خطة حكومية لإعادة ترتيب منظومة النقل بالمحافظة.
وبحسب بيان وزارة النقل، خلصت الدراسات إلى أن تطوير المنظومة يعد الحل الوحيد لمواجهة المشكلات المرورية، لأن الإسكندرية تعتمد على طريقين طوليين يربطان شرق المدينة بوسطها.
وأوضحت الوزارة أن هذين الطريقين هما طريق الكورنيش وطريق الحرية، إلى جانب طريق حضري واحد يربط وسط المدينة بغربها، وهو شارع المكس وامتداده.
كما أشارت إلى أن مشروع إعادة التأهيل يشمل تطويرا شاملا للبنية التحتية وأسطول الترام، بهدف تحسين مستوى الخدمة وزيادة الطاقة الاستيعابية وتقليل زمن الرحلات داخل المدينة.
لكن رواية الحكومة لا تجيب عن سؤال التراث كما يطرحه الأهالي، لأن تحسين الخدمة يمكن أن يتم ضمن خطة تحافظ على المحطات التاريخية والأشجار والمعالم البصرية، لا عبر هدمها.
ومن هنا يظهر جوهر الصراع بين الإسكندرانية والحكومة، فالأهالي لا يرفضون النقل الأفضل، لكنهم يرفضون أن يتحول التطوير إلى طمس لمعالم تاريخية تحت عنوان الكفاءة والتحديث.
وتكشف قضية ترام الرمل أن المدينة لا تعترض على المستقبل، لكنها ترفض أن يأتي المستقبل على حساب ذاكرتها، خصوصا بعدما تحولت مشروعات التطوير في أكثر من منطقة إلى خرسانة كثيفة.
في النهاية، ينتظر أهالي الإسكندرية حكم 18 يوليو المقبل باعتباره لحظة فاصلة بين مسارين، إما تطوير يحترم الذاكرة العمرانية، وإما مشروع يضيف فصلا جديدا إلى معركة الراية البيضاء.
ويبقى السؤال الأوضح في القضية هو ما إذا كانت الحكومة ستتعامل مع ترام الرمل كعبء قديم يحتاج الإزالة، أم كجزء من هوية مدينة لا يجوز هدمها باسم التطوير.

