طالب عبدالرحمن بشاري، عضو مجلس النواب عن محافظة الأقصر، الحكومة بكشف إجمالي موازنة المحافظة ومواردها الذاتية خلال آخر 3 سنوات، بعد إعلان 4.2 مليار جنيه استثمارات حكومية للعام المالي 2025 - 2026.
وكشفت المطالبة فجوة واضحة بين أرقام حكومية ضخمة وواقع خدمي لا يلمسه المواطن في الطرق والنظافة والصرف والمواقف والأسواق، بينما تبقى موارد السياحة والكورنيش والمراسي والإشغالات خارج المعرفة العامة.
أرقام الموازنة لا تكفي المواطن
بحسب بيانات وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي، بلغت الاستثمارات الحكومية الموجهة لمحافظة الأقصر 4.2 مليار جنيه خلال العام المالي 2025 - 2026، ضمن خطة تعلن الحكومة أنها تستهدف سد الفجوات التنموية.
لكن عبدالرحمن بشاري نقل السؤال من خانة الإعلان الحكومي إلى خانة الحساب، حين طلب بيان حجم الموازنة العامة للمحافظة خلال آخر 3 سنوات، وقيمة الاعتمادات السنوية التي وصلت فعليا إلى الأقصر.
كما طلب النائب توضيح حجم التمويل الإضافي أو المنح أو المساهمات التي حصلت عليها المحافظة خلال الفترة نفسها، لأن الاعتمادات المعلنة لا تكشف وحدها حجم المال المتاح ولا مسار إنفاقه.
وفي تفاصيل الخطة، تصدر قطاع الاستثمارات المحلية بمبلغ 914 مليون جنيه لتدعيم شبكات الكهرباء والإنارة العامة وتحسين البيئة، وهي بنود يفترض أن تظهر مباشرة في شوارع المدن والقرى.
ثم خصصت الحكومة 742 مليون جنيه لمد شبكات جديدة ومحطات تنقية لمواكبة التوسع العمراني، بينما رصدت 586 مليون جنيه لتطوير الفصول المدرسية وتقليل الكثافات داخل مدارس المحافظة.
كذلك بلغت مخصصات رصف الطرق والربط الداخلي 223 مليون جنيه، وهو رقم يضع الحكومة أمام سؤال يومي عن حالة الطرق، خصوصا في المراكز البعيدة التي لا تراها الوفود الرسمية كثيرا.
ويربط الباحث الاقتصادي عمرو عادلي، في دراساته عن الاقتصاد السياسي والتنمية، بين فاعلية الإنفاق العام وقدرة المواطنين على قياس أثره، لذلك يخدم رأيه سؤال الأقصر حول الأثر لا الرقم.
وبهذا المعنى، لا تصبح المشكلة في إعلان 4.2 مليار جنيه، بل في غياب جدول واضح يشرح نصيب كل مركز وقرية، وما تم تنفيذه فعلا، وما بقي مجرد اعتماد داخل الأوراق.
موارد الأقصر لا تظهر في الخدمة
إلى جانب الموازنة العامة، تمتلك الأقصر موارد ذاتية من السياحة والآثار ورسوم الزيارات وإشغالات الفنادق والأنشطة الترفيهية، فضلا عن موارد محلية تتحصل يوميا داخل المدن والمراكز والوحدات التابعة.
ولهذا سأل بشاري عن إجمالي الإيرادات والعوائد المالية التي تم تحصيلها داخل نطاق محافظة الأقصر خلال آخر 3 سنوات، مطالبا ببيان سنوي مفصل لكل مورد يدخل خزائن المحافظة.
وشمل السؤال عوائد استغلال وتأجير الكورنيش والممشى السياحي، وعوائد المراسي النيلية والأنشطة السياحية التابعة للمحافظة، لأن هذه المواقع تمثل واجهة الأقصر ومصدرا مستمرا للرسوم والإيرادات.
كذلك طالب النائب بكشف إيرادات المواقف العامة والأسواق والسويقات والمحال التجارية والأكشاك التابعة للمحافظة، وهي موارد يدفع المواطن والتاجر كلفتها يوميا دون أن يعرف حصيلتها النهائية.
وتوسع السؤال ليشمل رسوم التراخيص والإشغالات والإعلانات، وعوائد استغلال أملاك الدولة والأراضي التابعة للمحافظة، ورسوم التصالح وتقنين أوضاع أراضي الدولة، وحصيلة المخالفات والغرامات والرسوم المحلية.
ويخدم رأي الخبير الاقتصادي عبدالخالق فاروق هذا المحور بوضوح، لأنه حذر سابقا من الصناديق والحسابات الخاصة التي تتحرك خارج رقابة المجتمع، وتخلق موازنة موازية لا يراها المواطن.
ومن هنا يكتسب طلب بشاري بكشف الجهات والحسابات والصناديق التي تؤول إليها الأموال المحصلة أهمية مباشرة، لأن السؤال لا يلاحق رقما فقط، بل يلاحق مكان استقرار المال العام.
لذلك لا تبدو أزمة الأقصر في ضعف الموارد وحدها، بل في عدم إعلان مسارها، لأن المحافظة السياحية التي تجمع من النيل والكورنيش والمراسي والمواقف مطالبة بإظهار أثر هذه الحصيلة.
الإنفاق الغامض يبتلع حق الأهالي
بعد سؤال الإيرادات، طلب بشاري من الحكومة تحديد آليات التصرف في الأموال، ونسب ما يتم توريده إلى الخزانة العامة للدولة، وما يبقى تحت تصرف المحافظة والوحدات المحلية التابعة لها.
كما طالب النائب بتوضيح الضوابط المنظمة للصرف من هذه الموارد، لأن المواطن لا يستطيع تقييم الإنفاق ما لم يعرف هل تذهب الأموال إلى الخدمات أم المصروفات الإدارية أم حسابات مغلقة.
وفي ملف الإنفاق، طلب بشاري بيانا تفصيليا لأوجه الصرف خلال آخر 3 سنوات، متضمنا مشروعات الرصف والبنية التحتية ومياه الشرب والصرف الصحي والنظافة والتجميل والتشجير.
وشملت المطالبة أيضا تطوير المناطق السياحية والأثرية والإنارة العامة وشراء المعدات والآلات وأعمال الصيانة الدورية، وهي بنود يفترض أن تنعكس على الشوارع والمناطق السياحية والقرى لا على الخطابات الرسمية.
كذلك طلب النائب كشف الأجور والمكافآت والحوافز والمصروفات الإدارية والتشغيلية، وبيان حجم الفوائض المالية المتحققة سنويا وكيفية التصرف فيها، لأن الفائض لا معنى له مع تدهور الخدمات.
ويخدم رأي الخبير الاقتصادي إلهامي الميرغني هذا المحور، لأنه يربط أزمة الموازنة بسؤال الأولويات، ويؤكد في كتاباته أن الأرقام لا تنصف المواطن عندما ينحاز الإنفاق لبنود لا تخدمه.
وبناء على ذلك، لا يكفي أن تعلن الحكومة عن مشروعات في الأقصر، لأن السؤال الأهم هو حجم ما وصل إلى المواطن فعلا في إسنا وأرمنت والقرنة والطود والزينية والبياضية.
وتزداد أهمية السؤال مع فتح ملفات محلية أخرى، من بينها إيرادات المنافذ الخدمية، والطريق الصحراوي الشرقي بين الأقصر وأسوان، لأن هذه القضايا تكشف علاقة مباشرة بين المال والخدمة والتنمية.
وفي ختام سؤاله، طالب بشاري بتوضيح نسبة مساهمة الموارد الذاتية في تمويل المشروعات والخدمات العامة، والإجراءات التي تنفذها وزارة التنمية المحلية لتعظيم الاستفادة من أصول محافظة الأقصر.
كما طلب النائب بيانا بشأن وجود خطة زمنية محددة لزيادة الإيرادات المحلية وتحسين كفاءة الإنفاق، بما يحقق تنمية مستدامة لأبناء الأقصر، لا مجرد تحصيل رسوم جديدة من جيوبهم.
وتضع هذه المطالب الحكومة أمام اختبار لا يحتمل التهرب، لأن المواطن لا يسأل عن رقم في بيان رسمي فقط، بل يسأل عن طريق ممهد ومدرسة أقل كثافة وموقف منظم وشارع نظيف.
في النهاية، يكشف سؤال الأقصر أن المشكلة ليست في نقص الكلام عن التنمية، بل في غياب كشف حساب منشور يربط الموارد والإيرادات بحياة الناس، ويشرح أين ذهبت الأموال.
ويبقى الرد الحكومي المنتظر هو الفاصل، فإما أن تكشف الحكومة موارد الأقصر ومصارفها وأرصدة صناديقها، وإما أن يظل المواطن يدفع الرسوم ولا يرى أثرا يليق بمحافظة تعيش على السياحة.

