تواصلت في القاهرة، لليوم الرابع على التوالي، اجتماعات الفصائل الفلسطينية برعاية الوسيط المصري وبمشاركة أطراف تركية وقطرية، لحسم اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة واستكمال ما تبقى من المرحلة الأولى.
وكشفت مصادر فلسطينية مطلعة عن تحقيق تقدم واضح في المباحثات، بعد إبلاغ حركة حماس الوسطاء بوجود توافق بين الفصائل على مبدأ حصر السلاح بيد سلطة فلسطينية يتم الاتفاق عليها.
ويأتي هذا التطور في قلب أكثر الملفات حساسية داخل المفاوضات، إذ تحاول الفصائل تثبيت فارق جوهري بين حصر السلاح ضمن إطار وطني فلسطيني متوافق عليه، وبين نزعه وفق الرؤية الإسرائيلية.
وتسعى القاهرة، بمساندة قطرية وتركية، إلى بلورة تفاهم شامل يوقف إطلاق النار، ويفتح الطريق أمام انسحاب إسرائيلي تدريجي، وتدفق المساعدات، وبدء ترتيبات إدارة غزة وإعادة إعمار القطاع.
صيغة فلسطينية لحصر السلاح
قالت المصادر إن ملف سلاح الفصائل الفلسطينية، وفي مقدمتها حركة حماس، كان من أكثر الملفات حساسية خلال المناقشات الجارية مع الوسطاء في القاهرة، بسبب إصرار إسرائيل على طرح نزع السلاح.
لكن سلسلة من الاجتماعات الثنائية والموسعة التي عقدت يوم الاثنين بين الوسطاء وحماس والفصائل الفلسطينية أسفرت عن إبلاغ الحركة الوسطاء بقبول مبدأ حصر السلاح ضمن إطار سلطة فلسطينية متفق عليها.
وبحسب المصادر، لا يعني هذا القبول موافقة على الرؤية الإسرائيلية، لأن الفصائل ترفض نزع السلاح بالشكل الذي تطرحه إسرائيل، وتتمسك بصيغة فلسطينية تحصر القرار الأمني داخل مرجعية وطنية.
وتعمل حماس عبر الوسيط المصري على بلورة صيغة معدلة تحظى بقبول مختلف الأطراف، بحيث يكون السلاح بيد سلطة فلسطينية يتم التوافق عليها بين الفصائل، لا بيد قوة خارجية.
وترتبط هذه الصيغة، وفق المصادر، بانسحاب إسرائيلي تدريجي ينتهي بانسحاب كامل من قطاع غزة، مع توفير ضمانات واضحة تمنع تل أبيب من استخدام ملف السلاح لتعطيل الاتفاق أو تفريغه.
كما تشترط الفصائل ضمان إدخال المساعدات الإنسانية بالكميات والأنواع الكافية، وفتح معبر رفح وباقي المعابر، والبدء في تنفيذ خطة الإغاثة والتعافي بعد شهور طويلة من التدمير والحصار.
وتتضمن الصيغة المقترحة تسريع دخول اللجنة الوطنية لإدارة غزة، وتسليم حركة حماس كامل الصلاحيات الإدارية لها، بما يفتح الباب أمام إدارة مدنية فلسطينية تتولى شؤون القطاع بعد الاتفاق.
وتشمل الترتيبات أيضا الشروع في عملية إعادة الإعمار تحت إشراف لجنة للرقابة والمتابعة، مع توفير ضمانات تنفيذية تمنع تعطيل التعافي، وتحمي الاتفاق من الانهيار عند أول خلاف سياسي.
تعديل ورقة مجلس السلام
أوضحت المصادر أن الوسطاء أبدوا تفهما لتحفظات الفصائل الفلسطينية على الرؤية الإسرائيلية المتعلقة بقضية نزع السلاح، خصوصا أن هذا الطرح يمس جوهر الترتيبات الأمنية والسياسية في مرحلة ما بعد الحرب.
وتركزت الملاحظات التي قدمتها حماس، نيابة عن الفصائل، على إعادة صياغة البندين الثامن والتاسع من ورقة مجلس السلام التي قدمها منسق السلام نيكولاي ملادينوف للحركة الشهر الماضي.
وبحسب المصادر، فإن التعديل الفلسطيني المقترح ينص على أن يكون السلاح محصورا بيد سلطة فلسطينية متفق عليها، بدلا من قوة الاستقرار الدولية التي تطرحها الصيغ المدعومة إسرائيليا.
ويعكس هذا التعديل تمسكا فلسطينيا برفض تحويل غزة إلى مساحة أمنية تخضع لترتيبات مفروضة من الخارج، مع قبول مبدأ تنظيم السلاح ضمن إطار وطني لا ينتقص من الحقوق الفلسطينية.
وتشدد الصيغة المقترحة، وفقا للمصادر، على عدم المساس بسلاح الأفراد أو الانتقاص من الحقوق الفلسطينية التي تكفلها المواثيق الدولية، بما يجعل الترتيب الأمني جزءا من حل سياسي أوسع.
وفي المقابل، تحاول إسرائيل تثبيت مطلب نزع السلاح كشرط جوهري، بينما ترى الفصائل أن هذا الشرط يستهدف إفراغ أي اتفاق من مضمونه وتحويل وقف إطلاق النار إلى استسلام سياسي.
لذلك ترى الفصائل أن صيغة حصر السلاح تمثل حدا فاصلا بين تنظيم الوضع الأمني داخل القطاع وبين القبول بإملاءات إسرائيلية تريد تجريد الفلسطينيين من أوراق القوة قبل أي انسحاب حقيقي.
وتقول المصادر إن الوسطاء يتعاملون مع الصيغة الفلسطينية باعتبارها مدخلا قابلا للنقاش، لأنها تمنح الاتفاق مسارا عمليا من دون الاصطدام الكامل بثوابت الفصائل أو تجاهل الهواجس الدولية.
كما ترى الفصائل أن حصر السلاح داخل سلطة فلسطينية متفق عليها يفتح الباب أمام ترتيب داخلي أوسع، يشمل الإدارة والأمن والإغاثة والإعمار، بدلا من التعامل مع كل ملف منفردا.
اختراق مرهون بإسرائيل والضمانات
أكدت المصادر أن الفصائل الفلسطينية تنظر إلى جولة القاهرة الحالية باعتبارها فرصة حقيقية لإحداث اختراق سياسي ملموس، ما لم تعرقله إسرائيل عبر التشدد في ملف السلاح أو الانسحاب.
وأضافت المصادر أن فصائل المقاومة قدمت الحد الأقصى من المرونة في هذا الملف من أجل التوصل إلى اتفاق يحمي الشعب الفلسطيني، معتبرة أن الكرة الآن في ملعب الاحتلال.
وأشارت المصادر إلى أن الفصائل حققت تقدما ملموسا في المقاربات والصيغ المطروحة للاتفاق، بما يعزز فرص التوصل إلى تفاهم شامل يدمج المرحلتين الأولى والثانية في إطار واحد.
ويهدف هذا الدمج إلى منع إسرائيل من استخدام التجزئة الزمنية للمراحل كورقة للمماطلة، إذ تريد الفصائل اتفاقا يربط وقف إطلاق النار بالانسحاب والمساعدات والإدارة والإعمار ضمن مسار واحد.
وفي السياق ذاته، أوضحت المصادر أن اجتماعات الفصائل الفلسطينية مع الوسطاء ستتواصل اليوم الثلاثاء لاستكمال مناقشة بقية بنود المرحلة الثانية، خصوصا الترتيبات الأمنية والسياسية والإنسانية المرتبطة بالقطاع.
ومن المتوقع، في حال إحراز مزيد من التقدم، عقد لقاء بين حركة حماس ومنسق السلام نيكولاي ملادينوف، بحضور ممثلين عن عدد من الفصائل الفلسطينية، لبحث الصيغة المعدلة.
وتأتي هذه التحركات وسط جهود مكثفة تقودها مصر وقطر وتركيا، بالتنسيق مع الولايات المتحدة، بهدف التوصل إلى اتفاق شامل يوقف إطلاق النار وينهي حالة الاستنزاف داخل القطاع.
وتشمل الجهود المطروحة ترتيبات لانسحاب إسرائيلي تدريجي من غزة، وضمان تدفق المساعدات الإنسانية، وفتح معبر رفح وباقي المعابر، وإطلاق ترتيبات إدارة القطاع والشروع في إعادة الإعمار.
وتبدو القاهرة في هذه الجولة أمام مهمة دقيقة، لأنها لا تدير نقاشا فنيا حول بند أمني فقط، بل تحاول منع انهيار المسار التفاوضي عند أكثر النقاط حساسية بين إسرائيل والفصائل.
أما الفصائل الفلسطينية، فتسعى إلى تثبيت معادلة تسمح بتنظيم السلاح داخل مرجعية وطنية جامعة، من دون تقديم تنازل يفتح الباب أمام فرض ترتيبات إسرائيلية أو دولية فوق الإرادة الفلسطينية.
وبذلك يصبح عنوان الجولة الحالية هو حصر السلاح لا نزعه، لأن الفارق بين المصطلحين يحدد طبيعة المرحلة المقبلة، ويكشف ما إذا كانت المفاوضات تتجه إلى اتفاق متوازن أو إلى شروط إسرائيلية مغلفة.
ويبقى نجاح اجتماعات القاهرة مرهونا بقدرة الوسطاء على تحويل الصيغة الفلسطينية إلى ورقة اتفاق قابلة للتنفيذ، وبمدى استعداد إسرائيل للتراجع عن مطلب نزع السلاح الكامل قبل إنهاء الاحتلال العسكري للقطاع.
وفي حال قبلت الأطراف بالصيغة المعدلة، يمكن أن تتحول جولة القاهرة إلى نقطة انعطاف في مسار وقف إطلاق النار، لأنها تربط الأمن بالانسحاب، وتربط الإدارة الفلسطينية بالإغاثة والإعمار.
لكن أي تعنت إسرائيلي جديد قد يعيد المفاوضات إلى مربع التعطيل، خصوصا إذا حاولت تل أبيب استخدام ملف السلاح لنسف التفاهمات أو تأجيل الانسحاب أو التحكم في إدارة غزة.
في النهاية، لا تكشف اجتماعات القاهرة عن تنازل فلسطيني مجاني، بل عن محاولة لصياغة حل سياسي وأمني يحفظ الحد الأدنى من الثوابت، ويوقف الحرب، ويفتح نافذة لإعادة ترتيب قطاع غزة فلسطينيا.

