حذرت تحركات رقابية داخل مجلس النواب أمس الخميس من توسع سماسرة الهجرة غير الشرعية في استهداف الأطفال والطلاب وصغار السن في مصر، بعد طلب إحاطة قدمه النائب الوفدي ياسر الهضيبي إلى رئيس الحكومة و5 وزراء، مطالبا بخطة وطنية عاجلة توقف نزيف القرى الطاردة.
يكشف هذا التحرك فجوة سياسية وإنسانية لا تغطيها بيانات ضبط الحدود، لأن إعلان الحكومة عدم خروج مراكب من السواحل المصرية منذ 2016 لم يمنع انتقال الشبكات إلى طرق ليبيا، ولم يحم أبناء القرى الفقيرة من وعود الثراء السريع التي تنتهي بمخازن احتجاز أو قوارب موت.
أطفال على طريق ليبيا بدلًا من الانتظام في المدارس
وبحسب طلب الإحاطة، لم تعد شبكات التهريب تنتظر الشباب على المقاهي أو داخل دوائر القرابة فقط، بل تحركت نحو مواقع التواصل والفضاء الرقمي، واستخدمت خطابا منظما يصور السفر غير النظامي باعتباره فرصة عمل مضمونة، بينما يخفي هذا الخطاب مخاطر الابتزاز والاختفاء والغرق والاستغلال.
كما وضع الطلب الحكوميين أمام مسؤولية مباشرة، بعدما أشار إلى أن الأطفال والطلاب وصغار السن تحولوا إلى فئة مستهدفة في سوق التهريب، حيث يتعامل السمسار مع ضعف الوعي الأسري ومع ضغط الفقر كمدخل لبيع رحلة تبدأ بوعد وتنتهي غالبا داخل طريق لا تملكه الأسرة ولا تراقبه الدولة.
وتؤكد واقعة ترحيل 25 طفلا مصريا من ليبيا في يوليو 2023 حجم الخلل، إذ تراوحت أعمارهم بين 11 و17 عاما، وجاء أغلبهم من قرية واحدة بالشرقية، بعدما دفعت أسرهم مبالغ وصلت إلى 130 و140 ألف جنيه مقابل تهريبهم إلى إيطاليا عبر السواحل الليبية.
وفي هذا المحور، يخدم طرح السفيرة نائلة جبر رئيس اللجنة الوطنية التنسيقية لمكافحة ومنع الهجرة غير الشرعية والاتجار بالبشر زاوية الرقابة المؤسسية، لأنها أكدت في فعالية رسمية أن اللجنة تضم 30 جهة، وأنها أعدت أول خارطة للهجرة غير الشرعية وحددت المحافظات المصدرة للظاهرة.
لذلك لا يكفي أن تعلن الحكومة ضبط البحر، لأن السماسرة تعاملوا مع الإغلاق البحري كعقبة تقنية لا كضربة نهائية، فانتقلوا إلى الطريق البري عبر ليبيا، ثم أعادوا إنتاج الخطر نفسه على مسار أطول وأكثر قسوة، بينما ظل الطفل المصري الحلقة الأضعف في هذا التحول.
قرى تصدر الهجرة وتستقبل الغياب
وتشير المعطيات الرسمية إلى وجود 72 قرية في 14 محافظة باعتبارها الأكثر تصديرا وتأثرا بالهجرة غير الشرعية، مع حضور واضح لمحافظات الفيوم والبحيرة والغربية وكفر الشيخ والدقهلية والشرقية وأسيوط، بما يحول الملف من قضية حدودية إلى خريطة فشل تنموي داخل الريف والدلتا والصعيد.
ومن بين هذه القرى تبرز تطون التابعة لمركز إطسا في الفيوم، والتي عرفت باسم القرية الإيطالية، كما تنافسها كفر كلا الباب التابعة لمركز السنطة في الغربية، حيث لم تعد الهجرة قرارا فرديا عابرا، بل تحولت إلى ثقافة اجتماعية تضغط على المراهق قبل أن يكتمل وعيه.
وبينما تستثمر الدولة في حملات توعية موسمية، تواصل القرى الطاردة إنتاج أسباب الرحيل نفسها، لأن غياب فرص العمل وتراجع الدخل وضعف التدريب المهني يجعل وعد السمسار أكثر تأثيرا من خطاب المدرسة أو مركز الشباب، ويجعل الأسرة أحيانا شريكا مضطرا في مخاطرة تعرف أنها قاتلة.
وفي هذا السياق، يخدم رأي الدكتور أيمن زهري خبير السكان ودراسات الهجرة جانب تفسير الدافع الاقتصادي، إذ تشير مشاركاته العامة في ملف الهجرة إلى أن رفض بعض الناجين العودة يرتبط بأسباب اقتصادية، وهو ما يوضح لماذا تفشل الرسائل الوعظية عندما لا تسبقها فرصة دخل حقيقية.
كما أن مبادرة مراكب النجاة، التي أعلنتها الدولة في 2019، حددت 14 محافظة تنتشر فيها الظاهرة، ورفعت شعارات التدريب وفرص العمل وريادة الأعمال، غير أن استمرار طلبات الإحاطة ووقائع الترحيل من ليبيا يكشف أن المبادرة لم تتحول إلى شبكة حماية كافية داخل القرى الأكثر نزيفا.
وعندما التقت السفيرة نبيلة مكرم أهالي قرية تطون في ديسمبر 2019، قالت إن القرية من أكثر القرى المصدرة للهجرة غير الشرعية قبل 2016، وأشارت إلى غرق 160 من شبابها، وهذا الرقم وحده يحول الملف من حملة إعلامية إلى مأساة محلية متكررة.
قواعد بيانات غائبة وحكومة تلاحق النتائج
ثم يفتح طلب الإحاطة بابا أكثر إحراجا للحكومة، لأنه ينتقد غياب قواعد بيانات دقيقة ومحدثة ترصد الخرائط الجغرافية للقرى الأكثر تصديرا للهجرة، وهذا الغياب يعني أن الوزارات تتحرك غالبا بعد الكارثة، لا قبلها، وتتعامل مع الضحية عند الترحيل أو الغرق لا عند أول محاولة استقطاب.
كذلك يشير الطلب إلى خلل واضح في الرسائل الإعلامية والثقافية والتعليمية، لأن البرامج الحالية لم تلاحق أساليب السماسرة الذين يخاطبون الطفل بلغة المال السريع والصور القادمة من أوروبا، بينما تقدم المؤسسات الرسمية خطابا عاما لا يرد على السؤال المباشر الذي يواجهه الشاب داخل بيته.
ولهذا دعا الهضيبي إلى نقل الملف من المقاربة الأمنية الصرفة إلى مقاربة تنموية واجتماعية تشترك فيها وزارات الخارجية والهجرة والشباب والتضامن والعمل والتعليم، وهي دعوة تكشف أن الحكومة أخطأت عندما تعاملت مع البحر كجبهة وحيدة، وتجاهلت أن نقطة الانطلاق تبدأ من قرية بلا أفق.
وفي المقابل، تظهر الأرقام الأوروبية أن تشديد الرقابة على السواحل المصرية لم ينه تدفق المصريين، إذ سجلت تقارير منشورة في 2026 أكثر من 16 ألف عبور غير نظامي لمصريين حتى نهاية نوفمبر 2025، أغلبهم عبر ليبيا نحو إيطاليا، وبعضهم نحو اليونان.
وبناء على ذلك، تصبح التوصيات البرلمانية اختبارا للحكومة لا مجرد مادة خبرية، إذ يطالب الطلب بمشروعات اقتصادية كثيفة العمالة داخل القرى الطاردة، وتفعيل مراكز الشباب والمدارس لتأهيل صغار السن، وتغليظ العقوبات على كل من يروج لهذه التجارة عبر الشبكة الرقمية.
غير أن تنفيذ هذه التوصيات يحتاج إرادة سياسية لا بيانا جديدا، لأن القرى التي دفعت أبناءها إلى المتوسط لا تنتظر حملة ملصقات، بل تحتاج عملا محليا منظما يربط الأسر بفرص دخل وتدريب وملاحقة حقيقية للوسطاء، وإلا سيظل السمسار أسرع من الدولة في الوصول إلى الطفل.
وتبقى خطورة الملف في أن الحكومة تعرف أسماء المحافظات والقرى ومسارات الخروج وأدوات الاستقطاب، لكنها لم تقدم حتى الآن منظومة إنذار مبكر تمنع تحويل الفقر إلى جريمة منظمة، ولذلك يبدو طلب الإحاطة إدانة لسياسة الاكتفاء بضبط الحدود بعد أن هربت الأزمة إلى الداخل.

