حملت هجمات متكررة من أطراف النزاع في السودان على الأسواق الشعبية تحذيرًا من تحول المرافق المدنية المكتظة إلى أهداف مباشرة داخل الحرب المستمرة منذ أبريل 2023، بعدما باتت الأسواق في غرب كردفان ودارفور والخرطوم تسجل أعدادا كبيرة من القتلى والجرحى، وسط توسع استخدام القصف الجوي والمدفعي والطائرات المسيرة في مناطق يعتمد عليها المدنيون للحصول على الغذاء والعمل اليومي.
وتكشف هذه الوقائع أن المدنيين لم يعودوا يدفعون ثمن المعارك عند خطوط التماس فقط، بل داخل نقاط الحياة الأساسية، حيث يجتمع الباعة والعمال والأسر في ساعات الذروة. ويضع هذا النمط أطراف الحرب أمام مسؤولية قانونية مباشرة، لأن القانون الدولي الإنساني يلزم المقاتلين بالتمييز بين الأهداف العسكرية والأعيان المدنية، واتخاذ الاحتياطات اللازمة لتقليل الخسائر بين المدنيين.
سوق غبيش يعيد فتح ملف الطائرات المسيرة
شهدت ولاية غرب كردفان واحدة من أحدث حلقات استهداف الأسواق، عندما ضربت طائرة مسيرة سوق مدينة غبيش في مايو 2026 خلال وقت ازدحام، ما أدى إلى مقتل 28 مدنيا وإصابة العشرات، بحسب مجموعة محامين الطوارئ التي تتابع الانتهاكات المرتبطة بالحرب. ونفت مصادر عسكرية استهداف المدنيين، وقالت إن الضربة استهدفت مركبات تابعة لقوات الدعم السريع قرب السوق.
ويؤشر هجوم غبيش إلى خطر أكبر من واقعة منفردة، لأن الطائرات المسيرة أصبحت أداة مركزية في الحرب، مع تسجيل الأمم المتحدة مقتل أكثر من 880 مدنيا بسبب ضربات المسيرات بين يناير وأبريل 2026. ويعني ذلك أن الأسواق، بحكم ازدحامها اليومي وصعوبة إخلائها، صارت أكثر عرضة لتحويل أي ضربة إلى مجزرة واسعة.
كما يفاقم وجود قوات أو مركبات عسكرية قرب الأسواق من الخطر على المدنيين، لكنه لا يرفع الحماية القانونية عن هذه المناطق. فالقانون الدولي الإنساني لا يكتفي بسؤال وجود هدف عسكري، بل يفرض تقدير التناسب والاحتياطات، ويمنع الهجمات العشوائية أو التي تسبب ضررا مدنيا مفرطا مقارنة بأي مكسب عسكري مباشر.
دارفور والخرطوم أمام نمط متكرر من القصف
امتد الاستهداف إلى دارفور والخرطوم، حيث تعرضت أسواق الفاشر وكبكابية والمالحة ونيالا ومناطق أخرى لهجمات مدفعية وجوية متكررة. وفي فبراير 2025، تعرض سوق صابرين في أمدرمان لقصف أسفر عن مقتل 54 شخصا وإصابة 158 وفق وزارة الصحة، بينما تحدثت مصادر طبية لاحقا عن ارتفاع الحصيلة إلى 59 قتيلا ونحو 200 مصاب.
وتكرر المشهد في دارفور بصورة أشد قسوة، إذ ضربت غارة سوق تورا في شمال دارفور في مارس 2025، وأفاد ناشطون بوقوع عشرات القتلى والجرحى، بينما تحدثت قوائم محلية عن 84 ضحية بين قتيل وجريح، بينهم ما لا يقل عن 26 قتيلا. وتؤكد هذه الواقعة أن الأسواق لم تعد خارج الحسابات العسكرية رغم كثافتها المدنية الواضحة.
وسبق ذلك هجوم واسع على سوق كبكابية في شمال دارفور في ديسمبر 2024، حيث قالت مجموعة محامين الطوارئ إن غارة جوية قتلت أكثر من 100 شخص وأصابت المئات خلال يوم السوق الأسبوعي. ووصفت منظمة العفو الدولية الهجوم بأنه جريمة حرب صارخة، في إشارة إلى خطورة ضرب سوق مزدحم بمن فيه من نساء وأطفال وباعة.
وتظهر هذه الوقائع أن استهداف الأسواق لا ينتج فقط عن خطأ ميداني عابر، بل يتحول إلى نمط تتكرر فيه العناصر نفسها: سوق مزدحم، ذروة حركة مدنية، قصف جوي أو مدفعي، حصيلة بشرية مرتفعة، ثم تبادل للاتهامات بين الجيش وقوات الدعم السريع. وبين النفي المتكرر والاتهامات المتبادلة، يبقى المدنيون الطرف الوحيد الذي يدفع الثمن المؤكد.
انهيار الأسواق يدفع الجوع والنزوح
لا تقف آثار ضرب الأسواق عند عدد القتلى والجرحى، لأن السوق في السودان ليس مساحة للبيع فقط، بل حلقة أساسية في تدفق الغذاء والوقود والدواء والعمل اليومي. وعندما تدمر هذه المراكز التجارية، تتعطل شبكات التوريد المحلية، وترتفع الأسعار، وتفقد الأسر الفقيرة آخر مصادر الدخل المنتظم في مناطق تعاني أصلا من الحصار والنزوح.
وتشير تقديرات حديثة إلى أن الحرب قتلت عشرات الآلاف ودفعت نحو 13 مليون شخص إلى النزوح، بينما تواجه البلاد واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم. وتربط هذه الأرقام بين القصف المتكرر للمرافق المدنية وبين انهيار قدرة السكان على البقاء داخل مناطقهم، خصوصا عندما تصبح الأسواق والمستشفيات والمدارس في دائرة النار.
وتحذر وكالات أممية من أن نحو 19.5 مليون شخص في السودان يواجهون مستويات أزمة أو أسوأ من انعدام الأمن الغذائي بين فبراير ومايو 2026، بينهم أكثر من 5 ملايين في مرحلة الطوارئ ونحو 135 ألفا في ظروف كارثية. كما يهدد خطر المجاعة 14 منطقة في دارفور الكبرى وكردفان الكبرى مع اقتراب موسم الجوع بين يونيو وسبتمبر.
لذلك يصبح وقف استهداف الأسواق شرطا إنسانيا واقتصاديا قبل أن يكون مطلبا قانونيا فقط. فكل قصف جديد لا يقتل من كانوا داخل السوق وحدهم، بل يضرب قدرة المدينة أو القرية على تأمين الغذاء والدخل والحركة، ويحول الحرب من مواجهة بين قوتين مسلحتين إلى حرب يومية على الخبز.
وتبقى مسؤولية الجيش وقوات الدعم السريع واضحة في حماية المدنيين، سواء تعلق الأمر بتجنب ضرب الأسواق، أو منع التمركز العسكري قرب التجمعات السكانية، أو فتح ممرات آمنة للمساعدات والتجارة. ومن دون محاسبة جدية ووقف فوري للهجمات على الأعيان المدنية، ستظل أسواق السودان شاهدا يوميا على حرب تفكك المجتمع وتدفعه نحو الجوع والنزوح والانهيار.

