كشفت أسعار اللحوم والأضاحي في الأسواق المصرية، اليوم السبت، عن موجة ارتفاع جديدة ضربت مختلف المحافظات قبل أيام من عيد الأضحى، بعدما تراوح سعر كيلو اللحوم بين 260 ويصل إلى 800 جنيه في بعض القطعيات، وسط تراجع واضح في القدرة الشرائية واتساع مخاوف الأسر من غياب اللحوم عن موائد العيد هذا العام نتيجة التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة وتدهور الدخول الفعلية للمواطنين.
وتأتي هذه الزيادات بينما تواصل حكومة عبد الفتاح السيسي الترويج لتحسن المؤشرات الاقتصادية، رغم أن الأسواق تكشف يوميًا اتساع الفجوة بين الأسعار ودخول المواطنين، في وقت أصبحت فيه اللحوم سلعة بعيدة عن قطاعات واسعة من المصريين، بعدما دفعت السياسات الاقتصادية ورفع أسعار الوقود وتراجع قيمة الجنيه ملايين الأسر إلى تقليص استهلاكها الغذائي بصورة غير مسبوقة.
أسعار اللحوم تقفز قبل العيد والمواطنون ينسحبون من الأسواق
سجلت الأسواق ارتفاعات متتالية في أسعار اللحوم البلدية والمجمدة مع اقتراب عيد الأضحى، حيث تراوح سعر الكيلو بين 260 و350 جنيهًا في المنافذ المختلفة، بينما بلغ سعر الكبدة 350 جنيهًا والضاني 350 جنيهًا داخل منافذ وزارة الزراعة، في وقت ارتفعت فيه أسعار القطعيات داخل المتاجر الكبرى بصورة لافتة مقارنة بالشهور الماضية.
وفي السياق نفسه وصل سعر الإسكالوب إلى 560 جنيهًا، بينما سجل الفخد البلدي 550 جنيهًا والمكعبات بالدسم 480 جنيهًا، كما قفز سعر البتلو البلدي إلى 800 جنيه للكيلو، وهو ما دفع قطاعات واسعة من المواطنين إلى الاتجاه نحو اللحوم المجمدة أو تقليل الكميات التي يشترونها مع اقتراب موسم الأضاحي.
ومن جانبه قال مصطفى وهبة رئيس شعبة القصابين بالغرفة التجارية إن ارتفاع أسعار اللحوم يرتبط بعدة عوامل متراكمة، أبرزها زيادة أسعار الأعلاف والأسمدة والنقل والطاقة، إضافة إلى استغلال بعض التجار لموسم عيد الأضحى في رفع الأسعار بصورة مبالغ فيها نتيجة غياب الرقابة الحكومية الفعالة على الأسواق.
وأضاف وهبة أن ارتفاع الدولار وتكاليف الاستيراد انعكس بصورة مباشرة على أسعار الأعلاف والمواشي، وهو ما أدى إلى زيادة أسعار اللحوم الحمراء في أغلب المحافظات، مؤكدًا أن الحكومة لم تقدم حلولًا حقيقية لضبط السوق أو تخفيف أعباء الإنتاج عن المربين والجزارين خلال الشهور الأخيرة.
كذلك أشار وهبة إلى أن القاهرة والجيزة تشهدان أعلى أسعار للحوم بسبب ارتفاع الإيجارات وتكاليف التشغيل وأجور العمالة، بينما تقل الأسعار نسبيًا في المحافظات الزراعية مثل البحيرة والشرقية نتيجة توفر الأعلاف الخضراء وتقليل الاعتماد على الأعلاف المستوردة التي تتأثر بسعر الدولار وأزمات الملاحة الدولية.
التضخم ورفع الوقود يدفعان المصريين إلى التقشف في شراء اللحوم
أكد رئيس المنتدى المصري للدراسات الاقتصادية رشاد عبده أن ارتفاع أسعار اللحوم يعكس موجة تضخم شاملة تضرب الاقتصاد المصري منذ شهور، بعدما أدت زيادات الوقود وأسعار النقل والطاقة إلى رفع تكلفة الإنتاج والتوزيع بصورة مباشرة انعكست سريعًا على أسعار الغذاء داخل الأسواق.
وأوضح عبده أن التوترات الإقليمية المرتبطة بالحرب الإيرانية ساهمت في زيادة أعباء الاستيراد والنقل البحري، بينما فاقمت السياسات الاقتصادية الداخلية الأزمة عبر رفع أسعار الوقود والكهرباء بصورة متكررة، وهو ما حمّل المنتجين والمستهلكين تكاليف إضافية دفعت أسعار اللحوم إلى مستويات قياسية قبل موسم العيد.
وفي المقابل بدأت قطاعات واسعة من المواطنين في تقليص استهلاك اللحوم أو الاتجاه نحو شراء كميات محدودة للغاية، بعدما فقدت الأسر القدرة على تحمل الأسعار الحالية، خاصة مع ثبات الأجور وتآكل الدخول بفعل التضخم المستمر الذي ضرب مختلف السلع الأساسية خلال الأشهر الماضية.
كما قال محمود العسقلاني رئيس جمعية "مصريون ضد الغلاء" إن الأسواق بدأت تشهد حالة ركود واضحة نتيجة تراجع الإقبال على شراء اللحوم، مؤكدًا أن اتجاه المواطنين نحو المنافذ الحكومية وتقليل الاستهلاك تسبب في تباطؤ حركة البيع داخل محال الجزارة والأسواق التجارية.
وأضاف العسقلاني أن حالة الركود الحالية قد تدفع بعض التجار إلى خفض الأسعار لتجنب الخسائر، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن الأزمة الحقيقية تتعلق بتراجع القوة الشرائية للمواطنين، وليس فقط بارتفاع الأسعار، بعدما أصبحت قطاعات واسعة عاجزة عن شراء اللحوم حتى في المناسبات الدينية الكبرى.
وبالتزامن مع ذلك حذر عدد من العاملين في سوق اللحوم من استمرار الأزمة خلال الأسابيع المقبلة مع زيادة الطلب على الأضاحي، خاصة في ظل ضعف الرقابة على الأسواق وغياب سياسات واضحة لدعم الإنتاج الحيواني المحلي وتقليل الاعتماد على الاستيراد الذي يتأثر مباشرة بتقلبات سعر الدولار.
منافذ الحكومة تفشل في ضبط السوق والغضب يتصاعد قبل عيد الأضحى
تواصل الحكومة التوسع في طرح اللحوم عبر المنافذ الثابتة والمتحركة التابعة لوزارة الزراعة وبعض الجهات السيادية، حيث سجل كيلو الضاني 350 جنيهًا والمفروم البلدي 280 جنيهًا، بينما بلغ متوسط سعر اللحوم البلدية داخل تلك المنافذ نحو 450 جنيهًا للكيلو في محاولة لامتصاص الغضب الشعبي قبل العيد.
لكن هذه المنافذ لم تنجح في إحداث توازن حقيقي داخل السوق، بعدما بقيت الأسعار أعلى من قدرة قطاعات كبيرة من المواطنين، كما أن الكميات المطروحة لا تكفي لتغطية الطلب المتزايد مع اقتراب عيد الأضحى، وهو ما تسبب في استمرار الأزمة واتساع حالة القلق داخل الأسر المصرية.
ومن جهته قال محمد شرف نائب رئيس شعبة القصابين إن الأزمة الحالية تكشف فشل السياسات الحكومية في إدارة ملف الثروة الحيوانية، مؤكدًا أن ارتفاع أسعار الأعلاف واللقاحات والنقل دفع كثيرًا من المربين إلى الخروج من السوق خلال السنوات الأخيرة نتيجة الخسائر المتكررة وغياب الدعم الحقيقي.
وأشار شرف إلى أن الحكومة ركزت على الحلول المؤقتة عبر المنافذ الحكومية بدلاً من معالجة جذور الأزمة المتعلقة بالإنتاج المحلي، موضحًا أن استمرار الاعتماد على الاستيراد يجعل سوق اللحوم رهينة لتقلبات الدولار والأزمات العالمية، وهو ما يدفع الأسعار إلى الارتفاع مع كل أزمة اقتصادية أو سياسية.
وفي الوقت ذاته يواجه المواطنون موسم عيد الأضحى هذا العام وسط ضغوط معيشية غير مسبوقة، بعدما ارتفعت أسعار الغذاء والكهرباء والوقود والمواصلات بصورة متزامنة، بينما تتراجع القدرة الشرائية للأسر بصورة متسارعة نتيجة تآكل الأجور وغياب أي زيادات حقيقية تتناسب مع التضخم الحالي.
كما يرى مراقبون أن استمرار ارتفاع أسعار اللحوم يكشف حجم الأزمة الاقتصادية التي تعيشها البلاد، بعدما تحولت السلع الأساسية إلى عبء يومي على المواطنين، في وقت تواصل فيه الحكومة الحديث عن إنجازات اقتصادية ومشروعات كبرى بينما تتراجع مستويات المعيشة بصورة حادة داخل المدن والقرى.
وفي ظل هذه الأوضاع يقترب عيد الأضحى وسط مخاوف حقيقية من تراجع غير مسبوق في شراء الأضاحي واستهلاك اللحوم، بعدما أصبح ملايين المصريين عاجزين عن مجاراة الأسعار الحالية، بينما تتزايد الانتقادات للسياسات الحكومية التي دفعت الغذاء إلى دائرة الرفاهية بدلًا من كونه حقًا أساسيًا للمواطنين.

