كشفت كارثة فيروس هانتا التي تم اكتشافها على متن السفينة السياحية إم في هونديوس أن السفن ما زالت قادرة على تحويل مرض محدود الانتشار إلى حدث صحي دولي، بعدما سجلت منظمة الصحة العالمية وفاة 3 أشخاص وظهور حالات مؤكدة ومشتبه بها بين ركاب سابقين، بينما بدأت عمليات إجلاء وحجر ومتابعة طبية في عدة دول.
وتعيد هذه الواقعة إلى الذاكرة تاريخًا طويلًا من الأوبئة التي انتقلت عبر السفن، من الطاعون الأسود وطاعون جستنيان وطاعون مرسيليا إلى الحمى الصفراء والكوليرا، حيث لعب الاكتظاظ وضعف النظافة والقوارض والمياه الملوثة وحركة التجارة والهجرة دورًا مباشرًا في نقل العدوى وإزهاق أرواح مئات الآلاف من البشر.
من الطاعون الأسود إلى هانتا.. السفينة المغلقة لا تزال نقطة خطر
حملت سفن البحر الأسود في القرن الرابع عشر الطاعون إلى صقلية، وانتقلت العدوى من ميسينا إلى مدن إيطالية وأوروبية، بعدما جاءت السفن محملة بالبضائع ومعها الفئران والبراغيث والمرضى، وتذكر روايات تاريخية أن تلك الموجة قتلت نسبة هائلة من سكان أوروبا ودفعت لاحقًا إلى ترسيخ فكرة الحجر الصحي.
وقبل ذلك بقرون، ارتبط طاعون جستنيان بحركة سفن الحبوب القادمة من مصر إلى القسطنطينية، حيث حملت الفئران والبراغيث بكتيريا الطاعون عبر طرق التجارة، وتسبب الوباء في وفيات ضخمة وإضعاف الإمبراطورية البيزنطية اقتصاديًا وعسكريًا.
ثم تكرر المشهد في مرسيليا عام 1720 مع سفينة جراند سانت أنطوان القادمة من الشرق والمحملة بالحرير والقطن، إذ وصلت السفينة ومعها الطاعون، ورغم إجراءات الحجر سمح نفوذ التجارة بتفريغ البضائع، فانفتح الباب أمام وباء قتل عشرات الآلاف في المدينة ومحيطها.
وفي القرن التاسع عشر، دفعت السفن والبواخر والسكك الحديدية موجات الحمى الصفراء والكوليرا خارج حدود الموانئ، إذ ارتبط تفشي الحمى الصفراء عام 1878 بوصول الباخرة إيميلي بي سودر إلى نيو أورلينز، ثم ساعدت موجات الهروب والتنقل على اتساع الوباء في وادي المسيسيبي.
خبراء الصحة: هانتا خطير لكنه ليس كورونا جديدًا
قال المدير العام لمنظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم جيبريسوس إن الوضع حول السفينة لا يشبه جائحة كورونا، وأكد أن الخطر على سكان جزر الكناري وعلى المستوى العالمي منخفض، لكنه أقر بأن القلق الدولي مفهوم لأن ذاكرة كوفيد ما زالت حاضرة في وعي الناس.
وشددت ماريا فان كيركوف، مديرة الوقاية والتأهب للجوائح والأوبئة في منظمة الصحة العالمية، على أن تفشي هانتا على السفينة ليس بداية وباء ولا بداية جائحة، لكنها اعتبرت الواقعة تذكيرًا بضرورة الاستثمار في الأبحاث والتشخيص واللقاحات والعلاجات الخاصة بمسببات الأمراض النادرة.
ومن الولايات المتحدة، قال جاي بهاتاشاريا، القائم بأعمال مدير مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها، إن هذا الفيروس ليس كورونا ولا يجب التعامل معه كأنه كورونا، موضحًا أن هانتا أقل عدوى بكثير ويتطلب غالبًا اتصالًا قريبًا، بينما تستخدم السلطات الأمريكية العزل والمتابعة وتتبع المخالطين.
أما عالم الفيروسات بنجامين برينان من مركز أبحاث الفيروسات بجامعة غلاسكو، فرأى أن فرضية منظمة الصحة العالمية عن مسارات انتقال مختلطة، بين تعرض للقوارض في مناطق يتوطن فيها المرض وانتقال محدود بين مخالطين، تظل بحاجة إلى تحقيق وبائي ومخبري دقيق قبل إصدار أحكام نهائية.
سلالة الأنديز والحجر الطويل.. لماذا لا تنتهي الأزمة عند إجلاء الركاب؟
وتتمثل خطورة تفشي فيروس هانتا في أن السلالة المرتبطة بالواقعة هي سلالة الأنديز من فيروس هانتا، وهي معروفة بأنها النوع الوحيد من هانتا الذي يمكن أن ينتقل بين البشر في حالات نادرة عبر مخالطة قريبة وطويلة، بخلاف معظم أنواع هانتا المرتبطة أساسًا بالقوارض.
وبحسب وكالة رويترز، حملت السفينة نحو 147 راكبًا وطاقمًا عندما أُبلغت منظمة الصحة العالمية لأول مرة بمجموعة من أمراض الجهاز التنفسي الحادة في 3 مايو، بينما كان 34 راكبًا قد غادروا السفينة قبل اتضاح الصورة، ما جعل تتبع المخالطين مهمة عابرة للحدود.
وبحلول عملية الإجلاء في تينيريفي، تحدثت التقارير عن 8 حالات مرتبطة بالواقعة، بينها 6 مؤكدة و3 وفيات شملت زوجين هولنديين ومواطنًا ألمانيًا، كما ظهرت إصابة أمريكية بسلالة الأنديز وتدهورت حالة مسافرة فرنسية، بينما نقلت دول عدة رعاياها إلى العزل أو المتابعة.
وأوصت منظمة الصحة العالمية بحجر صحي مدته 42 يومًا لجميع ركاب السفينة، مع متابعة يومية للأعراض، بينما اتخذت دول مختلفة إجراءات متباينة شملت نقل ركاب بريطانيين إلى منشأة عزل في ويرال، ونقل ركاب أمريكيين إلى نبراسكا، وترتيبات خاصة لأستراليا وهولندا ودول أخرى.
الخلاصة: ليست جائحة جديدة لكنها إنذار عالمي
لا تشير أزمة هانتا على متن إم في هونديوس إلى بداية جائحة جديدة، وفق تقديرات منظمة الصحة العالمية ومسؤولي الصحة في الولايات المتحدة، لكنها تكشف أن السفن والرحلات الطويلة والبيئات المغلقة ما زالت تختصر المسافة بين مرض نادر وحدث صحي دولي يتطلب عزلًا وتتبعًا وتنسيقًا بين الحكومات.
وتؤكد الذاكرة التاريخية أن الخطر لا يبدأ دائمًا من حجم المرض عند ظهوره، بل من تأخر الفحص وضعف الحجر وانشغال التجارة والسفر عن الصحة العامة، فقد صنعت السفن في قرون سابقة ممرات قاتلة للطاعون والحمى الصفراء والكوليرا، وتعيد سفينة هانتا اليوم السؤال نفسه بصيغة حديثة.

