كشفت شركة أنجلو جولد أشانتي المشغلة لمنجم السكري في مصر أن إنتاج الذهب تراجع خلال الربع الأول من 2026 بنسبة 3% إلى 113 ألف أونصة مقابل 117 ألف أونصة في الربع نفسه من 2025، بينما قفزت التكلفة النقدية للأونصة إلى 1106 دولارات، لتكشف الأرقام خللًا واضحًا بين عائد المنجم وثمن إدارة الثروة.

 

وتضع هذه النتائج حكومة السيسي أمام سؤال مباشر عن جدوى إدارة أهم منجم ذهب في البلاد بمنطق يعلن الإتاوة ولا يكشف حصة الأرباح، إذ تجاوزت إيرادات الذهب 499 مليون دولار خلال 3 أشهر، بينما حصلت مصر على إتاوة معلنة بلغت 15 مليون دولار فقط، وسط أزمة دولار وديون تطحن المواطنين.

 

إنتاج أقل وتكلفة أعلى في منجم يفترض أنه كنز سيادي

 

أعلنت الشركة أن إنتاج منجم السكري انخفض من 117 ألف أونصة في الربع الأول من 2025 إلى 113 ألف أونصة في الربع الأول من 2026، وهو تراجع يبدو محدودًا في النسبة، لكنه يفتح بابًا أكبر حول كفاءة التشغيل داخل أصل تعديني تصفه الحكومة دائمًا بأنه قصة نجاح.

 

وبحسب نتائج الأعمال، لم يأت التراجع من انخفاض كمية الخام المعالج، لأن الشركة عالجت كميات أكبر بنسبة 10%، بل جاء بسبب انخفاض متوسط تركيز الذهب المستخلص بنسبة 27% بعد تراجع درجات الخام الخارج من عمليات التعدين تحت الأرض، وهذا يعني أن المنجم استهلك خامًا أكثر ليخرج ذهبًا أقل.

 

ومن زاوية اقتصادية، يخدم رأي الباحث الاقتصادي إلهامي الميرغني هذا المحور، لأنه يربط أزمات الثروة في مصر بسوء توزيع العائد وضعف الرقابة العامة على الموارد، وتبدو حالة السكري نموذجًا واضحًا حين تزيد حركة التشغيل والمعالجة، بينما لا يظهر أمام المصريين كشف شفاف يشرح نصيبهم الحقيقي من الذهب.

 

لذلك لا تبدو أزمة الربع الأول مجرد رقم إنتاج ناقص، بل تبدو مؤشرًا على إدارة ثروة عامة بمعادلة غامضة، فالشركة تشرح أسباب الانخفاض بلغة تشغيلية دقيقة، والحكومة تترك المواطن أمام بيانات متفرقة لا تكشف أثر المنجم على الموازنة ولا على أزمة العملة ولا على حياة الناس.

 

نصف مليار دولار إيرادات و15 مليون دولار فقط إتاوة معلنة

 

في المقابل، سجل منجم السكري إيرادات ذهب تجاوزت 499 مليون دولار في الربع الأول من 2026، مقابل 330 مليون دولار في الفترة نفسها من 2025، أي أن الإيرادات قفزت رغم انخفاض الإنتاج، بسبب صعود أسعار الذهب عالميًا، وهو صعود حول التراجع التشغيلي إلى مكسب مالي ضخم للشركة.

 

غير أن هذه القفزة لم تظهر للمصريين إلا في رقم الإتاوة المعلنة، حيث ارتفعت الإتاوات المسددة لمصر إلى 15 مليون دولار مقابل 10 ملايين دولار قبل عام، وتمثل الإتاوة 3% من قيمة المبيعات، بينما بقيت حصة مصر من الأرباح خارج الإفصاح المنشور، وهذا هو موضع الخلل السياسي قبل الاقتصادي.

 

وهنا يخدم رأي الكاتب والباحث الاقتصادي وائل جمال هذا المحور، لأنه يضع النقاش حول الموارد العامة داخل سؤال العدالة والحق العام، فلا يكفي أن ترتفع إيرادات منجم استراتيجي بينما يظل نصيب الدولة الحقيقي غامضًا، لأن الشفافية هنا ليست رفاهية صحفية بل شرط لمحاسبة السلطة.

 

ثم تزيد المفارقة حين تعلن الشركة أنها استثمرت في مصر نحو 67 مليون دولار خلال الربع الأول من 2026 مقابل 59 مليون دولار في الربع نفسه من 2025، لأن هذا الرقم يظهر قدرة الشركة على ضخ إنفاق تشغيلي واستثماري، بينما لا تقدم الحكومة بيانًا مكافئًا يشرح أين تذهب مكاسب الدولة من الذهب.

 

ارتفاع التكلفة يكشف فاتورة إدارة لا يدفع ثمنها المستثمر وحده

 

ارتفعت التكلفة النقدية الإجمالية لإنتاج الأونصة في منجم السكري إلى 1106 دولارات خلال الربع الأول من 2026، مقابل 826 دولارًا في الربع المقابل من 2025، بزيادة سنوية بلغت 34%، وهذا الارتفاع يضغط على هامش العائد ويكشف أن صعود أسعار الذهب يخفي خلفه فاتورة تشغيلية متضخمة.

 

وعزت الشركة ارتفاع التكاليف إلى تراجع الإنتاج، والسحب من مخزونات المعدن، وزيادة الإتاوات المرتبطة بصعود أسعار الذهب، إلى جانب ارتفاع تكاليف العمالة ومقاولي التعدين وأعمال الصيانة، وهذه الأسباب تعني أن المنجم يحقق إيرادات أكبر لكنه يدخل في دورة إنفاق أعلى تحتاج رقابة حكومية أكثر صرامة.

 

ومن هذا الباب، يخدم رأي الخبير الاقتصادي ممدوح الولي محور التكلفة والرقابة، لأنه اعتاد ربط أزمات الموارد المصرية بضعف الإدارة العامة وبغياب الإفصاح الكافي عن عوائد الأصول، وتؤكد أرقام السكري أن الثروة لا تتحول إلى منفعة عامة بمجرد استخراجها، بل تحتاج عقدًا واضحًا ورقابة معلنة.

 

المواطن لا يرى من منجم السكري سوى أخبار الإنتاج والإتاوات

 

وبينما تتحدث الحكومة عن جذب الاستثمار التعديني، تكشف بيانات السكري أن المشكلة لا تقف عند دخول المستثمر، بل تمتد إلى شروط الإدارة والإفصاح وتوزيع العائد، فالمواطن لا يرى من الذهب سوى أخبار الإنتاج والإتاوات، ولا يرى حسابًا عامًا يشرح نصيب الدولة النهائي من الأرباح والضرائب والإنفاق المحلي.

 

وتتضاعف حدة السؤال لأن مصر تعيش أزمة تمويل خانقة، وتلاحق الدولار عبر القروض والطرح والجباية، بينما يحقق منجم ذهب واحد إيرادات تقارب نصف مليار دولار في 3 أشهر، ثم يخرج البيان العام برقم إتاوة قدره 15 مليون دولار فقط، دون كشف حصة الأرباح أو أثرها المباشر على الخزانة.

 

وفي النهاية، لا تكشف نتائج السكري مجرد تراجع إنتاج بنسبة 3% أو زيادة تكلفة بنسبة 34%، بل تكشف طريقة حكم تتعامل مع الثروات كملف استثماري مغلق لا كحق عام، وتترك المصريين أمام ذهب يخرج من أرضهم، وأرقام تصعد في دفاتر الشركات، وشفافية تهبط في بيانات الحكومة.